“يعتمد نجاح أي نظام سياسي على مدى التغيير القادر على إحداثه بشعبه لمصلحته”.
في يوم حار وقفت مستندًا على حائط إحدى المؤسسات الحكومية بانتظار خروج ورقة مختومة بختم النسر حاملة كافة الموافقات المطلوبة، استغرق الأمر مني ما يزيد على أربعِ ساعات، ثم بدأت أفكر.

ذلك الوقت المهدر لربما كان من المفيد استهلاكه في شيء آخر مهم، ما الذي دفعنا، الجمع المتحلق حول الموظف الحكومي الكاره لنا، لقبول هذا التأخير إذًا؟

ولماذا لم يعترض أحد عليه من الواقفين؟

الإنهاك، القلق، الأمل في الانتهاء سريعًا برغم العلم الداخلي باستحالة تحقيق ذلك ثم ما جُبلنا عليه في مراحل نمونا هو ما دفعنا للسكوت، فلا توجد فائدة تُذكر من الصراخ في وجه الموظف البائس لأنه هو الآخر قد جٌبل على ذلك في مراحل عمله، يعمل النظام شيئًا فشيئًا على تطويعك واستئناسك كي تتخلص من آفة الاعتراض والمطالبة بحقك، يتم ترويضك بجرعات مكثفة فتستجيب شيئًا فشيئًا.

موقف آخر لزميل لي، في إحدى مواقف السيارات رفع السائق تعريفة الركوب للضعف فما كان من زميلي سوى الاعتراض والنزول من السيارة داعيًا الناس لعدم الاستجابة لهذا الابتزاز ففوجئ بأحد الركاب يصرخ في السائق طالبًا منه عدم الالتفات لصديقي وبتحمله لأجرته وانطلقت السيارة سريعًا دون أدنى رد فعل من الركاب، ويمكنكم الآن بالطبع تخيل رد فعل صديقي تجاه أي حدث عابر واللامبالاة الغير منطقية المتواجدة بداخله.

 

تبعث تلك الأسئلة بأسئلة أخرى من تحت الرماد، رأينا جميعًا كبار السن أو كما يُطلق عليهم في وسائل التواصل الاجتماعي “العواجيز” وهم يدلون بأصواتهم في انتخابات الرئاسة والاستفتاءات المختلفة وموجة السخرية المريرة منهم ودعوة الشباب لهم بالموت في سلام تاركين لنا حق تقرير المصير في مستقبلنا الغير واضحة ملامحه إلى الآن، فهل سنصبح يومًا ما، مثلهم؟

لا أنفك أفكر في هؤلاء “العواجيز” وكيف كان شبابهم، هل كانوا مثلنا الآن، ملء الدنيا بالأمل والرغبة في عمل شيء ما مفيد للوطن وللعالم؟ أم أنها خيالات مراهقة سرعان ما ذابت في أوحال الدنيا وما لبثوا أن أدركوا مدى سذاجتها وسخفها مقارنة بالواقع؟ هل ينظرون الآن إلينا بتلك النظرة، النظرة التي يكرهها جيل العشرينيات وما أعلاه المفعمة بالإشفاق؟ هل جربوا كل السبل لحياة أفضل من تلك التي عاشوها أم فقط قرروا أن ما عاشوه هو أفضل ما يمكن الحصول عليه في هذا البلد؟

لا أنكر بالطبع خبرتهم التي اكتسبوها على مر السنين، نريد فقط تفادي السبل المسدودة نهايتها، ولا يبدو منهم رغبتهم في إبداء أية مساعدة في هذا الشأن، وربما طوعهم النظام ليعملوا بنجاح في قمع أي تغيير ممكن لبلد أجمل، ربما أصابهم التعب من كثرة المطالبة بحقوقهم واُنهكوا أخيرًا على مدار عقود وتمت برمجتهم على نمط معين من الحياة لا يتخطوه.

أؤمن بأن الزمن يدور في دوائر ثابتة متشابهة إلى حد كبير، لو قارنت الأحداث المتلاحقة في العقود الماضية ربما بعد نظرة متأنية ستجد تطابقات عدة، موجة الندم بعد 25 يناير التي علت من بعض المشاركين فيها تشبه كثيرًا تلك التي نراها لدى بعض الكبار والحسرة على ضياع العمر في معارك خاسرة، كانوا يهتفون لفيتنام وماو تسي تونج وتشي جيفارا ويتغنون بثورة الطلاب ويكرهون الإمبريالية فصاروا يهتفون للعراق تارة ولسوريا تارة وفلسطين التي أصبح أمرها متكررًا بل مبتذلًا لدى البعض.

في كتابه “وقفة قبل المنحدر” يقول علاء الديب:

“مسؤولية تغيير العالم تتحلل إلى تمرد عليه، والتمرد ينفك إلى إحساس بالغربة والاغتراب، والغربة تقود إلى رصد الملل ومتابعة التكرار”، فهل شعروا بالغربة من زمن وأضحى الأمر مملاً؟

لهذا لم يعد أيًا منهم يؤمن بما نؤمن به، أم أنهم يتشبثون بيقينهم لكي لا ينتهي عالمهم الذي تم بناؤه لهم؟

الجيل الحالي من الشباب ربما سيخرج منه في المستقبل شخصًا يشبه حمدين صباحي في كلامه المنمق المحب والمؤتمن على الفلاح وأصحاب الحرف البسيطة دون أن يتم اختباره على أرض الواقع، أو شخصًا يشبه البرادعي، مليء بالتنظير الفارغ دون تطبيق عملي، حتى تجربته العملية الوحيدة هرب منها بينما يستمر في إلهاب شبابها بكلمات رائعة لا تستغرق في كتابتها على لوحة المفاتيح دقائق دون معنى حقيقيز

وربما يخرج منها شخصًا يشبه حسام عيسى في مطالبته وترحيبه بالثورة ثم سجنه لطلابها لاحقًا عندما أصبح وزيرًا للتعليم العالي وتشديده على قانون التظاهر، قد نرى أيضًا كمال أبو عيطة، اشتراكي آخر أجوف حنجرته تسع كلامًا لم يخرج أيًا منه للتنفيذ على أرض الواقع عندما أصبح وزيرًا للقوى العاملة، أو نرى مصطفى حجازي آخر الذي صرّح في أشد لحظات المصريين انقسامًا بين مؤيد لما حدث في رابعة ومعارض له أن “الشعب المصري لم يكن موحدًا كما هو الآن”.

وربما نرى عواجيزًا تخطاهم الزمن ويطلب منهم شبابهم الموت في سلام.
من يدري؟!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد