مؤيد الحموي
مؤيد الحموي

بعد موجة ما بات يعرف أو يسمى بالمصالحات أو العودة لحضن الوطن كما يسميها النظام، هل حقًا سينسى أو يتناسى السوريون ما حصل معهم خلال الأعوام الماضية؟ هل سيتعايشون مع كل من آلمهم؟ أو كان سببًا في ذلك؟

بعضهم من فقد عزيزًا من عائلته، وبعضهم من فقد بلده كاملًا من فقد منزله الذي غدًا رسمًا دارسًا ليقف كل يوم على أطلاله يبكى أيامًا خلت مع أهله وذويه في هذا المنزل.

ولو سردنا قصص معاناة السوريين مع هذا النظام لاحتجنا لكتابة مجلدات طويلة لتوثيق كل الأحداث التي ستدفع الكثيرين لعدم مصالحة هذا النظام والعيش معه كأن شيئًا لم يكن.

سأبدأ لكم بنفسي وبقصتي التي وإن كانت أقل قسوة من الكثير من القصص، لكن رغم قلة قسوتها بمجرد إعادة شريط الذاكرة لتلك الأيام والساعات الأليمة التي مرت معي كانت كفيلة بعدم قبولي المصالحة والعودة للعيش بحضن الأسد لو قدموا لي كل المغريات.

أثناء ذهابي لمدينة حماة التي كنت أعمل بداخلها كناشط إعلامي باسم مستعار تم اعتقالي على أحد حواجز المدينة التابع والقريب من فرع الأمن العسكري، حيث تم اقتيادي لداخله. شهر واحد قضيته فقط في هذا الفرع الذي تبعه أفرع أخرى قضيت فيها أيامًا أخرى، ذقت به كل أنواع التعذيب التي تخطر على البال، كان تعذيبًا يوميًا منذ الصباح حتى الساعة العاشرة ليلًا، وأحيانًا كان يبدأ ليلًا لينتهي منصف الليل لأعود إلى زنزانتي مثقلًا بكل الآلام، دون أن يغمض لي جفن في الساعات التي أقضيها دونما عذاب وتعذيب.

تجربتي في هذا الفرع فقط كانت السبب بأن أغادر حماة باتجاه المناطق المحررة، وأن أترك كل شيء وراء ظهري، أهلي ومنزلي وأصدقائي وأحبائي لأفضل حياة الغربة والتهجير على الحياة مع أولئك الوحوش البشرية، فكيف لي أن أنسى ذلك المحقق، وذلك السجان وأولئك الوحوش المجردة من كل الإنسانية، كيف لي أن أنسى وأتعايش معهم.

تجارب عديدة لسوريين مع هؤلاء الوحوش ولو قلبت صفحات التواصل الاجتماعي لرأيت ما يدمي القلب من القصص التي من المؤكد أنهم مثلي لن يستطيعوا النسيان والتعايش مع المجرمين من جديد.

مننذ أيام وأنا أتابع بصفحات التواصل الاجتماعي توقفت عند مقطع لطفل من بلدة عقرب جنوب حماة يروي تفاصيل لقصف منزله من قبل مروحيات النظام؛ الأمر الذي أدى لبتر ساقه، وقلع أحد عينيه، واستشهاد أمه، لم أستطع أن أحبس دموعي ومثلي كل من تابع هذا المقطع، ونحن نستمع لما يرويه عمر عن اللحظات الأخيرة له مع أمه وكيفية اكتشافه استشهاد أمه بعد ثلاثة أشهر، لو فرضنا أنه تمت التسوية مع النظام، هل سينسى عمر قتلة أمه؟ هل سيتعايش عمر مع من بتروا له رجله وأفقدوه عينه؟

ولننتقل إلى الأماكن التي قررت راغبة أو راهبة على التصالح مع قوات الأسد بعد أن ضمنت روسيا لها أن تعيش بأمان دونما التعرض لاعتقالات، أو دونما اقتراب قوات الأسد من مناطقهم أساسًا.

بعد دخول قوات الأسد إلى مناطق الغوطة الشرقية لجأ الطبيب العميد  معتز حيتاني إلى مراكز الإيواء التي أقامتها قوات الأسد ظنًا منه أن قوات الأسد لن تتعرض له، لكن الأخيرة اعتقلته بعد فترة لتتم تصفيته بأحد الأفرع الأمنية بدمشق.

مدينتا تلبيسة والرستن ومنطقة الحولة شمال حمص تشهد بين الفينة والأخرى حملات اعتقال في صفوف كل من حمل السلاح ضد الأسد مع أن الاتفاقية المبرمة مع الجانب الروسي تمنع دخول قوات الأسد للمنطقة والإبقاء على الشرطة الروسية لمدة ستة أشهر تدخل بعدها قوات الأسد، لكن ذلك كان مجرد حبر على ورق.

وسحبت ما يسمى بقوات القاطرجي 100 شاب، الجمعة، من مدينة الرستن شمال حمص باتجاه محافظة حلب للقتال في صفوف المهام الخاصة التي تتبع للأمن العسكري.

ويقول أحد شبان مدينة الرستن المتطوعين في قوات القاطرجي: قمنا بالاتفاق مع شخص اسمه الرائد (إبراهيم قدور) الذي يتبع لقوات المهام الخاصة، ويعمل تحت أمر القاطرجي في حلب، مشيرًا إلى الاتفاق بقبول تطوعهم، وعدم ذهابهم لأي مهمة أو جبهة قتالية أو قطعة عسكرية، وبقائهم في المنطقة مقابل التنازل عن رواتبهم الشهرية.

وأكد الشاب أنهم قاموا بسحبهم بالإجبار، ولم يتمكنوا من التهرب من الأمر الذي وضعوا أنفسهم به، لافتًا إلى أن تطوعهم جاء لتفادي الخدمة الإلزامية لما يشاهدوه من قتل وحالة إذلال يعيشها العنصر بصفوف جيش الأسد.

آخر المناطق التي دخلتها قوات الأسد كانت محافظة درعا، وكلنا قرأنا وسمعنا ماذا فعلت قوات الأسد بمنطقة اللجاة بالأمس القريب عندما اقتحمتها ونفذت بحق العديد من شبانها ممن قبلوا بالمصالحة إعدامات واسعة بمنظر يعيد للأذهان اقتحامات قوات الأسد للمناطق الثائرة في أوائل الثورة وفي مشهد يعيد لنا مجازر التريمسة والقبير واللطامنة والحولة وحمص.

وهذا غيض من فيض لحالات كثيرة حصلت في المناطق التي قبلت بالمصالحة فكانت مكافأة النظام لهم بالقتل أو الاعتقال؛ ما يدفعنا لإعادة التساؤل من جديد هل سيمكننا التعايش معهم بعد كل ماجرى؟

ومن يتابع دموع الأسيرات الخارجات من سجون القهر والإذلال، وهن يتحدثن عن حالات الإذلال النفسي والجسدي الذي تعرضن له، وحالات الاغتصابات التي تعرضن لها سيتبادر له ذات التساؤل: هب أنهن سينسين ما مر معهن، ويتعايشن مع من اغتصبهن؟

وعلى اتجاه مواز لذلك تعمل روسيا حاليًا لاستلام ملف عودة المهجرين خارج سوريا للعودة لحضن الوطن حاليًا، فالأمر لايقتصر على المتواجدين في الداخل.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية نيتها إنشاء مراكز لاستقبال اللاجئين السوريين الراغبين في العودة طوعًا إلى مناطقهم داخل البلاد، بينما عبرت المعارضة السورية عن خوفها على مصير السوريين العائدين إلى بلادهم.

وقالت الوزارة الروسية: إن لجان رسمية توجهت لدول الجوار السوري في االأردن وتركيا ولبنان لبحث مسألة العودة الطوعية للاجئين، وذلك بعد إنشاء مركز لتنسيق عودة اللاجئين بالشراكة مع وزارة المصالحة السورية.

وأعلنت الوزارة الروسية خطة من خمسة بنود لعودة المهاجرين:

– تأسيس لجنة في كل من لبنان والأردن وتركيا، للتنسيق والمتابعة مع الجانب الروسي في سبل العودة وآلياتها.

– إبلاغ الدول المعنية في المنطقة بأن موسكو نسّقت مع الحكومة السورية، وأنّ لديها ضمانات بعدم التعرض للعائدين.

– إدراك الروس أن إعادة الإعمار في سوريا – خصوصًا البنى التحتية المدمرة – تحتاج لدعم مالي، وقد طلبوا من الأمريكيين والأوروبيين تأمينه، ولكنهم لم يردوا على هذا الطلب بعد.

– تأسيس مراكز روسية في سوريا يفترض أن ينتقل إليها العائدون في المرحلة الأولى، ومنها إلى قراهم بعد إعادة إعمارها.
– ستكون هناك نقاط عبور تمرّ عبر الدولة التي يعود منها النازحون.

هذه الخطة الروسية دفعت بـ(هيئة القانونيين السوريين) لإصدار مذكرة، انتقدت فيها ترويج روسيا للخطة الروسية الهادفة إلى إعادة المهجرين واللاجئين والنازحين السوريين إلى مدنهم وقراهم في سوريا.

أوردت المذكرة 16 سببًا تجعل سوريا الآن بلدًا غير آمن لعودة اللاجئين إليه، بالاستناد إلى مفهوم البلد الآمن المنصوص عليه في قرارات الشرعية الدولية. وقالت: إن سوريا غير آمنة، للأسباب التالية:

1 – ما دام النظام السوري وعصاباته يرتكبون أبشع جرائم القتل والاغتصاب والسلب والنهب (التعفيش)، وتدمير البنى التحتية للمدن والقرى.

2 – في ظل الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية بطائراته وصواريخه.

3 – ما دام هنالك تواجد عسكري غير مشروع لأكثر من 20 دولة على الأراضي السورية.

4 – ما دامت إيران والعصابات الشيعية العراقية واللبنانية والأفغانية موجودة فيها.

5 – ما لم يتم إعادة النسيج الديموغرافي السوري إلى ما كان عليه قبل جريمة التغيير الديموغرافي التي ارتكبتها إيران وروسيا والنظام، منذ عام 2011 حتى اليوم.

6 – ما دامت إعادة إعمار البنى التحتية التي دمرها النظام السوري والقوات الروسية والإيرانية لم تنفذ على الأرض.

7 – ما دام أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر.

8 – ما دامت قوانين مكافحة الإرهاب ومحاكم الميدان ومحاكم الإرهاب قائمة.

9 – ما دام قانون الخدمة العسكرية الإلزامية يُلزم الشباب والرجال بالقوة لقتال إخوانهم وأهاليهم.

10 – ما دام هناك مسؤولون في النظام السوريين يطالبون بالاستغناء عن ملايين السوريين الذين يعتبرون مصدر إزعاج للنظام وعصاباته.

11 – ما دامت أجهزة المخابرات السورية تتهدد وتتوعد أي سوري (أساء) إلى النظام بكلمة أو بحرف، أو طالب بحقوقه، بالويل والقتل والتعذيب.

12 – ما لم يتم الكشف عن مصير المغيبين قسريًا، ومصير المعتقلين وتشكيل لجنة تحقيق، أو لجنة تقصي حقائق للوقوف على مصيرهم.

13 – ما دام أغلب اللاجئين السوريين محكومين بالإعدام من محاكم الإرهاب والمحاكم الميدانية.

14 – ما دامت ممتلكات اللاجئين السوريين مصادرة بقرارات إدارية من أجهزة المخابرات السورية.

15 – ما دام المجرمون ومرتكبو جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يفلتون من العقاب.

16 – ما دامت آليات المحاسبة والعقاب غائبة.

أوضحت المذكرة أن إعادة اللاجئين، في ظل الظروف الحالية، تعدّ بمنزلة طردهم بطريقة غير مباشرة، وهذا انتهاك فاضح للمادتين 32 و33 من اتفاقية اللاجئين لعام 1951 اللتين نصتا على أنه (لا يجوز لأية دولة متعاقدة أن تطرد لاجئًا، أو ترده بأية صورة من الصور إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته، أو حريته، مهددتين فيها، بسبب عرقه، أو دينه، أو جنسيته، أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة، أو بسبب آرائه السياسية).

لن أنسى ولن أتعايش ومعي كل من ذكرت من جديد مع نظام أمعن في قتل وتشريد الملايين في سوريا، ولن أنسى أو  نتناسى كل ما ذقناه على يد أزلامه، وسنأخذ حقنا منه ولو بعد حين، هي ليست دعوة للعنف بمقدار ما هي دعوة لإحقاق الحق، وأن يتجرع أولئك الوحوش المتجردون من كل مشاعر الإنسانية من ذات الكأس، أو أن يلقوا جزاءهم العادل في محاكم الجنايات الدولية لما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية على أقل تقدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك