على مدار 10 سنوات وأكثر وما زلنا نتساءل عن مخرج أمن لكل ما عانينا ونعاني منه، من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك السياسية، لكن يبدو أننا لم نطرح السؤال كما ينبغي فهل حقًا نستحق التغيير، ونتقبل تبعاته، هل نحن على استعداد فعلًا أن نواجه أنفسنا بأننا جزء من تلك المشكلات، بل نحن المشكلة بعينها، أو قل إن ما نحمله في عقولنا من أفكار وتصورات عن أنفسنا وعن الآخر المختلف هو المشكلة، أليست كل هذه الأفكار والتصورات التى ننتمي إليها وتنتمي إلينا هي في الأصل جزء من الماضي، فكيف لنا أن نواجه مشكلات عصرنا ونتفاعل مع تحديات عالمنا بمناهج تفكير رجعية تنتمي للماضي، بل قل كيف نتعامل مع عصر سريع دائم التجدد، بمفاهيم جامدة تنتمي لعصور ثابتة داخل عقولنا فقط، أليست كل هذه الأفكار تنتج وفقًا لدوائر متصلة من الحواجز الاجتماعية، ألم تنشأ هذه التصورات نتاجا لتوجيه قوة اجتماعية، وكل هذه الحواجز والتوجيهات ألم يتم إنتاجها من قبل عدة قوى رجعية تسعى للسيطرة على المجتمع المصري منذ عقود ينتمي أغلبها ويدين بالولاء إلى البترول السياسي.

ونقول إن كل تلك القوى الرجعية، وكل هذه الأصوليات سواء عن اتفاق أو بمحض الصدفة ترفض المستقبل وترفض أي فكر تقدمي، وتعمل بكل قدراتها على إعادة إنتاج الماضي في حلقات مفرغة، لكن تظل أفكار أصحاب الجلاليب البيضاء القصيرة واللحة الطويلة أصحاب الأصولية الأخطر على المجتمع المصري، والتى لعبت دورًا خطيرًا في التأثير على ثقافة مجتمع وادي النيل خلال الأربعين سنة الأخيرة بدعم بترولي صحراوي لا ينقطع، وذلك بسبب تدينهم الموروث نظريًا وعمليًا، وإيمانهم الراسخ بمثالية التاريخ وبأن التقدم يكمُن في العودة إلى القرن السابع الميلادي. وموقف هؤلاء العدائي للحقوق والحريات والقيم الإنسانية واضحًا مُعلنًا لا يختلفون عليه رغم اختلافهم الشديد، بالإضافة لموقفهم الثابت من تأيد الحاكم أى كان الحاكم ما دام يملك قوة السلطة، وأي كانت أصوليته ما دام أصوليًا، إلى جانب محاولاتهم المُستميتة في القضاء على أى محاولة تقدُمية لتداول السلطة.

تكمن خطورة الأصولية الوهابية في اعتقادهم، وقضيتهم الأساسية في تصورهم أن الإسلام واحد ثابت وأن مخالفة الموروث انحراف وضلال وربما كفر، ومن المؤكد أنه لا أمل في غد أفضل إلا بمقاومة أفكار تلك الرجعيات المتعددة والمتعاضدة، وأعتقد أن البداية لابد أن تكون بمواجهة السلفية الوهابية، وأن تأتي المواجهة بعيدة عن الاستقطاب واالصراخ لأنه سلاح للرجعيات بالأساس، وعلينا أن نواجه الفكر بالفكر؛ وأن نبدأ من هناك ومن داخل التراث الإسلامي، والذي يدعون اجماعهم عليه، وهم أشد خلافا واختلافا أكثر مما نتصور، وعلينا أن نسألهم عن «أهل القبلة» في الإسلام، وأن نتحدث عن تعدد الفرق الإسلامية التي يجمع بينها أربعة معتقدات رئيسة لا يمكن إنكار إسلام من يؤمن بها، أي كانت ممارساته الأخرى، وفقًا لما جاء في كتاب «المسند الصحيح المختصر» لصاحبه الإمام «محمد بن إسماعيل البخاري».

«سُألَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه فقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلاَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ».

وما قاله الإمام الطحاوي في كتابه «متن العقيدة الطحاوية «وهي اعتقاد أهل السنة والجماعة.. «ونُسَمِّي أهل قِبلتنا مُسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مُعْتَرِفِين، وله بِكُلّ ما قاله وأخبر مُصَدِّقِين».

ومن هنا يمكن مواجهة فرضية أُحادية الدين الإسلامي التى فرضتها الجماعات الوهابية الجهادية وتتبناها كمنهج للتفكير وتكفير الجميع، بفرضية التعددية، وضرورة التفرقة بين الدين والتدين بإثبات وحدة الدين ونصه وتعدد التدين ونصوصه وتراثه، وبأن تلك الفرق ما هي إلا تجليات متعددة للإسلام، بعضها قد يكون متوافقًا مع تداول السلطة وحقوق الإنسان والحريات وبعضها قد يكون دمويًا قمعيًا استبداديًا، وبينهما الكثير من التجليات المختلفة.

ولا ينبغي أن ننجرف وراء محاولات نفي التدين بالإسلام عن الأصوليين والدواعش، بل نتخلي أيضًا عن الفكرة القائلة بأنهم يشوهون الوجه الحقيقي للإسلام، وإنما نسعى لإثبات صحة تجليات الإسلام الأخرى والتي لا يمكن نفي الإسلام «وليس الإسلامية» عنها، وهو ما ظهر جليًا في الحديث النبوي، «إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه»، فهناك مسلم قد ترضى دينه «بمعنى تدينه»، ومسلم لا ترضى دينه.

في النهاية.. علينا أن نذكر أنفسنا دائمًا بمميزات التعددية، وبضرورة اتباع الكُتاب العظماء ومناهجهم التي يستنبطون بها الفكرة الخصبة من المعارف، ويطلقون أذهاننا من أغلال العقيدة إلى حرية البحث والتساؤل، حتى يصبح التطور مذهبًا تفكيريًا والتقدمية مِزاجًا نفسيًا ونسقًا اجتماعيًا، فينعطف بنا التاريخ ويتغير وجه المجتمع، وذلك ما يصنع شعوبًا حرة لها الكلمة العليا في تقرير مصيرها، وإن لم يكن ذلك فسنظل فريسة لتلك الجراثيم الفكرية التي تسلمناها من أسلافنا، وسنسلمها بالتبعية لأحفادنا كما هي دون تفكير أو تغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد