نتيجة ارتكاب بعض أعمال العنف والجرائم غير عادلة بشكل أو بآخر؟!هل نملك حرية الإرادة الحرة أم أننا مجرد أداة لمحرك أكبر؟ ماذا لو استيقظت في يوم واكتشفت أن المسئول عن تصرفاتك وأفعالك شيء آخر وليس أنت، وأنك مجرد استجابة لمجموعة من التفاعلات البيوكيميائية التي تجري بداخلك، قد يظن البعض أنهم المتحكمون تحكمًا كاملًا في أفكارهم، مشاعرهم، تصرفاتهم وردود أفعالهم، لكن من الواضح أن للهرمونات رأي آخر. ربما هي من تقودك إلى سلوك معين قد ينتج عنه أفعال تصل إلى حد الجرائم وأحداث العنف والكراهية والاعتداء الجنسي.

دعونا في البداية نفهم ما الهرمونات؟ وكيف يمكن أن تؤدي بنا إلى سلوكيات ومسارات مختلفة، الهرمون هو مادة كيميائية تكونها خلية أو غدة، إذ يعطي رسائل إلى الخلايا والأعضاء الأخرى بالجسم كالمخ.

يتفاعل كل هرمون مع مستقبل معين، والذي يرسل بدوره إشارة إلى الجسد، وقد تتفاعل بعض المستقبلات مع عدة هرمونات مختلفة عن طريق إرسال الإشارة نفسها، تعد وظيفة الهرمونات هي تنظيم بعض العمليات الحيوية والأنشطة البشرية، كالشعور بالجوع، والنوم، والانجذاب الجنسي، ومشاعر الحب والكره، والخوف والغضب وغيرها من الوظائف الأساسية، إلا أن حدوث أي خلل في معدلات تلك الهرمونات قد يؤدي إلى تغير بعض من سلوكيات الإنسان، والتي قد تكون غير مرغوب فيها أبدًا.

فمن خلال النظر إلى الحالات التي تكون فيها مستويات الهرمونات تختلف كثيرًا عن الطبيعي. ومن أشهر تلك الحالات هي الاكتئاب المزمن الذي يحدث بسبب اختلال في معدلات بعض الهرمونات مثل السيروتنين، والذي قد ينتج عنه الكثير من الألم والمعاناة والذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الانتحار. فهل ذلك يعني أن دافع المنتحر قد يكون أمرًا خارج إرادته؟

تعد العوامل البيئية من أحد المحفزات لإفراز الهرمونات؛ لذا نلاحظ إصابة العديد من الأشخاص بالتقلبات المزاجية في وقت واحد لسبب مجهول، وهي التي ربما تكون ناتجة عن تقلبات جوية أو تغير المواسم، لذلك من المرجح أن يقع أحدهم في الحب في فصل الربيع.

يمكن للهرمونات أن تؤثر على البشر وكيفية تفكيرهم، ويمكنها التحكم في العاطفة والصحة والسلوك الأخلاقي أيضًا؛ إذ تشير دراسة مشتركة أجرتها جامعة تكساس في أوستن وجامعة هارفارد إلى أن بعض الهرمونات مثل التستوستيرون والكورتيزول يمكن أن تلعب دورًا أساسيًّا وتكون مؤشرًا لشخص يرتكب سلوكًا غير أخلاقي، مثل الكذب، أو الغش، أو السرقة.

أجرى الباحثون تجربة طالب فيها 117 مشاركًا بإجراء اختبار رياضي يكافئهم بالمال مقابل كل إجابة صحيحة، كما طُلب من المشاركين تصنيف أوراقهم الخاصة والإبلاغ عن عدد الإجابات الصحيحة لمسؤولي الاختبار.

وأخذ الباحثون عينات لعاب من الاحتيالات المحتملة قبل أن يجروا الاختبار، من أجل قياس مستوى هرمون التستوستيرون التناسلي وكورتيزول الإجهاد في أنظمتهم. ووجد الباحثون أن المشاركين الذين لديهم مستويات عالية من الهرمونات كانوا على الأغلب يكذبون حول العدد الإجمالي للإجابات الصحيحة من أجل الحصول على المزيد من المال.

على جانب آخر فإن هرمونات الغدد التناسلية لها أيضا تأثير كبير، فبالنسبة للنساء هناك ظاهرة تعاني منها النساء، وهي اكتئاب ما قبل الطمث، وهو وقت التغيير الهرموني الرئيسي، العديد من الفتيات يتعرضن لتقلبات مزاجية مختلفة وتغيرات أخرى في الصحة العقلية، وفقدان المتعة، وحتى الأفكار الانتحارية.

كذلك يُعد اكتئاب ما بعد الولادة من الأمراض العقلية الرئيسية المرتبطة بالولادة، ولهما عنصر هرموني رئيسي في بداية المرض وطوله. ويعتقد أن هذا هو السبب في الانخفاض المفاجئ والسريع في المستويات المرتفعة لهرمونات الحمل بعد الولادة بقليل.

أثناء الانتقال إلى سن اليأس، تعاني النساء من تغيرات هرمونية كبرى. في هذا الوقت، هم عرضة للإصابة بالاكتئاب بنسبة 14 مرة أكثر من المعتاد. ومع اختلاف الأطوار التي تعاني فيها النساء ثم لا يجدن من يحنو عليهن.

أما بالنسبة للرجال، فقد يحدث انخفاض مستوى الذكورة بسبب انخفاض كبير في مستويات هرمون التستوستيرون إلى أقل من المعدل الطبيعي للشباب، فقد وجد في بعض الدراسات والتي تعد من أحدث وأقوى دليل على تأثير التستوستيرون والتي أجريت على 1706 من الرجال في منطقة بوسطن، الذين تتراوح أعمارهم بين 39 إلى 70. وقد اختير الرجال عشوائيًّا لجزء من دراسة أكبر عن الشيخوخة. وجرت مقابلة من وافقوا على المشاركة في منازلهم وأعطوا اختبارات نفسية، وأخذت عينات دم.

وكان لدى أولئك الذين لديهم مستويات أعلى من هرمون التستوستيرون والهرمونات ذات الصلة صورة شخصية وصفها الباحثون بأنها «مهيمنة على بعض السلوك العدواني»، لذلك فقد ربط العلماء منذ فترة طويلة المستويات المرتفعة بشكل غير طبيعي من هرمون التستوستيرون بمشاركة مبكرة على نحو غير معتاد مع الجنس وتعاطي المخدرات، وبعض جرائم العنف، مثل عمليات الاغتصاب الوحشية.

لذلك فهل نتحمل مسئولية تصرفاتنا تحملًا كاملًا؟ وهل لنا حرية التصرف كما يزعم بعضهم؟ أم أننا مجرد نتائج لبعض التفاعلات والتأثيرات الهرمونية؟

ومن جهة أخرى هل سنحاسب على تلك التصرفات في حالة إن كانت خارجة عن إرادتنا؟! هل من الممكن أن نعد تلك المحاكمات والأحكام الصادرة على البعض

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست