تقول الأسطورة الإغريقية إن «تنتالوس» كان ابنًا بشريًا للإله زيوس وإحدى الحوريات، إلا أنه ارتكب بعض «الجرائم» ضد الآلهة بإفشاء بعض الأسرار، وأهم الجرائم كانت سرقة ambrosia وهو الطعام والشراب المخصصيْن للآلهة. مما جعل عقابه شديدًا، حيث قامت الآلهة بربط تنتالوس في نهر ماءٍ عذب، والماء يصل إلى ذقنه، وتتدلى فوق رأسه الأشجار التي تحمل طعام الآلهة! فإن عطش وأراد أن يشرب، يغوص الماء فلا يصله تنتالوس بفمه، وإن أراد أن يأكل، فلا تطال يداه الثمار، حيث تبتعد عنه أغصان الأشجار المحملة بتلك الثمار «الإلهية»! ومن يقوم بالعقاب هم الآلهة المستبدة، «زيوس» وأعوانه، التي يمثلها طغاة العصر من أهل الثروة والسلطة وأذنابهم، وما المعذَّبون إلا بني البشر!

أما الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو (1913-1960) فقد كتب روايته «أسطورة سيزيف» Sisyphus عن أسطورة إغريقية، ليبين بشكل مختصر رؤيته الفلسفية، بشرح سيرة ذلك الرمز الإنساني الذي عوقب لأنه هزم رموز الطغيان والظلم، بعد أن استطاع تقييد إله الموت لفترة معينة، منعه خلالها من قبض أرواح البشر. أي أنه هزم «زيوس» ومساعديه من الآلهة التي تمثل، كما أسلفت في حالة تنتالوس، نخبة الاستبداد والثروة بكل قواها الغاشمة، من شرطة واستخبارات وجيوش. نعم هزمهم ولو لفترة معينة! ورواية أخرى تقول إن سيزيف عوقب لأنه وشى بالإله «زيوس» إلى الإله «أسوب» والد الفتاة «آيجينا» التي اختطفها «زيوس»، وكانت الوشاية مقابل خدمة قدمها «أسوب» لسيزيف وأبناء بلدته وهي نبع ماء عذب ليشربوا منه. لم يطلب سيزيف شيئًا لنفسه، بل نبذ أنانيته وطلب نبع ماء عذب وهو ما ينفع أهله ومواطني بلدته! عمومًا، أي من السببين كان يكفي لإثارة حفيظة الطغاة – «زيوس» وأعوانه من المستبدين. فقررت الآلهة البربرية عقاب سيزيف بدحرجة صخرة من أسفل الوادي إلى قمة الجبل، فقط لتعود أدراجها إلى أسفل الوادي، ثم يرجع سيزيف ليدفع الصخرة من جديد إلى قمة الجبل، وهكذا إلى ما لا نهاية!

لا أدري أيهم أكثر عددًا في هذا العالم، جماعة تنتالوس أم جماعة سيزيف! فكثيرون يشتركون بالنموذجين من العذاب. كما تختلف شدة المعاناة ربما من بلد لآخر أو نظام سياسي وآخر، فمن العسير رسم خط مستقيم فاصل بين النموذجين أو حتى ضمن النموذج الواحد فكل شخص يرى أن معاناته هي الأقسى. ولكن الأكيد أن الأغلبية الساحقة من الناس تعاني أحد النموذجين أو كليهما معًا!

فالمواطن الغربي سواء أمريكيًا كان أو أوروبيًا يذهب إلى العمل في الصباح ليعود متعبًا في المساء، ليتناول عشاءه المدروس ماديًا بشكل جيد، ويشاهد برامج التلفاز التي «تبيعه» الوهم بتحقق أمنياته في قادم الأيام. ويحلم المواطن الغربي، وخصوصًا عندما يشاهد دعايات وسائل الإعلام الرأسمالية، بعيشة باذخة كما غيره من الأثرياء ونجوم المجتمع Celebrities من فنانين ورياضيين ورجال أعمال، يحلم بركوب السيارات الفارهة، والسكن في الفيلات والقصور، والسهر مع الفاتنات، ولكن الواقع لا يختلف عن محاولة تنتالوس إطفاء عطشه من الماء العذب أو الأكل من طعام الآلهة المميز دون جدوى! نشاهد جموعًا من الشباب الأوروبي في الصيف يتجمهرون حول سيارات الأثرياء الخليجيين ويصورونها بحماسةا. يحلمون باقتناء سيارات فارهة وأموال كثيرة مثل أثرياء الخليج، علمًا بأن أغنياء الغرب أكثر ثراء وربما بذخًا!

وقد تتقلص الأحلام لتصبح أملًا بتخفيض الضرائب وزيادة الرواتب والأجور ليستطيع الوفاء بسداد ما يشتريه ببطاقة الائتمان. وربما يأمل بالحصول على تأمين طبي، رغم ثراء الدولة وتقدم الطب فيها! أما العاطل عن العمل فيحلم بتوافر فرص العمل المناسبة ذات الأجر الكافي لعيش كريم. ولكن لم يسبق أن حصل على مبتغاه في تحسن غيّر مجرى حياته، بل بقيت أحلامه وتوقعاته معلقة في أثير الراديوهات، والتلفزيونات، وصفحات التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت! هذا إذا لم يفاجأ العامل منهم بتسريحه من العمل لظروف مختلفة، ليصبح عالة على الدولة وينتظر راتب «البطالة» كالمتسول. كل وسائل الرفاهية متوافرة في بلادهم، ولكن لا يطالها إلا أولئك النرجسيون والمرضى العقليون وأتباعهم من أصحاب الملايين!

قد لا يعرف الكثيرون أن مليونين وربع المليون طالبة جامعية أمريكية لا يستطعن دفع ديون القروض الدراسية والرسوم الجامعية، وهن في البلد الأغنى – أمريكا، مما يضطرهن لاتخاذ كبار السن الأثرياء كـ «أصدقاء Boy Friends» ليدفعوا لهن تلك الاستحقاقات المالية! وتسمى هذه الفتيات Sugar Baby Females! وكبار السن الأثرياء المستفيدون من هذه الحالة يُطلق عليهم: Sugar Daddies. كما يوجد مئات آلاف الطلاب الذين يبيعون «خدماتهم» الجنسية لنساء كبيرات السن ليتمكنوا من تسديد ديون القروض ورسوم الدراسة الجامعية ويطلق عليهم اسم Sugar Baby Males. وهذه الحالة أيضًا موجودة في دول أوربية كثيرة وأهمها بريطانيا وفرنسا! هذا يحدث في البلاد الرأسمالية الأغنى في العالم، فبماذا يختلفون عن تنتالوس!

فلتحيا الرأسمالية المتوحشة بزعامة السيكوباتيين، وليمت كل «تنتالوس» بحسرته!

أما في الشرق عمومًا فلا تختلف الأغلبية الساحقة من الناس عن وضع سيزيف. فهو كالمواطن الغربي يذهب في الصباح إلى عمله ويعود في المساء، ولكن بدون أمل تنتالوس في الشرب مما تشربه الآلهة أو تذوق طعامها الفاخر. إن كان موظفًا فيجلس في مكتبه يعمل عملًا رتيبًا كئيبًا، قد لا يطيقه بأجر لا يكفي لآخر الشهر. وربما لا يكون لديه التأمين الطبي اللازم! وإن كان عاملًا في شركة، فلن يكون إلا عبدًا ذليلًا، يتقرر أجره حسب رغبة صاحب العمل، وقد تمر أشهر دون أن يقبض أجره، وقد يُصرف من عمله أو يُحرم أجره أو جزء منه لأتفه الأسباب! وهو على يقين أنه لا يستطيع تغيير مجرى حياته للأفضل، إلا بقدر ما تتيحه له فرصة عمل أفضل أو زيادة في الأجر، وهو يسعى للحصول على هاتين الفرصتين أو إحداهما، وكلاهما لا يؤمّنان إلا البقاء على قيد الحياة.

أما إن كان عاطلًا عن العمل، فيبقى عالة على مجتمعه. ولا متنفس إلا بفبركة الأمل واجتراره، ربما، حتى النهاية. إذن، فهو لا يختلف أبدًا عن سيزيف بتكرار المعاناة يوميًا مع بصيص من الأمل والحلم في انتهاء تلك المعاناة. ولكن معاناة البشر أشد وطأة، فسيزيف، حسب ألبير كامو، قد هجر الأمل إلى الأبد، وربما شعر بالسعادة بعد أن تحدى العقاب ومارسه بكل جدية، ولكن البشر تلوذ بالأمل وتسعى للتغيير الذي لن يحصل، لذلك تستمر المعاناة رغم أنوفهم، وهنا الكارثة!

وعليه نقول لكل من «تنتالوس» أو «سيزيف» في هذا العالم المظلم والظالم سيكتب المستبدون من نخبة الثروة والسلطة على قبرك: «هذا قبر ذلك الموظف (الخادم) المسكين الذي لم يدخر وسعًا في خدمتنا، ورضي بأن يعيش على هامش الحياة فيما تمتعنا كالآلهة بكل ما جادت به حبات عرقه، فلترحمه (الآلهة) وعسى أن يبقى مثالًا يحتذى للبقية الحية!»

أما على أضرحة أولئك الذين استغلوا عرقك وشقاءك أيها الانسان، فسيُكتب على رخام أضرحتهم قوائم الإنجازات، وقصائد المديح التي سيتسلح بها ورثتهم ليكونوا فوق البشر من سلالتك! فلا تخف فالنهاية واحدة – الموت! فليكن الشعار لكل إنسان يؤمن بحقه في العيش الكريم: فإما حياة تنبض بالعدل والمساواة، وإما اضراب وعصيان مدني يغيظ المستبدين وأصحاب المليارات والشركات العملاقة ويحقق العدل والطمأنينة والاستقرار لكل الجنس البشري!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد