كما ذكرنا في المقال السابق (هنا) أن فرقة الشيعة بعد تكفيرها لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم جملةً؛ عدا أفراد رضوا عنهم، قد وجدوا أنفسهم في حرج بالغ من قبولهم للقرآن الكريم. وسلكوا للخروج من هذا المنزلق مسالك لا تقبلها العقول السليمة. وأحدها كان ركوبهم فرية افتروها وهي أن سند القراءة المنسوبة لحفص عن عاصم ما هو إلا سند شيعي. بل وبالغوا أشد المبالغة بالمنِّ على خصومهم السلفية بطباعة هذا الإسناد في الطبعة الشهيرة المنتشرة (طبعة الملك فهد بن عبد العزيز).

وهي فرية منتشرة طارت كل مطار للتعمية على عوام الشيعة الموالين، وتثبيتهم على الاعتقاد بعدم ضرورة إسلام الصحابة الكرام كشرط للنقل الصحيح لأن هذا الاعتقاد من ضرورات الفرقة وهدمه كفيل بنقض كل المزاعم التالية المؤسسة على هذا الأصل الإفك، الدخيل المُغرِض. ومما ورد في أحد هذه المواقع هذا النص من صفحة الأسئلة والأجوبة بمركز الأبحاث العقائدية:

«فهذه القراءة وهي قراءة حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب – عليه السلام – قراءة شيعية خالصة. فحفص من أصحاب الإمام الصادق – عليه السلام -، راجع رجال الطوسي. وعاصم من أعيان شيعة الكوفة الأعلام ذكر ذلك أبو الفتوح الرازي. وأبي عبد الرحمن السلمي من خواص علي – عليه السلام -، ذكره ابن قتيبة في المعارف والبرقي في رجاله».

وبلغ التطاول ببعض كتابهم ألا يكتفوا بالوقوف عند تلقف التدليس فاجتازوا إلى إطلاق الأقلام لترمي بكل مقذّع وتصبَّ فوق الافتراء افتراءات!. والشاهد على ذلك ما كتبه مروان خليفات في كتابه (فضل الشيعة على الأمة في حفظ القرآن والعناية به)، وهذه إطلاقاته من مقدمة الكتاب:

«يشنع الوهابيون ومن تأثر بهم على الشيعة ويطالبونهم دائمًا بسند صحيح للقرآن. ومن العجيب طلبهم هذا فمن كان بيته من زجاج لا يضرب بيوت الآخرين بالحجارة كما يقول المثل، فهل يمتلكون هم سندًا صحيحًا فضلًا عن تواتره لقراءة حفص التي يقرأ بها أغلب المسلمين اليوم؟!. لقد آثرت طرح هذا الموضوع وإشباعه بحثًا لسد ثغرة طالما دخل منها المغرضون للتشنيع على الشيعة وقد أثبتنا أنهم يعتمدون على كذاب في سند قراءتهم القرآنية، وأثبتنا كذلك أن قراءة حفص عن عاصم والتي عليها الاعتماد عند أغلب العالم الإسلامي هي قراءة شيعية محضة، أخذها الآخرون من الشيعة ونسبوها لأنفسهم ثم صاروا يتبجحون ويُعيِّرون غيرهم أنهم لا يملكون سندًا لتلك القراءة! وهذا من الصلافة وخفة العقل، ولعل القاموس العربي يعجز عن وصف هذه الحالة النفسية التي يعيشها هؤلاء، ها نحن نقلب السؤال عليهم ونبين الحقيقة التي طالما أخفوها أو خفيت عليهم، ومن الله نستمد العون وهو نعم المولى ونعم النصير».

ورحم الله شريكًا إذ قال: «احمل العلم عن كل من لقيت إلّا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا». وعبارة شريك تصف موقف مروان خليفات خير وصف، فأي فضل للشيعة على الأمة وقد طعنوا في عرض رسولها عليه الصلاة والسلام، وكفروا أزواجه أمهات المؤمنين، وكفروا أصحابه. وقذفوا هؤلاء السابقين المجاهدين الكرام بكل مقذوفات الكفر والإلحاد والزندقة التي تملأ جعابهم وأوعيتهم!

وحتى تمتدَّ أيدي الشيعة لوضع السند – الذي لا يملكونه – للقرآن الكريم مرويًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فليس أمامهم غير ثلاث طرق.

• الطريق الأول

أن يرويه راوٍ شيعي عن إمامه المعصوم عن شيعي آخر عن الإمام المعصوم إلى أن يصل السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. مثال ذلك: أن يروي موسى بن جعفر عن جابر الجعفي عن جعفر الصادق عن الباقر عن زين العابدين علي بن الحسين عن عاصم بن أبي النجود عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا غير ممكن لأن الإمام المعصوم لا يصح عندهم أن يأخذ عن الراوي الشيعي غير المعصوم.

• الطريق الثاني

أن يرويه الأئمة المعصومين معصوم عن معصوم إلى أن يصل السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. مثال ذلك: أن يروي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن زين العابدين علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا السند ليس موجودًا عندهم ولا سبيل إليه.

• الطريق الثالث

وهو الذي سلكوه متأبطين أدوات السارقين كي ينتحلوا قراءة من القراءات العشر عن أئمة قراء القرآن الكريم، وهم:

– نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني.

– عبد الله بن كثير الداري المكي.

– أبو عمرو بن العلاء البصري.

– عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي.

– عاصم بن أبي النَّجود الأسدي الكوفي.

– حمزة بن حبيب الزيات الكوفي.

– أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي الكوفي.

– أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني.

– يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري.

– خلف بن هشام.

فلم يعثروا عما يصلح للانتحال من هؤلاء القراء مما يسهل التغبيش عليه إلا في سند عاصم الكوفي الذي اشتهرت عنه قراءتين لراويين (شعبة وحفص)، كما اشتهرت قراءتا (قالون وورش) عن نافع المدني (كمثال). فاختاروا سند قراءة حفص عن عاصم على وجه المناسبة للتدليس لا للحقيقة.

وقبل الرد على هذه الفرية وتفتيتها وذرّها رمادًا للريح، فقضية أو شبهة السند المدّعى كالعملة المعدنية ذات الوجهين، وجه يمثِّل هشاشة التصورات الشيعية للثوابت الإسلامية، والوجه الآخر يمثِّل انكفاء الفرقة على مسافة بعيدة تتواضع فيها على مفاهيم ذات خصوصية بها وإن كانت تلك المفاهيم متعلقة بالقرآن الكريم الذي يمثل عروة الإسلام، قد يجوز فهم هذا الابتعاد في التفسير مثلاً أما في الأصل القرآني نفسه فهذه مجازفة كبيرة. وهنا ملاحظة يستدعيها هذا الموقف عن الشغف الشيعي بادعاء الأحقية في: الرسول وآل بيته وخلافته. ومع أن ادعاء السند وانتحاله كان للتملص من حرج بالغ، فمن ناحية أخرى يشبع الأنا الجمعية الشغوفة لمثل هذا الامتلاك من ناحية نفسية صرفة. كما أنه من جانب يشفع لقولهم المتكرر باتباعهم الثقلين: القرآن الكريم (الثقل الأكبر)، والعترة (الثقل الأصغر).

ومما سبق ففريتهم انطلقت من هشاشة الموقف الذي يُسأل فيه المعمم والمرجع الشيعي عن سند المعصومين، أو سند رواتهم إلى منبع الوحي. فعلينا ألا ننظر إلى فريتهم كشبهة بحتة، وإنما شبهة ينبغي قبل الرد عليها وذرّها رماداً أن تُحلَل خلفياتها وبواعثها من دوافع ومنطلقات أدّت إليها. وما نشير إلى ذلك قبل رده إلّا من باب الله الذي لا يخيب ولا يبلى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء، ١٨].

(يُتبع، الجزء الأخير).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد