يفسح الناس الطريق عادةً لأولئك اللذين يعرفون وجهتهم،

نظرًا للانهماك في الصراعات اليومية والتعليق على الأحداث، تبدو الصورة العامة وكأن الجميع يجري يمنةً ويسرةً في مشهدٍ عشوائي، وأحيانًا سوريالي، حيث لا أحد يعلم ماذا يريد حقًا. ومن المهم التفكير الهاديء في وجهتنا ومحاولة تقديم إجابات متسقة، وواقعية.

يحاول هذا المقال التفكير في الشكل المنشود وطبيعته، ويطرح تساؤلات حول السبل المطروحة لبلوغه اعتمادًا على الواقع ومتطلباته.

من أجل تحديد أهدافنا، تكون الأسئلة التي نطرحها هي: من نحن؟ ماذا نريد؟ كيف يمكننا بلوغ ما نريد؟

1- من نحن؟

يطرح هذا السؤال باعتباره منبعًا للوعي (الفردي والجمعي) بالوجود، وباعتباره عنصرًا من عناصر السلطة بمفهوم فيبير (سلطة الأمس الأزلي).
إذ يعتبر ماكس فيبير أن الدولة ما هي إلا تعبير عن علاقات الهيمنة القائمة في المجتمع،وهذه الهيمنة تقوم على المشروعية التي تتحدد في ثلاثة أسس وهي سلطة الأمس الأزلي المتجذرة  ما يمكن التعبير عنه اليوم بالهوية بتعقيداتها، ثم السلطة القائمة على المزايا الشخصية للفرد، وأخيرا السلطة التي تفرض نفسها بواسطة الشرعية السياسية.

ويبدو لي أن اشكال الهوية مسألة محسومة: نحن عرب، دون شوفينية، وفي ثقافتنا العربية إثنيات غير عربية هي مكون عضويٌ فينا ولا نكون إلا بوجودها. ونحن مسلمون وليس فينا من يكره في اعتقاده.

2- ماذا نريد؟

يرى سبينوزا أن الغاية من تأسيس الدولة هي تحقيق الحرية للأفراد، وبالتالي تمكين كل مواطن من الحفاظ على حقه الطبيعي في الوجود باعتباره وجودا حرا.

أما بول ريكور فيرى أن حقيقة الدولة تتجلى في قدرتها على الجمع بين ما هو عقلاني واقتصادي. بينما وضع هيغل حجر الأساس لفكرة دولة الرفاه الاجتماعي بتنظيره للدولة التي توفر أساسًا لتحول المجتمع نحو الرفاه العام.

إذن فالنظام السياسي، وآليات تنظيم العلاقة بين الشعب والسلطة والمجتمع المدني هي في حد ذاتها وسيلةٌ لتحقيق رهان أسمى، وهو الكرامة. تنزيل قيمة «الكرامة» على مستوى الفرد والمجتمع يمكن ترجمتها بمفهومين اثنين:

* الحرية، ببعدها الأولي الشامل للبعد الأول أي حريات الفردية والعامة، والأشمل بمعنى التحرر الوطني واستقلالية القرار.

* الرفاه الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

أما الحرية، فهي ضرورةٌ للاعتراف بالأفراد كذوات مسؤولة وقادرة على التفكير وبالتالي الوجود باعتباره وجودا حرا أو لا يكون. إضافةً إلى ذلك، فهي أيضًا شرط امتدادٍ في الزمن للدولة، باعتبار انتهاك الحريات مؤذنٌ بخراب عمرانها بالمفهوم الخلدوني.

من جهة أخرى، من حيث دلالة التحرر الوطني، فإن تحقيق كرامة الأمة/ الشعب لا تكون إلا بالمنعة الاقتصادية والعسكرية، أي قدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها ومصالحها من الاعتداء الخارجي . وهي كذلك تحقيق حد أدنى من الاكتفاء الاقتصادي بما يتنافى مع التبعية للخارج.

أما الرفاه الاقتصادي فهو الوجه الثاني للكرامة المواطنية، وهو بديهةً غير متنازع فيه كهدف. خلافًا لذلك، فالعدالة الاجتماعية، لئن كانت أولوية عند أغلب التيارات اليسارية والإسلامية، فإنها غير ذات أهمية عند تيار الليبرالية الاقتصادية (حزب آفاق تونس نموذجًا) الذي اعتبره خطرًا إستراتيجيًا.

تتفق أغلب السرديات المتواجدة اليوم على الساحة السياسية التونسية والعربية عمومًا في الرهانين المذكورين أعلاه (الحرية والرفاه الاقتصادي) وسنقصي من التناول كل سردية تعود على أحد الرهانين بالنقض. فمثلًا اللبرلة الاقتصادية لا تمانع من تجاهل العدالة الاجتماعية، أو حتى الاستقلال الوطني، مقابل تحقيق نسبة من الرفاه الاقتصادي النسبي لطبقة من المجتمع. وبالتالي فهي خارج دائرة السرديات المراهنة على تحقيق كرامة الفرد والمجتمع.

لئن كان المنشود محل اتفاق واسع نظريًا، فإن الإختلاف والتنازع يبدأ عند طرح السؤال: كيف نصل لهذه الأهداف؟

3- كيف يمكننا بلوغ ما نريد؟

لا يتحقق التحرر الوطني ولا تتحقق كرامة الفرد إلا بالتحرر والاكتفاء الاقتصادي. وبالتالي، فيعود تكثيف المسألة المتناولة حول تحقيق كرامة الفرد ومنعة المجتمع إلى طرح السؤال التالي:

كيف يمكننا أن نحقق الاكتفاء الاقتصادي دون الارتهان للمنظومة المالية العالمية؟

محاولة الإجابة عن هذا السؤال المعقد يجب أن تستحضر مستويين اثنين:

أولًا، أي نظام اقتصادي هو الأنسب من أجل تحقيق هدفنا، علمًا بالصعوبات الموجودة؟

ثانيًا، من أين نأتي بالموارد المالية والطاقات البشرية؟

سنتجاوز المستوى الأول لتعقيده.

أما المستوى الثاني فإن طرح السؤال يستمد مشروعيته من ضرورة أن تكون لأي منوال اقتصادي برهانٍ تحرري موارد مالية ذاتية المصدر، ولا يستقيم عقلًا أن تكون موارده ابتداءً بيد غيره. بمعنى أن السيولة المطلوبة لأي مشروع بأفقٍ تحرري لا يمكن أن تكون اقتراضًا من صندوق النقد الدولي الذي هو الأداة المالية للمنظومة التي تريد التحرر منها.

لا شك أن المتناول لمسألة التحرر الوطني التونسي بجدية في نسق تفكير مغلق على القطرية سيجد نفسه بصدد التنظير للعدمية. لكن يكفي توسيع دائرة التفكير نحو دول المغرب الكبير يتبين له أن كل مقومات خلق منوال اقتصادي تنموي مستقل متوفرة بوجود دولتين نفطيتين وثالث مخزون غاز في العالم، وطاقات وخبرات عالية الكفاءة.

خلاصة

تناول هذا المقال السؤال الجدي حول تحديد رهاننا كشعب تونسي ومن ورائه كل الشعوب العربية. وخلص تتبع الإشكاليات الكبرى إلى الوقوف عند محورية المسألة الاقتصادية في أي رهان تحرري. في الحالة التونسية، تعتبر نافذة التخطيط الإستراتيجي المفتوح على استجماع مقومات القوة الكامنة في دول المغرب هي النافذة الجدية الوحيدة التي تحمل في عمقها مساحة للمخيال السياسي والتنظيمي الجدي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد