مقارنات القرآن فيها نوع من التميز الجميل، حيث في هذه الآية الكريمة يقارن بين نموذجين يجمع فيما بينهما قاسم مشترك واحد، وهو الاعتقاد الديني، إذ إن الذين يشتركون في نفس الدين ونفس العقيدة ينقسمون إلى طرفين يستقر كل واحد منهما على طرفي الميزان، الطرف الأول وهو الطرف المسلم، بهذه البساطة مسلم بغض النظر عن حجم ومقدار عباداته، والطرف الثاني مسلم أيضًا ولكن مسح إسلامه بالجريمة، فالمجرم هنا ليس من خارج المعادلة نفسها، فهما من نفس الجنس ومن نفس الوعاء، ولكن هناك من حافظ على إسلامه من دون جريمة، وهذا لا يمكن جعله متساويًا مع المسلم المجرم.

ما المقصود بالجريمة؟

الجريمة في القرآن تجدها تتمحور في عدة مظاهر، منها جريمة الافتراء والكذب على الله تعالى، فمن يكذب ويتقول على الله تعالى بحديث كاذب ينسبه إليه عز وجل أو إلى أنبيائه وأوليائه ويحاول تسويقه إلى الناس باحترافية ليجعلهم يصدقونه، يقول تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ)، ومن هذا الذي يفتري على الله أو يكذب بآياته؟ إلا من كان يعرفها وظاهرًا يدعي الإيمان بها، فهو ينتمي إلى المجموعة التي تعتقد بها، ومن خلال هذا المنهاج فانه يغير الوقائع ويسقط الجهلاء في شراكه، وهم كما يصفهم تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) ولكنهم في حقيقة الأمر أعداء، ويجب تجنبهم والانتباه إلى مخططاتهم ومآربهم.

أما المظهر الثاني للجريمة فهو يشمل المكذبين والمعاندين للحق رغم ثبوته، والذين يحاولون بشتى الوسائل الالتفاف على الحق ومحاربته، وهو ما لاقاه الأنبياء والصالحين في حياتهم ضد الظالمين، وشواهد ذلك في القرآن كثيرة ولكن يظهر ذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).

وهؤلاء المجرمون لطالما يكرهون الحق ويحاولون الوقوف بوجهه، ويجتهدون في محاولة دفنه وإطفاء نوره، وهذا من صفاتهم الرئيسة لا سيما وأنهم يمكرون بالحق وأهله ولا يكلّون ولا يتعبون وهم يدعون الناس لكره الحق والميل عنه بما أوتوا من قوة، مسخرين كل إمكانياتهم في سبيل هذه الفكرة، حيث لا مانع لديهم من استخدام القتل والتنكيل وهتك الحرمات في سبيل تحقيق غاياتهم الدنيئة، ومن أوضح ما نجده في القرآن الكريم قوله تعالى (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ).

وفي واقعنا نجد هؤلاء هم حملة شعلة الدين والمتكلمين باسم الإسلام، وهم يشوهون الإسلام بجدية وفاعلية تامة، ويصنعون الفجوة في طريق المسلمين ليحرفوهم عن مسار المعرفة والاطلاع على الحقيقة، ويستعبدونهم بكتب ومناهج لا تخلو من السموم والقذف والافتراء والتشهير واللعن والتكفير، ومن أكثر ما تجده في مناهجهم المنحرفة هي التناقضات التي لا تنتهي عندهم، فتجدهم يبثون للناس فكرة تحريم فعلٍ ما أو نعت فاعله بالشرك والبدعة، وحينما تغوص في عمق المسألة تجد الموضوع ليس كما يصورونه وينقلونه، وهم ينصبون أنفسهم بدرجة أصحاب الحق ومن دونهم هم في الضلال، بل ويوجبون فرض أفكارهم على غيرهم بالقوة، ويرفضون من يناقش ويجادل ويطالب بالأدلة الواضحة، فلا يمكن التصديق بمثل هذه الطروحات عندما تكون متفتحًا وطالبًا للمعرفة، ولكن عندما تنشأ في بيئة وظروف تجد فيها مثل هؤلاء المستغلين للإسلام هم من يترأسون مراكز تعليم الشريعة فأنت بلا أي شك ستتأثر بأفكارهم وخاصةً عندما لا تجد مصدرًا آخر للتعلم، والأكثر خطرًا هو تحول المتلقين إلى أدوات تستخدم للدفاع عن هذه الفكرة بجهلهم وتعنتهم وعدم قبولهم الرأي الآخر.

وعلينا أن نوجه شبابنا إلى أن يتفكروا في كلام أصحاب المنابر من كل المذاهب الإسلامية والبحث عن مصادر الكلام والتحقق من مصداقيتهم، حتى لا يتحولوا بالجهل إلى مجرمين بعدما كانوا مسلمين، وان يتعاملوا مع المعطيات والأحاديث والتفاسير بحرفية، وأن يتريثوا في اتهام الاخرين حتى يتبينوا صدق ما يقال عنهم كما أمرنا الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد