ساد اعتقاد أن أحكام الشرع طالما يقينية الثبوت والدلالة فهي ثابتة وجامدة لا تتغير ولا تتأثر بالواقع، وإنما هي أوامر: افعل، ولا تفعل، وليس دورنا سوى الامتثال للأمر الإلهي. وكل محاولة لإعادة النظر في تطبيق الأحكام في عصرنا هي دعوة للانسلاخ من الدين والانقلاب عليه!

نبحث هنا عن سؤال جوهري وخطير يقلب تعاملنا مع الشرع بالكلية: هل أحكام الشرع دائمة وثابتة أم قد تتغير؟

أولًا: هل نزلت الشريعة لاختبار الطاعة أم لتحقيق المصلحة؟

الفكرة الأساسية التي نبع منها كل خصام بين الشرع والواقع: أننا لو سألنا: لماذا هذا حلال وذاك حرام؟ يجيب الآخر: لا يتعلق الحكم بالفعل ذاته، فليس بالضرورة أن ينتج عن الحكم الشرعي فائدة على الإنسان، وإنما الله حرَّم أمورًا وأمر بأمورٍ فقط لاختبار الطاعة!

لكن باستقراء أحكام الشرع يظهر بوضوح أن الشريعة استهدفت مصلحة الإنسان، ودارت معها حيث كانت، وينص القرآن صراحةً على أن الشرع ما جاء إلا لمصلحة العباد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾.

وبعض النصوص التي أقرت أحكامًا شرعية تنص على وجود مقاصد دنيوية للحكم، مثل: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)، (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)، (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).

يقول ابن القيم: القرآن وسنة رسول الله ممتلئان من تعليل الأحكام بالحِكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو 100 موضع أو 200 لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة(1).

ولذلك أقر الفقهاء أن القياس مصدر للتشريع؛ أي أننا نقيس المستجدات على الأحكام الثابتة بالنصوص، وذلك لاشتراكهما في (علة الحكم). إذًا فهو إعلان صريح بأن الأحكام الشرعية معللة، مسببة، لها مقصد.

وقد اتفق المالكية والحنابلة على أن المصالح المرسلة مصدر من مصادر التشريع؛ فمتى تبين وجود مصلحة، عرفنا أن الشرع يستهدفها ويرتضيها ويأمر بها، وهو دليل أن الشرع والمصلحة وجهان لعملة واحدة.

يقول الإمام الدهلوي: قد يُظن أن الأحكام الشرعية غير متضمنة لشيء من المصالح، وأنه ليس بين الأعمال وبين ما جعل الله جزاء لها مناسبة، وأن مثل التكليف بالشرائع كمثل سيد أراد أن يختبر طاعة عبده فأمر برفع حجر أو لمس شجرة مما لا فائدة فيه غير الاختبار، فلما أطاع أو عصى جُوزي بعمله، وهذا ظن فاسد تكذِّبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير(2).

ويقول العز بن عبد السلام: الشريعة كلها مصالح؛ إما أن تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح(3).

ويقول الشاطبي: القاعدة المقررة أن الشرائع إنما جيء بها لمصالح العباد، فالأمر والنهي والتخيير جميعًا راجعةٌ إلى حظ المكلف ومصالحه(4)، ودليل ذلك: أننا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيث دار، فترى الشيء الواحد يُمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز(5).

ويقول ابن قدامة: إن الشارع لا يُثبِت حكمًا إلا لمصلحة(6).

ويقول ابن عاشور: لنا اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حِكَم ومصالح ومنافع، ولذلك كان الواجب على علمائنا تعرُّف علل التشريع ومقاصده ظاهرها وخفيها(7).

إذًا فالشرع ما نزل إلا لمصلحة الإنسان.

ثانيًا: تتغير الأحكام بتغير موجباتها

أثبتنا أن مقصد الشريعة العام: هو مصلحة الإنسان، أما الأحكام التفصيلية، فلكل حكم مقصد محدد يصب في مصلحة الإنسان، إدراك هذا المقصد ليس رفاهية فكرية، وإنما يجب مراعاته لضمان صحة التطبيق.

فالحكم مرتبط بمقصده بحبل سري، متى انفصل الحكم عن مقصده، فُرِّغ من مضمونه، وفسدت قيمته، وأصبح تطبيقه هو تطبيق للحكم في غير محله، يضر بمصالح العباد، فلا يرتضيه الله ورسوله.

يقول العز بن عبد السلام: كل تصرف شُرِّع لمقصد واحد، بطل بفوات ذلك المقصود، وكل تصرف شُرِّع لمقاصد، بطل بفوات مقاصده أو بعضها(8).

ويقر الشاطبي قاعدة عامة: الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني؛ لأن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع العادات، وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عُرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص(9).

ويقول: لما ثبت أن الأحكام شُرِّعت لمصالح العباد، كانت الأعمال معتبرة بتحقيق هذه المصالح؛ لأنه مقصود الشارع فيها كما تبين. فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية، فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقًا، والمصلحة مخالفة، فالفعل غير صحيح، وغير مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قُصِدَ بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرِّعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع، فليس على وضع المشروعات(10).

إذًا فالحكم يدور مع مقصده وجودًا وعدمًا؛ متى تحقق المقصد، بقي الحكم، ومتى زال المقصد، توقف الحكم.

ثالثًا: أمثلة لتغير الأحكام بتغيير مقاصدها

1- قال تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ)، فقد نصت الآية على وجوب الثبات أمام العدو إلا لو زاد عدد الأعداء عن ضعف عدد المسلمين، فجعل الحكم معلقًا بالعدد؛ لأنه كان معبرًا عن القوة في ذلك الزمان.

أما بعد تطور الأسلحة فقد أصبح العدد لا يعبر عن القوة، ويجب تعلق الحكم بالعدد ونوعية الأسلحة وعددها، فمتى كانت قوتنا وأسلحتنا تُمَكِننا من الصمود أمام العدو، وجب الثبات، أما لو كانت أسلحة العدو أكثر تطورًا بحيث تبيد جيشنا، فعندئذ الانسحاب غير محرم، بل ضرورة. وهنا صحيح خالفنا ظاهر النص، لكن طبقنا مقصده، وهو ثبات الجنود مع المحافظة عليهم(11).

2- قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ).

في عهد النبي كانت غنائم الحروب تُوزَّع كلها على المقاتلين، إلا الخُمس، الذي حددت الآية مصارفه، كيف نطبق هذا الحكم الآن؟ هل يختص العسكريون بمكاسب الحروب ماعدا الخُمس؟! وهل يلزم توزيع الخمس على هذه الفئات؟

هذا حكم قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، إلا أن علة هذا التوزيع أنه في عهد النبي كان تجهيز الجيش يقع أغلبه على المقاتلين أنفسهم، فالمقاتل هو الذي يجهِّز سيفه وفرسه، ولما كان عبء القتال والتجهيز يقع على المقاتلين، كان توزيع غنيمة الحرب لهم. أما اليوم فالجندي هو عامل في مؤسسة للدولة، والدولة تعطيه راتبًا، وتجهِّزه للحرب على نفقتها، لذا فأي غنيمة تعود للجيش، يجب أن تعود للميزانية العامة، ولا يحتكرها الجنود لأنفسهم، وبذلك فتفاصيل الحكم تغيرت لتغير الواقع وانعدام علة الحكم(12).

3- قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى).

تتحدث الآية عن الاستشهاد في الديون؛ فحين يعطي دائن مالًا إلى مدين، حينئذ يطلب من البعض الشهود على عملية المداينة، ليحفظ حقه، ويوثق الدَّيْن، هنا الآية تقر باستشهاد رجلين أو رجل وامرأتان.

لماذا إشهاد امرأتين يعادل إشهاد رجل؟ هل لأن طبيعة المرأة النسيان ونقص العقل؟ هل إشهاد رجل يساوي إشهاد امرأتين دائمًا؟

نجد أن النبي قد قَبِل شهادة امرأة واحدة في الرضاع، وتُقبل شهادة المرأة منفردة في هلال رمضان، وتُقبل روايتها للحديث، الذي هو أهم وأخطر من الماليات.

إذًا فعلة هذا الحكم ليس نقص عقل المرأة وقلة ذاكرتها، وإنما لعلة أخرى، وهي أن النساء حينئذ لم يشارك أغلبهن في المعاملات المالية، فنتج عن ذلك قلة خبرتهن في المداينات، فليس من تمام التوثيق للدائن إشهاد امرأة واحدة عديمة الخبرة المالية، وهنا لو أسقط القرآن إشهاد النساء عمومًا، لكان أمرًا طبيعيًا، إلا أنه شاء مشاركة المرأة في الماليات، فارتضى شهادة امرأتين، حتى تزداد خبرتهن، ويمكن الاعتماد على الواحدة منهن.

يقول ابن عاشور: الآية ترمى إلى تعويدهم بإدخال المرأة في شئون الحياة، إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشئون(13).

ولو زالت العلة، وهي ضعف الثقافة المالية، ووجد الدائن امرأة ذات خبرة مالية، فله أن يستشهد رجلين، أو امرأتين، أو رجل واحد، أو امرأة واحدة، المهم أن يثق فيمن استشهده.

يقول ابن تيمية: ما كان من الشهادات لا يُخاف فيه الضلال في العادة، لم تكن فيه المرأة على نصف الرجل(14).

ويقول ابن القيم: إذا عقلت المرأة وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها، فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات، ولهذا تقبل شهادتها وحدها في مواضع، ويُحكم بشهادة امرأتين(15).

ويقول محمود شلتوت: اعتبار المرأتين في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس لضعف عقلها الذي يتبع نقص إنسانيتها ويكون أثرًا له، وإنما هو لأن المرأة – كما قال الأستاذ محمد عبده – ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل. ومن طبع البشر عامة أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويمارسونها، ويكثر اشتغالهم بها(16).

وإذا كان المتعاملون في بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات، كان لهم الحق في الاستيثاق بالمرأة على نحو الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا إلى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه(17).

4- قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)، هل لو حارب المسلمون اليوم دولة، نفرض عليهم الجزية؟ هل نأخذ الجزية من غير المسلمين في بلادنا؟

لإجابة هذا السؤال نحتاج أولًا للكشف عن علة الجزية.

فرض الشرع الجزية على غير المسلمين جزاء حمايتهم وعدم مشاركتهم في الجيش، وأدلة ذلك:

الجزية أصلًا لم يستحدثها الإسلام، بل كانت معروفة من قبل، وقد ابتدعها كسرى وجعلها مبلغًا يُأخذ من المعفيين من القتال ويُعطى للمقاتلين جزاء تفرغهم للحرب(18).

وقد اتفق العلماء على أن الجزية لا تُفرض على النساء، ولا الأطفال، ولا الشيوخ، ولا الفقراء، ولا الكهنة، وإنما تُفرض فقط على القادرين على القتال.

كما أن عهود المسلمين مع غيرهم نصت على أن الجزية جزاء حمايتهم:

– فلما فتح عتبة بن فرقد (أذربيجان)، عاهدهم على الجزية مقابل حمايتهم، وعفى الجزية عن المشاركين في الجيش، ولم يعترض عمر بن الخطاب ولا أحد على مشاركة الذميين، وإسقاط الجزية عنهم(19).

– وروى الطبري أن خالد بن الوليد لما دخل الفرات كتب إلى صلوبا بن نسطونا: عاهدتكم على الجزية طالما حميناكم، ولو لم نحميكم، فلا جزية لنا(20).

– وروى القاضي أبو يوسف أن المسلمين حين عجزوا عن حماية أهل الذمة من هجمات الروم، ردوا إليهم الجزية، وقال لهم أبو عبيدة: رددنا لكم أموالكم، لما عجزنا عن حمايتكم(21).

– وروى الطبري أن الفرس لما تمكنوا من العراق، رد المسلمون الجزية لأهلها(22).

– وقال البلاذري: لما هاجم هرقل على أهل حمص في موقعة اليرموك، رد المسلمون على أهل حمص الجزية(23).

إذًا فعلة فرض الجزية هي حماية المعاهَدين وجزاء عدم مشاركتهم في القتال، أما اليوم فقد اتفقت الشعوب على مفهوم المواطنة الذي يقر بالتجنيد الإجباري – أو الاختياري – للقادرين من المواطنين، دون تفرقة بين دياناتهم. وبذلك لا معنى لتطبيق الجزية هذه الأيام على أي أحد.

5- أقبل فقراء إلى المدينة النبوية في عيد الأضحى، فقال النبي عن لحوم الأضاحي: ادَّخروا ثلاثة أيام فقط، وتصدقوا بالباقي. ثم جاء العام التالي، ففعل الصحابة ما فعلوه العام السابق، لكن عندها قال النبي: كنت قد نهيتكم لوجود فقراء في المدينة، أما الآن، فادخروا كما تشاءون.

وهو بذلك يعلمنا بنفسه كيف يتعلق الحكم بالمقصد، فيوجد بوجوده ويزول بزواله، وليس تهورًا ولا معصية أن نوقف العمل بالحكم لعدم تحقق مقصده(24).

6- قال النبي: أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون(25).

جدير بالذكر أن التصوير الفوتوغرافي لم يكن موجودًا في عهد النبي، والمقصود بالتصوير هنا نحت التماثيل. لكن نجد القرآن يقرُّ أن التماثيل كانت مباحة في عهد سليمان، (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ). وقد اُستُشكِل كون المصور أشد الناس عذابًا، رغم قوله تعالى: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)؛ فإنه يقتضي أن المصور عذابًا من آل فرعون!

وأجاب الطبري: بأن المراد هنا من يصور ما يُعبَد من دون الله، وهو عارف بذلك، قاصدًا له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون(26)، إذًا علة التحريم هنا ليست مجرد نحت تمثال، وإنما صنع تمثال بغرض عبادته، وبذلك فالتماثيل والصور التي تبعد عن هذا الغرض لا يشملها التحريم.

وغير ذلك كثير من الأحكام التي تدور مع المقصد وجودًا وعدمًا.

إذًا فالحكم قد يكون قطعي الثبوت والدلالة إلا أنه يتغير ويتبدل إن تغير الواقع وأصبح التطبيق لا يحقق مقصده.

الأحكام متغيرة والمقاصد ثابتة

ولما كانت مقاصد الأحكام هي الهدف ومحل نظر الشرع، كانت الأحكام هي مجرد وسائل تستهدف تحقيق هذه المقاصد، وهي أفضل الوسائل على الإطلاق في زمن التشريع، لكن السؤال الجوهري هنا: ماذا لو تغير الواقع وأصبحت هذه الوسائل لا تحقق مقاصدها؟ وظهرت وسائل أخرى تحقق المقصد؟

هنا لابد من تغيير صورة الحكم لتحقيق المقصد، ولا يُعدّ ذلك تغييرًا للشرع، بل هو تغيير لآليات الشرع ووسائله الجزئية، لكن الشرع في الحقيقة هو المقاصد التي استهدفها، فالمحافظة على المقاصد هي محافظة على الشرع. أما التمسك بالوسائل فلا يعد تمسكًا بالشرع، بل تمسك بآليات انتهت صلاحيتها، وهو يضر بمقصد الدين. وهنا علينا سؤال أنفسنا بصدق وأمانة وجرأة: هل يعنينا مقاصد الشرع أم آلياته؟ مراده أهم أم وسائله؟

يقول ابن عاشور: لا يجدر بحال أن يكون معنى صلوحية التشريع للبشر أن الناس يُحملون على اتباع أحوال أمة خاصة مثل أحوال العرب في زمان التشريع، ولا على اتباع تفريعات الأحكام وجزئيات الأقضية المُراعى فيها صلاح خاص لمن كان التشريع بين ظهرانيهم.

فتعين أن يكون معنى صلوحية شريعة الإسلام لكل زمان أن تكون أحكامها كليات ومعاني مشتملة على حِكَم ومصالح، صالحة لأن تتفرع منها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد.

غير أن القرآن لما أُنزل في أحوال مختلفة الصور، وكان المقصد منه إرشاد الأمة إلى طرق من الإرشاد كثيرة، وكان المقصد من لفظه الإعجاز، نجده قد اشتمل على أنواع من أساليب التشريع. ففيه التشريع العام الكلِّي، وفيه التشريعات الجزئية النازلة في صورة أحكام نوازل حلَّت، وهي أيضًا بمنزلة الأمثلة والنظائر لفهم الكليات(27).

ويضيف: قد تتبعت تفريع الشريعة في زمن الرسول فوجدت معظمه في أحكام العبادات، حتى إنك لتجد أبواب العبادات في مصنفات السنة هي الجزء الأعظم من التصنيف بخلاف أبواب المعاملات. وذلك لأن العبادات مبنيةٌ على مقاصد قارة، فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور إلا في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرخصة.

فأما المعاملات فبحاجة إلى اختلاف تفاريعها باختلاف الأحوال والعصور. فالحمل فيها على حكم لا يتغير حرجٌ عظيم على كثير من طبقات الأمة. ولذلك كان دخول القياس في العبادات قليلًا نادرًا، وكان معظمه داخلًا في المعاملات(28).

ويقول د. مصطفى الحسن: النموذج الإسلامي الذي تشكل في عصر النبوة لم يكن نموذجًا متشكلًا بالقرآن فقط، بل كان الواقع شريكًا في هذا التشكيل، وأعني هنا كل ما له علاقة بالزمان والمكان.

بإمكاننا أن نتخيل نزول القرآن على نسق ثقافي آخر، كيف ستكون النتيجة حينها؟ حاول أن تقوم بتحريك الزمان والمكان، هنا سيتغير النسق الثقافي تلقائيًا، فكيف سيكون النسق الإسلامي الأول حينها؟ هذا يوضح أن النسق الإسلامي الذي قام في عصر النبوة هو أحد ممكنات الدين، وليس هو الدين ذاته(29).

بعد معرفة ما هو متغير وما هو ثابت، فليس من الدقة في شيء أن نطلق مصطلح الشريعة على أحكام الشرع التفصيلية؛ لأنها وسائل قد تتغير، أما ما يستحق إطلاق مصطلح الشريعة عليه فهي المقاصد، فهي العنصر الوحيد الثابت، فالشريعة الإسلامية هي مبادئ كلية تستهدف الحفاظ على الدين والنفس والعِرض والمال.

اعتراض (1): إن كانت أحكام الشرع قابلة للتغيير، لماذا لم ينص القرآن على ذلك؟

لو تطرق القرآن لشروط تطبيق كل حكم، والمتغيرات الممكنة لتغييره، لخرجت أحكامه في صورة: افعلوا كذا إلا لو حدث كذا أو كذا أو كذا! وعندئذ سيسرد آلاف الحالات ومئات المتغيرات، وسيخرج القرآن في مجلدات نعجز عن حفظها والإلمام بها، وسيفقد الاختصار والبلاغة.

كما أن ذكر الحالات المستقبلية التي يتغير عندها الحكم، لم يكن العرب متصورين لها، فتخيل لو أراد القرآن التعليق على أحكام السفر بالطيران، فلو عبَّر عن ذلك للعرب القدماء لاتهموا القرآن بالجنون.

إذًا فقد نص القرآن على المبادئ الكلية ليعلمنا توجهاته، وأضاف أحكامًا جزئية تحقق مصالح العباد، وعلى العقل البشري تكملة المسيرة على نفس النهج.

اعتراض (2): أليست الشريعة الإسلامية هي الشريعة الخاتمة؟ فكيف تتغير أحكامها؟! هل يعني ذلك أن الدين صالح لزمن النبي فقط وانتهى دوره؟

هنا يجب التفريق بين النسخ والتغير؛ فالنسخ يعني إبطال حكم نهائيًا بحكم آخر، وهو ما لم نقله إطلاقًا، فلم ندعو لوقف أحكام الشرع وانتهاء دورها تمامًا.

بل ما نقوله هو تطبيق الحكم في محله، تطبيق الحكم في الموقف الذي يحقق مقصده، أما لو تغيرت الظروف، فهذا الموقف ليس محلًا لهذا الحكم، مثلًا أحكام العبيد لا تعمل الآن، ليس لأننا أبطلناها، لكن لعدم وجود عبيد، فمحل الحكم غير موجود.

إذًا فأحكام الشرع مازالت سارية، غير أن الواقع حاليًا لا ينطبق عليه هذه الأحكام، ولو عاد الواقع طبقًا لما وصفته أحكام الشرع، لعاد تطبيقها.

إذًا فأحكام الشرع ليست قوالب جامدة ومحفوظات مكررة وأوامر صماء، بل هي أداة ووسيلة لإسعاد البشر، تتغير صورها وتتبدل طرقها لتحقق مصالحهم.

————————

المصادر:

  1. (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة) ج2 ص22
  2. (المقاصد الجزئية) ص207 نقله عن (حجة الله البالغة) ج1 ص4
  3. (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) ج1 ص11
  4. (الموافقات) ج1 ص234
  5. (الموافقات) ج2 ص520
  6. (المقاصد الجزئية) ص194 نقله عن (روضة الناظر) ص302
  7. (مقاصد الشريعة الإسلامية) ص51
  8. (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) ج2 ص146
  9. (الموافقات) ج2 ص513
  10. (الموافقات) ج3 ص120
  11. (إزالة الأوهام عن دين الإسلام) ص69
  12. (فقه الجهاد) ص989
  13. (التحرير والتنوير) ج3 ص109
  14. (الطرق الحكمية) ج1 ص127
  15. (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ج1 ص75
  16. (تفسير المنــار) ج3 ص104
  17. (الإسلام عقيدة وشريعة) ص219
  18. (الكامل في التاريخ) ج1 ص413
  19. (تاريخ الطبري) ج4 ص155
  20. (تاريخ الطبري) ج3 ص367
  21. (الخراج) ص139
  22. (تاريخ الطبري) ج3 ص370
  23. (فتوح البلدان) ص187
  24. (صحيح مسلم) ج3 ص1561 رقم (1971)
  25. (صحيح البخاري) ص1495 رقم (5950)
  26. (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) ص396
  27. (مقاصد الشريعة الإسلامية) ص105
  28. (مقاصد الشريعة الإسلامية) ص154
  29. (موجز في طبيعة النص القرآني) ص114، 116

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد