للإجابة على طرح كهذا علينا أولا أن نجيب على مجموعة من التساؤلات التى قد تفتح لنا أبواب فهم ما مضى لنستشرف ما هو آت.

أولا: ماهى الثورة؟!

الثورة كما تعارف عليها العالم هى حراك شعبى غاضب عنيف تقوده النخب بغرض تغيير مسار سياسي، ودائما ما يكون لهذه الثورة قائد يجمع خيوط الحراك فى يده.

ثانيا: هل هناك حقا ما يسمى (ثورة شعبية)؟ وهل تثور الشعوب المطحونة بالفعل؟

عبر التاريخ، كم ذاقت الشعوب صنوف الظلم على أيدى حكام كانت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، تحمل الناس قهرهم اللامتناهى دون قدرة على المواجهة أو التصدى، نذكر الشدة المستنصرية فى مصر على سبيل المثال ومن قبلها سنوات ظلم رمسيس الثانى، ونذكر فى أوروبا عصور الظلام التى امتدت حوالى 1000 عام، فنجد أن الناس عادة لا يشعلون الثورات، بل يخافون المجهول، يتحملون وأحيانا يقتلون فى نفس أى راغب فى التغيير كل أمل قد ينبت للخلاص من الهوان، لا يتحركون إلا عندما يشعرون أن النخبة التى تنادى قد كسرت حاجز الخوف، وقتها ينضم الفريق المقهور من الشعب إليهم أملا فى حال أفضل بقدر ما يستطيع هذا الحراك الصمود، وإلا عاد المقهور إلى حاله فى كنف الظالم يبتغى السماح.

ثالثا: هل ثورات الربيع العربى وعلى رأسها ثورة مصر كانت ثورات عفوية؟

فندت فى مقال سابق (ترى هل كانت ثورة؟) أسباب اعتقادى أن تلك الثورات لم تكن عفوية بالمرة، فمن يقرأ عن مخطط الشرق الأوسط الجديد ويسمع زعماء ومسئولى العالم وهم يتحدثون عنه، يدرك أن ما يحدث فى عالمنا العربى ليس وليد صدفة، بل هى سايكس بيكو جديدة تفتت ما قد تم تقسيمه. ما حدث فى مصر كان ثورة مصنوعة على عين جيشها وفق بندها من هذا المخطط، فكان كشف الغطاء عن قدر يغلى ليستبدل بغطاء آخر من نفس المصنع.

رابعا: لماذا لم تصنف رابعة والنهضة كثورة؟

من الغريب أن حراكا ضخما بهذا الحجم تم تقزيمه وتشويهه حتى لا يرقى فى نظر العامة إلى مرتبة ثورة، أو حتى مرحلة ثورية أو انتفاضة، فوجدنا من يطلق عليه حالة، ومن يسميه اشارة، وفى أفضل الأحوال سمي تظاهرات معارضة، فى حين أن رابعة كانت تحمل جينات الثورة ربما بشكل أوضح من ثورة يناير، فحراكها كان له رأسا تحركه، وأهدافا أكثر تحديدا، وتنوعا فى فئات من خرجوا على عكس ما أشيع فى وسائل الاعلام.غير أن الثورة لا يطلق عليها فى هذا العالم العنصرى لفظة (ثورة)، إذا ما كان رأسها مسلم (سنى).

خامسا: ما هو نوع الحكم الذى يريد الثوار الإطاحة به؟

هو حكم عسكرى تاريخه يرجع إلى عصور حكم أسرة محمد على، الذى سخر امكانات البلاد كلها لخدمة الجيش بعد أن كان هو من يسهر على خدمتها وحمايتها ؛ هو حكم تغلغل فى كل صغيرة وكبيرة فى حياة المواطن، فى الصحة والتعليم والغذاء والدواء والثقافة والفن والزراعة والصناعة وفى كل بنود الحياة، فأينما تولى وجهك ستجده فى كل مؤسسة تتعامل معها. استحوذ على المناصب الهامة والمفصلية، فانت فى كل مكان محاصرما بين سيادة اللواء هنا وسيادة العميد هناك.

سادسا: ماهو تكوين المعارضة التى تنادى بالثورة؟

لدينا مؤيدى شرعية مكتسب ثورى متمثل فى رئيس جمهورية مختطف، تبتغى ثورة تزيل طغيانا بغى على البلاد وسحقها ؛ وتيار علمانى أفشل ثورته الأولى بمشاركة من يريد أن يطيح بهم اليوم، يساوى بين جلاديه وبين من أعان على قتلهم، لم يغنم ما تمنى من إزالة أول نظام حكم ديمقراطى و يحاول إعادة الكرة عله يتخلص من نظام عسكرى باستغلال آلام فصيل دهسته دبابة كان يحتضن مدفعها مهللا .

سابعا: من الداعى للثورة؟! وما هى حقيقة تلك الدعوات التى تظهر مثل (الأرض عرض) و(ثورة الغلابة)؟!

عندما ظهر ظلم النظام القائم للعيان بحيث أصبح لا يختلف على طغيانه اثنين، فصار يطيح بمؤيديه كما يطيح بمعارضيه من المدافعين عن الشرعية، دعا بعض السياسيين إلى ما يدعى (الاصطفاف)، فرفض الطرف العائد بخفى حنين من معسكر الانقلاب _وبشدة_ أن يضعوا أيديهم فى أيدى من انقلبوا عليهم،وكانت أهدافهم واضحة، وهى أن يعود الجميع إلى أهداف ثورة يناير، إلى نقطة الصفر، فلا يتحدثن أحد عن شرعية ولا عن رئيس منتخب، يتحدثون عن مظلة تجمع كل أطياف المصريين تحتها كما حدث فى ثورة يناير، إلا أن الداعين أغفلوا أمرين، الأول، أن الدماء التى سالت بأيدى نظام جلبوه وباركوه أصبحت رقما صعبا فى المعادلة، والثانى أن أهداف يناير التى خرجوا من أجلها كانت عيش وحرية وكرامة وعدالة، فلم يتبقى منها سوى العيش وما أبخسه من هدف تخرج من أجله الجموع التى لم تخرج من أجل فتيات تقبع فى سجون ولا من أجل نفوس تعذب فى غياهب المعتقلات ولا دماء أريقت أمام ناظريهم، واليوم يخرجون من أجل لقمة! بئست المظلة الجامعة.

ولنجيب على سؤال من الداعى لثورة الغلابة، علينا أن نعرف أولا من الداعى الحقيقى لثورة يناير ولماذا أخذت كل هذا الزخم على موقع تواصل لم يكن مستخدما من أعداد كبيرة من المصريين فى ذلك الوقت؟! ومن الذى أطلق عبارة (الجيش والشعب إيد واحدة) داخل ميدان التحرير؟! ومن الذى كان يهيج الشباب فى موقعة محمد محمود ويجرهم إلى مواجهات مع الشرطة ثم يتركهم ليواجهوا مصيرهم؟! ومن الذى روج لحملة تمرد حتى وصلت لمبتغاها؟! كل هذه أمثلة وغيرها الكثير توضح أن من ينشر ويضخم ويروج ليسوا مجموعة من الشباب، بل إنهم ليسوا ثوارا أصلا.

ثامنا: هل يمكن أن تتحول هذه الدعوات لثورة بالفعل؟!

تتوقف إجابة هذا السؤال على مدى قوة الأجنحة المتصارعة داخل الجيش وعلى مدى قوة من يدعموهم، وكذلك على الهدف المراد من هذه التظاهرات، فهل هى لمجرد إحداث بلبلة فى الشارع المصرى ينتج عنها أحداث عنف تجدد رصيد الزعيم الذى نفذ؟ أم أنها عملية غربلة جديدة لمن بقى لديهم روح ثورة ليظهروا فى الصورة فيتم القبض عليهم أو تصفيتهم؟ أم هى أسلوب ضغط على القائد الملهم للحصول منه على تنازلات جديدة؟ أم هى حنق متزايد من أطراف فى المنطقة أعانوه يوما على الخيانة فكانوا هم أول ضحاياه؟ أم ربما يكون هو رأس الكتلة السوداء داخل الجيش التى تقود تغييرا لا ترضى عنه أجيال سابقة مازال لديها بقية من ولاء لهذا الوطن؟! أم أنها غطاء جديد لتغيير حقيقي، يُراد به أن يُكتفى من موظف أدى ما أُريد منه وأكثر وأن يُدفع بالبديل الذى اصطنع على عين مهندسي التغيير ليلعب مستوى جديد فى لعبة تفتيت المُقسم؟! وعليه فإن تحول التظاهرات لثورة يبقى قيد من يستطيع البقاء والضحك أخيرا.

تاسعا: كيف يتلقى الشعب البسيط هذه الدعوات؟!

أغلب الشعب، من يوصفون (بالغلابة) فيه يخشون المجهول، ربما تحمسوا قليلا أيام ثورة يناير، لكنهم ومع الوقت لم يستطيعوا مواصلة الانضمام إلى قطار الثورة، ببساطة لأن أحدا لم يعلمهم ماهى الثورة، ولا ألومهم على ذلك، فهذه كانت مهمة النخبة التى لم تقم بدورها كما ينبغى فى توعية شعب منسحق محبوس فى الظلام منذ عقود، فلا علم حقيقى بمجريات الأمور ولا نسمة نصر حقيقة يشتم منها رغبة فى الحياة،فلا تضعوا رهانكم عليه، فالشعب البسيط أيضا له عقله الجمعى المنفصل عن تقديراتكم وتصوراتكم المستقبلية، فقد يقف معكم، أو عليكم.

عاشرا: ماذا يجب عليك كمواطن إزاء تلك الدعوات؟!

إذا كنت من هؤلاء المناضلين الذين ما احتاجوا يوما إلى دعوات نزول للتظاهر ضد ظالم، فلن تحتاج منى لنصح، فانت تعلم طريقك،فقط انتبه لمن يستهلكون طاقاتك وعمرك وآلامك فلا تكن ذلك الظهر الذى يحملهم دون أن تدرى، وإن كنت من أنصار الداعين لمثل هذه الأهداف فأقول لك إن خرجت فلا تثر نصف ثورة، إما أن تخرج لأهداف عاليات ترقى لمستوى تضحيتك بنفسك وراحة أهلك وربما روحك، وإلا فلا تخرج، وأما إن كنت من الحائرين الذين لا يعلمون ماذا يفعلون فاستخر ربك ثم استفت قلبك واعلم أن حياتك غالية فلا تنفقها إلا فيما يرضى رب العباد، وإن كنت من الرابضين فوق الأرائك، فإما أن تنصح بصدق فلا تؤجج وأنت تحتسى قهوتك ولا تحبط وأنت لا تشعر بمعاناة، وإما أن تصمت.

 وأخيرا.. ماذا لو نجح يوم 11\11؟!

أسألكم أنا عن أطراف ثورية لم تستطع أن تصطف لتستعيد عناصر قوتها، هل يمكن أن تنجح فى اشعال ثورة تعيد تشكيل نظام حكم دولة فى حجم مصر؟ وعن جرح لم يتم تطهيره، هل يمكن أن يقوى جسد صاحبه على مصارعة من طرحه أرضا؟! هل تستقيم دعوة كتلك فى ظل شرخ عميق بين فرق الثورة وفى ظل خيانة طرف لآخر؟! لو نجح يوم الغلابة لن يكون يناير جديدا، لكى تحصل على نتائج جديدة لابد من معطيات مختلفة، ومعطيات ما يطلق عليها ثورة الغلابة هى أسوأ بكثير من معطيات ثورة يناير للأسف، فلا اصطفاف ولا رأس ولا هدف سام،ولكنها تبقى مجرد محاولة، (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً).

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد