كتب توفيق الحكيم كتابه «في الوقت الضائع» وهو على فراش المرض، أي في ثمانينيات القرن الماضي، ذاكرًا حال مصر حينها بقوله: إنها تحولت من مصر الفنية الأدبية التي عاصرها -عصور الكتابة والفن من نهايات القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين- إلى مصر أخرى. مصر يسعى كل واحد فيها خلف مصالحه الشخصية، تسود فيها الهمجية والغوغائية والمادية السطحية، يجري خلفها الكبار والصغار. تدهور التعليم وانتشار الأمية الفكرية، الدروس الخصوصية والمجاميع الدراسية، والمدارس والجامعات وعلومها التلقينية… إلخ. وطرحت على نفسي سؤال، أطرحه على حضراتكم «هل تغير حالنا؟».

ثلاثين عامًا مرت بصغيرها وكبيرها، كبرى الحوادث، ظهور الإرهاب، مشاكل الدول العربية، ظهور الشرق الأقصى كقوى جديدة لها مكانتها، وظلت مصر كما هي. قامت الثورات، تغير الرؤساء، نشأت أحزاب، واندثرت أخرى، وما زلنا في محاولة للتحرك من مكاننا، ولكن صفاتنا لم تغير، ونلقي اللوم على الحكومات وأولي الأمر فحسب.

أنا مع كل من يقول إن للحكومة الدور الأكبر والنصيب الأوفر في هذه الأزمة التي نعيشها، ولكنها ليست المشكلة الأساسية. إن المشكلة تكمن في داخلنا، في عقولنا، في طرائق تفكيرنا؛ فالشعب هو من خلق المشكلة أولًا، ولا يستطيع غيره أن يحلها، وما يحزنني هنا، ليس أننا تخلفنا، فالمعروف أن أي أمة تجتاحها موجة من التخلف والتأخر تأتي بعد أي فترة من التقدم، ولكن ما يحزنني هو أننا ما نزال منذ ما يزيد عن مئتي سنة في نفس المشكلة. مجموعة واحدة متمسكة بالسلطة، تمتلك زمام الأمور، وتتمتع بكل أسباب الرفاهية والرخاء. أما الباقي، فمن يستطع منهم أن يجد مكانه وسط هذه المجموعة أو أن يقترب منهم، فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن عاداهم فقد كتب على نفسه الشقاء والذلة.

إننا نحتاج إلى تغيير نظرتنا للحياة، فالأمم لا ترتقي إلا بتقدم فكرها، ولنا في تاريخنا العبرة والعظة. إننا لا نحتاج إلى خارطة طريق، أو عاصمة جديدة، أو تغيير للحكومة. ما نحتاج إليه هو تغير جذري لأولوياتنا، تغير معه يتبدل النهج العام من المبدأ المادي «البطن أولًا» إلى مناهج علمية، فكرية، أدبية نسمع صداها هنا وهناك. نريد أن نشهد منتديات أدبية كالتي كنا نسمع عنها في الماضي، تعالج الظواهر السلبية في المجتمع وتعيده إلى طريق الجادة، بأن تنتقده انتقادًا بناءً. فالمشكلة ليست مشكلة خطاب ديني أو تعليم أساسي أو رئيس أو حكومة. إنها مشكلة شعب بدأ يبحث عن وسائل الحياة المادية فقط، متناسيًا طبيعة الحياة أنها مادية وإنسانية معًا.

ولعلنا لا نستطيع أن نلوم أشخاصًا بأعينهم، أو جهات بذاتها؛ فكل هذه الجهات التي نلقي عليها اللوم هي جزء من الشعب. من يعمل في الحكومة؟ أليسوا مصريين؟ أليس الجيش جزءًا من الشعب؟ أليس العاملون بالإعلام أفرادًا من الشعب؟ إنها المبادئ يا أخوة. دعونا نخلع السيسي ونضع مكانه بديلًا من العامة -وليكن موظفًا حكوميًّا مثلًا- ماذا سيفعل؟ لا أعتقد أنه سيختلف عن السيسي كثيرًا، في الجوهر -وهو السرقة والمحافظة على الحكم والتمتع بالكرسي- الجوهر لن يتغير، وإنما ما سيتغير هو الطريقة التي سيسرق بها هذا البديل، ويحاول خداع الشعب بها.

ولعل الاقتداء بمن سبقنا يكون مفتاح تقدمنا، فلننظر إلى الأمم التي تقدمت، ولا أريد أن أعدد أمثلة، فالأمثلة معروفة وغنية عن التعريف. ولكن ما يهمنا هنا هو الكيف. كيف تقدمت هذه الدول؟ كيف صنعت حضارتها؟ كيف تحركت من أماكنها، وصنعت لنفسها أمجادًا خالدة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد