في المجتمعات الرجعية حيث ركود التاريخ والتقاليد يُحظر التفكير ويخشى أفرادها التجديد، لأن تلك المجتمعات لا تجد في هذا التجديد ظاهرة صحية، وإنما تجد في التغير ما يزعج، بل يزلزل كيانها، وتكمن المشكلة في أننا جميعًا نفكر داخل دوائر متصلة من الحواجز الاجتماعية، ونتفاعل خلال ممرات ذهنية نكتسبها من المجتمع الذي نعيش فيه، بما يرسمه لنا هذا المجتمع من القيم، وبما يفرضه علينا من مفاهيم، فيصبح تفكيرنا خاضعًا لمنهج خاص، هو نتاج هذا التوجيه الاجتماعي الذي يَرّسخ إلى وجداننا، فلا نشعر به، وكذلك فإن تفكيرنا الشخصي يسير بقوات اجتماعية بالكاد نشعر بها ونتحقق أصولها.

وقد شهد المجتمع المصري عدة تغيرات سياسية حادة ومتتالية منذ 2011 ما زالت تبعاتها جلية حتى يومنا هذا، كشفت ردود الأفعال تجاه هذه التغيرات عن الأزمات الحقيقية التي يعيشها المجتمع المصري، وعن مرضه المتأصل، فالمجتمع بجميع طوائفه يتفاعل مع هذه التغيرات بمناهج تفكير رجعية تنتمي للماضي، بل تسعى كل طائفه لمعالجة تلك الأزمات عن طريق محاولات مستميته لإعادة إنتاج ماضي مُتخيل «يوتيوبي»، فنجد الرجعية الملكية التي ترى في مصر ما قبل يوليو (تموز) 1952م جنة الأرض، متناسية حجم الفساد والمظالم التي شهدها المجتمع المصري، وما كان من تحلل مفاصل الدولة وعجز النخب الذي سهل من وصول صغار الضباط إلى رأس السلطة، وهناك الرجعية الناصرية وشعاراتها القومية الرنانة، دون النظر لما آلت إليه التجربة في النهاية بعد أن تركزت السلطة في يد فرد واحد، وكذلك السلفية الساداتية صاحبه الفهلوة والمكر الذين خدعوا العالم برابطة للعنق تحمل شعار النازية، يتناسى أنصارها ما أصاب المجتمع من تحلل نتيجه السياسات الاقتصادية والتوجهات الدولية، أما الرجعية الإخوانية أصحاب الدعوة لعودة نظام الخلافة، أكبر أوهام تاريخ المُسلمين، فهم أصحاب أثر كبير في فرض الفكر الرجعي على شرائح عريضة من المجتمع المصري، قد لا تنتمي لها بالضرورة.

ويبدو أن كل تلك الأصوليات تستفيد من وجود الأخرى، بل وتؤكد على شريعتها، إما بالترادف، أو التضاد، وهذه الأصوليات، سواء عن اتفاق، أو بمحض المصادفة، ترفض المستقبل، وترفض أي فكر تقدمي، وتعمل بكل قدراتها على الاستمرار في حلقات مفرغة من إعادة إنتاج الماضي، وربما الدافع لذلك أن جميعها تستوعب جيدًا أن لا وجود لهم في مستقبل مصر إذا دعته الحتمية التاريخية للتقدم. ونجد أيضًا تيارات مصرية تدعي أنها أكثر تقدمية يسارية كانت، أو ليبرالية مصابة، هي الأخرى بأنماط من التفكير الرجعي، بل الكثير من شباب يناير (كانون الثاني) غير قادر على تجاوز التجربة، رافضين الاعتراف بالقصور في المنهج والأخطاء التي أوصلت الحال إلى ما نحن عليه الآن.

ولذلك نحن في أمس الحاجة إلي قراءة الفلسفة والأدب والتاريخ، وفي حاجة إلي فتح أذهاننا علي الشرق والغرب ليحصل علي التهوية الضرورية فلا يتعفن، ولا شك أن الكتب قد غيرت الدنيا، وبها تتغير المجتمعات، كتب نيتشه في مذهب القوة، وكتاب داروين عن أصل الأنواع، وكتب برنارد شو ومقدمة ابن خلدون وفلسفة ابن رشد.. وأمثالهم من الذين يرسمون لنا خطوات المستقبل، والذين يدفعوننا إلى التفكير والتغيير، وإلى بحث الأخلاق، والعقائد، والأفكار، وقد يُهدينا أحد هؤلاء الكتاب إلى وجهة وفلسفة جديدة تأخذنا إلى نهضة حقيقية، فحيثما يوجد التساؤل والاستطلاع والاستنباط تقوم النهضة، كما في إيطاليا في القرن السادس عشر، وفرنسا في القرن الثامن عشر.

والمجتمع الذي يتربى على موائد هؤلاء الكُتاب العظام ينظر نظرة الاحتقار على دعاة الرجعية، ولا يستطيع التسامح مع جريمة الحجر على الذهن البشري ومنعه من التطور، فمن المؤكد أن مقدار ازدهار الأمم وتقدمها يتوقف على مدى استيعابها وهضمها لمبدأ التطور الذي هو في أساسه منطق علمي، ونحن الآن لا نبالي المعارف التي شرحها داروين؛ لأننا نعرف أكثر منها من حيث الكم في المعرفة، وكذلك معارفنا أكبر كثيرًا الآن من معارف أرسطو وابن خلدون، ولكن ما علينا إلا أن نكتسب منهم الفكر والمنهج الذي اتبعوه، وهو منهج التعلم والاختبار، سلاحًا نتسلح به في مواجهة كل تلك الرجعيات التي نغوص بها وتغوص فينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد