يتأثر الاقتصاد العالمي بالأحوال العامة السائدة في الدول التي تتحكّم بواسطة مواردها وسياساتها بمدخلاته ومخرجاته، بما يتوافق مع مصالحها المحلية، ويضمن مشاركتها في مختلف العمليات الاقتصادية العالمية، فاتخذت كلّ دولة نظامًا اقتصاديًّا لإدارة عملياتها ونشاطاتها الداخلية على مستوى السكان، والخارجية أثناء تعاملها مع الدول الأخرى في شتى المجالات التي تضمن تحقيق المصالح المشتركة بينها.

لم ينعزل الاقتصاد العالمي عن نتائج التغيرات العالمية، بل كان شريكًا وطرفًا متأثرًا ومؤثرًا فيها، سواء في تغييرها إلى الأفضل، أو محاولة التأقلم معها، وهكذا ظهرت مجموعة أنظمة اقتصادية حديثة خرجت من النطاق التقليدي الذي اتسمت به الأنظمة الاقتصادية التقليدية. وكان للمعرفة القائمة على التكنولوجيا والانفتاح والتواصل الحضاري دور في بناء نظام اقتصادي عُرِفَ باسم «اقتصاد المعرفة»، وهو الذي يستخدم المعلومات التكنولوجية والوسائل الرقمية المعاصرة، لتوظيفها في الشركات والمواقع الصناعية، بهدف تطويرها وجعلها أكثر قابلية للتكيف مع التغيرات العالمية.

اندمج اقتصاد المعرفة بسهولة مع الأحوال الاقتصادية في دول العالم، ولم يفشل في تقديم أفضل الحلول لمواكبة التحديات التي تواجهها، وتوفير الإمكانات اللازمة للتعامل معها في ظلِّ الأزمات المرافقة لها، فاستُخدِمت «المعرفة» قاعدة أساسية لانطلاق الاقتصاد نحو الأفضل، بمساندتها لعجلة الإنتاج، وزيادة الصناعات والمنتجات ذات المواصفات القابلة للتنافس، وتقليل التكاليف التشغيلية على الخدمات والصناعات، ليظهر سؤال مهم هنا، وهو: هل نعيش في عصر اقتصاد المعرفة؟

تقدّم جميع المؤشرات الاقتصادية الحديثة إجابة عن السؤال السابق، وهي أننا نعيش فعلًا في عصر اقتصاد المعرفة، ويستدل على ذلك بالكميات الكبيرة المتوفّرة من المنتجات المبتكرة، أو الناتجة من تطوير منتجات موجودة بالفعل؛ من خلال مشاركة المعرفة في رفع نسبة الإنتاجية باستخدام أفكار بنّاءة لصناعة أجهزة جديدة لم تكن معروفة مسبقًا، فلم ينفك اقتصاد المعرفة عن استمراره في تقديم صناعات حديثة خلال وقت قصير، وتلبي في خصائصها وإمكاناتها رغبات الأفراد بمختلف شرائحهم واختلاف الدخل بينهم، ليصبح عصر اقتصاد المعرفة هو المسيطر دون منازع له.

إن ابتكارات اقتصاد المعرفة المنتشرة في العصر الحالي كانت مجرد أحلام وأمنيات في الماضي، فلم يتوقع الإنسان في عام 2000 مع مطلع القرن الواحد والعشرين وبداية انتشار الهواتف الخلوية بسرعة هائلة، أنه سوف يستخدم في نهاية العقد الأوّل من هذا القرن هواتف ذكيةً تستطيع التصوير والتقاط الأحداث والصور، مثل أي كاميرا فائقة الوضوح، كما لم يخطر بباله أن شبكة الإنترنت بكل ما تحمله من مميّزات أصبحت موجودة في جيبه، ويستطيع الولوج لها باستخدام شاشة رقمية صغيرة، ولم يقتصر ذلك على هذه الأشياء فقط، بل في كلّ يوم تخترع مفاجآت جديدة وذات إمكانات غير متوقعة.

يمكن القول إن اقتصاد المعرفة نجح ليصبح من مكوّنات الحياة بتطبيقه مجموعة من السياسات، كالدمج بين الأفكار الخلّاقة والأبحاث لإنتاج صناعات جديدة وفريدة من نوعها، وبناء قاعدة قوية تنبثق منها الاختراعات والمشروعات التي تستخدم المعرفة أساسًا لها، وتصميم منتجات تتوافق مع حاجات الدول وتحقّق الإشباع عند النَّاس، وتطوير المناهج التعليمية لضمان استمرار انتشار المعرفة بتمهيد الطريق أمامها لتصبح المحرك الرئيسي للاقتصاد.

مع جميع النجاحات التي حقّقها اقتصاد المعرفة إلا أنه يصطدم بعدد من التحديات، لعل من أهمها عدم توفّر الإمكانات عند بعض الدول لتمكين المعرفة ودعم دورها في أنظمتها الاقتصادية، وعدم التوافق على نماذج متكاملة لمشروعات اقتصاد المعرفة، وغياب الوفرة المالية لشراء الأدوات التي تفعّل تطبيق المعرفة؛ لتحسين حياة النَّاس وتشجيع نمو الاقتصاد، وغيرها من التحديات التي من الممكن مواجهتها عند تهيئة الظروف الممهدة لترسيخ وجود اقتصاد المعرفة، بزيادة تفعيل دور الحواسيب والتقنيات الأخرى في شتى الأعمال والمهن، وإدخال الإنترنت طرفًا مشاركًا في بناء قواعد المعرفة في قطاعات الاقتصاد المتنوّعة، ودعم التدريب الذي يؤهل أعدادًا كبيرةً من الأفراد للتفاعل مع عصر اقتصاد المعرفة.

ينبغي للدول والأنظمة الاقتصادية المختلفة الاستفادة من عصر اقتصاد المعرفة، بل ومحاولة تخصيصه وهيكلته ليتوافق مع أهدافها وتطلعاتها المستقبلية، وضمان وجوده ومشاركته في الصناعة والتجارة والسياحة والصحة وكافة القطاعات الأخرى. فأهمية اقتصاد المعرفة ومخرجاته تظهر عند توظيفه واستخدامه بأفضل الطرق التي تساعد الدول على الاستفادة من مواردها، ودعم اكتفائها الذاتي، وتوفير فرص العمل لتقليل البطالة، وتأسيس التعليم المتوافق مع نوعية المعرفة المتراكمة من الماضي، والظاهرة في الحاضر، والقادمة من المستقبل، وهكذا تستطيع الدول تحقيق الفائدة للأفراد من العيش في كنف عصر اقتصاد المعرفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد