تأسس الفكر الشيعي على تكفير الصحابة الكرام مما أنشأ قطيعة بينه وبين الأصول الإسلامية، القرآن الكريم والسنة والنبوية. لأن حملة ورواة هذا التراث هم الذين تكفرهم الفرقة الشيعية. وهذه القطيعة أعمق من التأويل الباطني للقرآن وتفسيره بأهواء المفسرين الشيعة، وأعمق من وضع سنة بديلة منسوبة للرسول ولآل بيته. حيث إن تكفير الصحابة يجعل من تفاسير الشيعة نفسها معرّضة للسؤال عن مصدر القرآن الذي فُسر في بطونها.

يمكن وضع أحاديث وأسانيد في السنة النبوية، وإن كان التحقق العلمي يفضح هذا الوضع المكذوب لكن يظل الوضع ممكنًا وبيسر. أما وضع أسانيد للقرآن من رواة شيعة، أو حتى سندًا واحدًا؛ مستحيلًا. لطبيعة التلقي الشفاهي للقرآن عند الحفّاظ أولًا، ولأن السند لا بد أن ينتهي إلى الرسول عبر أصحابه الحفظة المقرئين، ولم يكن كل الصحابة كذلك «وما جمع زيد بن ثابت للقرآن أثناء أحداث الردة إلا دليلًا على ذلك». ولسبب ثالث أن الفكر الشيعي نفسه لم يبدأ في التكوّن إلا بعد تسلم علي بن أبي طالب مقاليد الحكم كخليفة.

وأمام أي قضية تشكل حجر عثرة أمام الشيعة يتم صرف احتجاجات تتميز بالغرابة فوق أنها – قطعًا – لا حل لها، فالأسانيد القرآنية المعروفة في روايات القرآن الكريم هي سنية بالكامل. ولا يمكن الجمع بأي حال بين تكفير الرواة وقبول روايتهم للنصوص المقدّسة على الإطلاق. وهذا المشكل الذي اصطدم به الشيعة مثّل منبعًا أو محركًا لعقائد أخرى كادعاء تحريف الصحابة للقرآن، وطمسهم لآيات محكمة تعيّن عليًا كإمام وصيّ للرسول، والادعاء أن لفاطمة الزهراء مصحفًا غير الوحي القرآني الذي أنزله الله.

 ذكرنا أن الشيعة قد وضعوا أنفسهم في منزلق وعر بتكفيرهم للصحابة وبالتالي نسفهم لسلاسل الأسانيد المعنعنة إلى نبع الوحي المطهّر ألا وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذه الإطاحة شملت جملة النصوص القرآنية والنبوية. فكان لزامًا عليهم القبول بالقرآن الكريم بصورة لا يمكن الفكاك منها، بعكس نصوص السنة النبوية الشريفة التي ردّوها ببساطة، هكذا.

 فمثّل قبولهم للقرآن الكريم إحراجًا بالغًا، ولم يجدوا غير البحث عن مخارج لهم أمام هذا المنزلق. فقالوا أن القرآن لا يشترط فيه الإسناد لأنه نُقل بالتواتر. وقالوا إنه محفوظ بالرعاية الإلهية فلا يمكن أن يحرِّفه الصحابة. وقالوا من باب الادعاء أن أحد أسانيد القرآن هو سند شيعي رواته من الشيعة وبذلك فإنهم في حِلٍ من أسانيد أهل السنة والجماعة. وهذا السند هو المعروف في طبعة مصحف فهد بن عبد العزيز؛ رواية حفص عن عاصم.

ونبدأ بالرد على أول هذه الأقوال، قولهم أن التواتر يغني عن الإسناد. ورحم الله الإمام عبد الله بن المبارك إذ قال: «الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء». وهل التواتر إلا رواية الجماعة والعدد الكثير من الناس بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب. فكيف يغني التواتر عن الإسناد وهو – أي التواتر – رتبة من رتب الصحة والثبوت للمنقول عن الرواة! لذا فقول الشيعة أنهم أخذوا القرآن بالتواتر تناقض بائن في موقفهم من الصحابة إذ كفروهم من ناحية، وحكموا عليهم بعدم التواطؤ على الكذب أي صدقهم جميعًا في النقل عن الرسول من الناحية الأخرى!

وقولهم الثاني عن حفظ الله للقرآن أشد تهافتًا من الأول وأكثر تأكيدًا لعدالة الصحابة الكرام. فإن الله استحفظ اليهود والنصارى على ما أنزله عليهم من كتب فحرّفوها بأنواع التدليس والتحريف من حذف وإضافة وتبديل للكلم عن موضعه وتأويل؛ من أنواع التحريف للنصوص. وقد أشار الله لمن أوكل إليهم هذا الحفظ ببيان صريح في سورة المائدة: «إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ…». بينما تكفّل الله بحفظ القرآن الكريم لأمة محمد في سورة الحجر: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ». وذلك بحفظه في صدور الرجال لا بواسطة الملائكة! وهنا فعلى الشيعة البحث عن مخرج آخر لأن حفظ الله للقرآن الكريم في صدور الصحابة يحرجهم أكثر إذ يبدو أنهم يطعنون في الله بتكفيرهم لأصحاب الرسول، أصحاب هذه الصدور!

وأخيرًا قولهم الثالث وهو شائع في مواقعهم ومنتدياتهم أن للشيعة سند للقرآن الكريم، وهو سند القراءة المشهورة (رواية حفص عن عاصم)، بل يزايدون بأن طبعة الملك فهد بن عبد العزيز هي بسندهم هذا الذي ادعوه. وهو قول ساقط لا يقول به إلا من تقطّعت به السبل وأغلقت في وجهه الأبواب. وهذا القول ما شاع إلا عبر أقسام الأسئلة والأجوبة بالمواقع الشيعية البحثية حيث تنهال على القائمين عليها الأسئلة من مواليهم عن خلو التراث الشيعي من مثل هذه الأسانيد التي بأيدي أهل السنة فتأتيهم الإجابة لحفظ ماء الوجوه، ولو كان ذلك بالكذب والتدليس والمجازفات غير العلمية. والشيعة مطبوعون على الأخذ عن أئمتهم وهم سلسلة أبناء علي بن أبي طالب لذا يتساءل عوامهم عن عدم وجود سند للقرآن بواسطة هذه السلسة عن علي بن أبي طالب عن الرسول.

(يُتبع)..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد