أيام قليلة مضت على إطلالة محمد بن سلمان في الإعلام وحديثه عن العديد من القضايا من بينها تجديد الخطاب الديني، حيث أكد في هذا الإطار أن التشريعات وأمور الدين عامة يجب أن تؤخذ من القرآن الكريم أولًا وبشكل أساسي، ثم بعدها من الأحاديث الصحيحة المتواترة التي تعتبر ثابتة عن رسول الله برواية جماعة من الناس عن جماعة من الناس، واعتبر الأحاديث الآحاد غير ذات أهمية كبيرة لأنها أولًا ظنية الثبوت عن رسول الله، ثم لأنها ثانيًا تكرس الجمود الفكري والديني من خلال أحكام وأفكار لا تتماشى إطلاقًا مع الظروف الموضوعية للعصر الراهن، الشيء الذي جر العرب والمسلين لتذيُّل الحضارة لقرون من الزمن، بل إنتاج فكر متخلف دموي لا يعطي أية أهمية للعقل، ولا للتعددية في الرأي والفكر. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الأحاديث الآحاد التي تم الحديث عنها تشكل 90٪ من الأحاديث تقريبًا، وبالتالي فلن يبقى إلا العمل بالأحاديث المتواترة التي لا تخالف صريح القرآن، وهو في نظري سيكون انفراجا كبيرا للعقل العربي وصفعة في وجه التيارات المتطرفة والكهنوت الديني الذي يحكم قبضته على المسلمين منذ قرون.

في الحقيقة ليس حديث ابن سلمان هو ما دفعني لكتابة هذه الكلمات، بل هو ما حدث بعدها من فوضى كبيرة، تمظهرت في التراشق بالأفكار والسخرية بين التيارين الديني المتطرف الذي نصَّب نفسه مجددًا وكالعادة مدافعًا عن الله والدين والأحاديث التي اعتبر المساس بها كفرًا، وبين التيار التنويري الذي استبشر خيرًا بحديث ولي العهد السعودي وتنفس الصعداء شوقًا إلى فجر العقلانية والإصلاح في الفكر الديني.

في ظل هذه الوقائع، وبُعيدَ اللقاء الصحافي لابن سلمان، يخرج علينا إمام الأزهر وبشكل مفاجئ متحدثًا عن وجوب عقلنة الفكر الديني والتخلص من الجمود والتطرف لملاءمة الواقع والتماشي مع الظروف الراهنة، كما أنه أكد إلغاء مجموعة من الأحكام الغريبة التي أفتى بها الفقهاء وبقي العمل بها ساريًا إلى الأمس مثل: بيت الطاعة، وحرمة السفر بدون محرم، وعدم جواز ولاية الأمر للمرأة…إلخ.

أما السؤال الذي أزعجني هنا وربما جاء الآن ببالكم أيضًا هو: لماذا انتظرت المؤسسات الدينية (الأزهر هنا) قرار المؤسسة السياسة مثمثلة في محمد بن سلمان كي تتخد خطوة جريئة مثل هذه في سبيل تحرير الأمة من أصفاد فكر جامد وظلامي؟ أليست المؤسسة الدينية مستقلة كما تزعم؟ أليست تطيع أوامر الله فقط ولا تريد إلا مصلحة الإنسان وحفظ الدين وصون المجتمع كما يتغنى أصحابها ليل نهار؟ لماذا خرجت بهذه التصريحات والخطوات بعد حديث بن سلمان؟ لماذا لم تتحرك قبل ذلك؟ ثم أليست هي التي أفتت بتكفير العديد من المفكرين الذين دعوا إلى تجديد الفكر الديني من قبل، بل سُجن وقتل الكثيرون بسبب فتواهم؟ ثم سؤال آخر أعتبره محوريًا وأكثر أهمية من كل هذه الأسئلة، ما دور رجال الدين في القرن الحادي والعشرين؟ وما هي مساهماتهم في قيادة المجتمع نحو الأفضل؟ وهل لهم مساهمات في ذلك أصلًا أم أن كل ما يفعلون هو مجرد فرملة لعجلة الحضارة في العالم العربي والإسلامي؟

أسئلة وأخرى لا بد أن تُطرح للنقاش، وأن يولي لها العقل أهمية كبيرة، ها نحن نطرحها الآن وسأحاول تقديم أجوبة عنها في السطور التي ستأتي.

رجال الدين والسلطة الكارثية على المجتمع

إن أول ما يجب أن يتم التساؤل عنه وتوضيحه هو طبيعة السلطة التي يشكلها رجال الدين والمؤسسات الدينية على المجتمع منذ زمن ولى وحتى عصرنا الحاضر، فالهالة التبجيلية والتقديس التي نلاحظها في المجتمع تجاه هذه العناصر تدفعنا للتساؤل بشكل جدي عن مساهمة رجل دين معين في خلق مجتمع واع ومتحضر.

إن السلطة التي يشكلها رجال الدين على مجتمعاتنا هي سلطة سلبية كارثية، فالواقع يثبت أن المؤسسات الدينية تكاد تستقل وتعيش في عالم مواز، بل عالم عدمي لا ارتباط له بالواقع إطلاقًا، فهاهم على سبيل المثال لا الحصر يحدثوننا عن حاكمية الله ووجوب تطبيق الشريعة، في حين أن هذا يتعارض تمام مع اتفاقيات حقوق الإنسان التي وقعت عليها الدول؛ مما يوقعنا في ازدواج وانفصام في الشخصية العربية سببه عدم قدرة رجال الدين والمؤسسات على مسايرة الواقع والتخلص من أفكار وأحكام أكل عليها الزمن وشرب، وكانت مرتبطة بظروفها الموضوعية والتاريخية والزمكانية التي ظهرت فيها.

إن السلطة التي شكلتها المؤسسة الدينية على المجتمع لم تساهم إطلاقًا في تطور المجتمع، فما الذي أحدتثه هذه السلطة عبر مئات السنين؟ يُجيب الواقع مجددًا قائلًا بأن رجال الدين هم في الحقيقة معرقلين بشكل مباشر أوغير مباشر لعجلة الحضارة، من خلال سجن فكر الإنسان وتجميده ومهاجمته بوابل من التكفيرات واتهامات الزندقة والفسوق، وكذا فتاوى غريبة لا تفتح للعقل أي مجال للإبداع أو التفكير خارج المألوف الديني.

يمكننا القول إذن بأن العقل لا يجب عليه الوثوق برجال الدين بشكل مطلق، فكيف نثق في من لم يساهم إلا في تخلفنا عبر الزمن، خاصة وأن الظلم والاستبداد والتخلف ما يزالون يعششون في البلاد العربية ولم تنجح هذه المؤسسات في التخلص منه، بل ساهمت في تكريس مظاهر الاستعباد وسجن الأفكار قبل الأجساد. وعليه فإن السلطة الدينية على المجتمعات لابد أن تُزال عاجلًا غير آجل، ولا بد أن يستيقظ العقل النقدي من سباته ويجتنب تقديس الخرافات والأموات، ويتكلف هو بصناعة واقعه بشكل معقلن ومتسق مع متطلبات العصر.

أما أول ما ينبغي الوعي به، فهو أن العبادة الحقة والاستخلاف الذي يريده الله في الأرض يكون في إطار من الحرية الكاملة للإنسان، فهذا الأخير لا بد أن يكون مقتنعًا بشكل كلي بما يقوم به وبما يؤمن به، وعكس هذا تمامًا هو ما نجده عندنا، فنلاحظ أن رجال الدين هم الذين يتولون مهمة التفكير مكان الإنسان، بل إنهم مجرد مقلدين لسابقيهم، ويتسابقون للنيابة عن الله في الأرض ونحت معالم إيمان الفرد وحدود حياته وحريته التي يضيٍّقونها يوما بعد يوم. المؤسسة الدينية الجامدة عائق مباشر أمام حرية الإنسان واتساقه مع ذاته وأفكاره ومعتقداته، فهذه المؤسسة لا تكتفي بشرح الدين للناس وربطهم بالله فقط كما يدعون، بل أساليبهم التكفيرية والإقصائية وفكرهم الأحادي الديكتاتوري يشطب كل رأي مخالف ويسطر حدود الجنة وحدود النار بجرة قلم واحدة، دون أن ننسى طبعًا أن الدين هو يسيرٌ في أصله ولا يحتاج لكهنوت يشكل صلة وصل بين العبد وربه.

لا شك أن أية ثورة عقلية نقذية تُواجَه من قبل رجال الدين بالرفض والتكفير، ولا شك أن الجمود العقلي للإنسان هو ما يتغذى عليه هؤلاء وبالتالي يساهمون في استمراريته وتكريسه بجميع الوسائل الممكنة، فهو خاصية تمنح لهم سلطة مطلقة وتجعلهم مرجعًا دائما في كل صغيرة وكبيرة، وتجعل رجل الدين، رغم قصوره العلمي والمعرفي في العلوم الطبيعية والإنسانية، مفتيًا يحلل ويحرم أمورًا أكبر تحتاج إلى تحليل ودراية من المختصين في مجالات عدة.

إنني أول من يتساءل اليوم عن مدى ضرورة حذف الفتوى، واستبدالها بالاستفتاء أو بتحاليل علمية من المختصين في مجالات الطب والاقتصاد والسياسة، بل أكثر من ذلك أرى ضرورة إشراك المواطن في اتخاذ القرارات المهمة في حياته، واعتبار رأيه وعقله مهمًا وذا قيمة كبيرة في المجتمع، خاصة العلماء، عوضًا عن تجميع سلطة الإفتاء في يد أناس لم يجرُّوا علينا إلا التخلف عبر قرون مضت، عن طريق أحكام وفتاوى تنطلق من فهم ضيق جدًا وعدم أخذ المتغيرات المجتمعية بعين الاعتبار، وإجماع وقياس غير منطقيين يراهم رجال الدين ملزميْن للناس جميعا على طول التاريخ، وامتداد الجغرافيا بشكل مستقل عن موضوعية الظروف وتطور الحياة وعقل الفرد.

إن طابع الإنسان والحياة والطبيعة هو الاختلاف والتعددية، وهذه السمة بالضبط هي التي يحاول الدين التراثي القضاء عليها، ويبذل في ذلك كل السبل والوسائل، من خلال أفكار ساذجة تحاول تطبيق فكر أحادي على جميع الناس، ولا تحترم تعدديتهم في الآراء والمعتقدات، وكذا الظروف التاريخية والجغرافية، وهذا إنما ينم عن قصر في النظر والعقل وتناقض واضح مع طبيعة الحياة مما يؤدي صراحة للفشل والخروج من سنن الحياة والطبيعة، الذي نلاحظ تمظهره اليوم في تذيل الأمم علميًا وأخلاقيًا.

وأكثر غرابة من ذلك كله هو أن رجال الدين يعبرون دائمًا عن خوفهم من ضياع الدين وضياع السنة النبوية، ويعتبرون أنفسهم فرسانًا للعقيدة واستمرارًا الدين رهنًا بتواجدهم وفتواهم، في حين أن الدين والتدين فطرة إنسانية في الأصل وله قيومية على الإنسان دون أن يدري، قال تعالى «ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون»، ولعل الدليل الأخلاقي المشترك بين جميع الناس من أكبر الأدلة على تناسق الدين مع الفطرة البشرية.

هذا الخوف من ضياع الدين في الحقيقة ليس خوفًا على الدين الحق الأصلي، بل هو خوف على ضياع الفهم التراثي الذي يضمن لهم أحقية السلطة على الناس ولا يخافون من ضياع أساسيات الدين من حرية وعقل وتقوى.. بل نادرًا ما يتحدثون عن هذه الأشياء في خطاباتهم التي تملؤها العاطفة والترهيب.

السلطة السياسة أقوى

إذا لاحظنا تاريخ المسلمين منذ وفاة الرسول إلى أيامنا هذه، فإننا نستنتج خلطًا واضحًا بين الدين والسياسة، وإذا كان هذا قابلًا للفهم والتعليل في بداية الإسلام حيث الفقهاء هم الذين يضعون قوانين الدولة، فإن هذا المنطلق لم يعد صالحًا أبدا بعدها، فقد أدى هذا الخلط إلى جعل الدين عبدًا لدى السياسة بل أداة يستغلها الحكام عبر تاريخ الإسلام لاستعباد الشعوب وتكريس الاستبداد، وأبسط مثال على ذلك هو فكرة «القضاء والقدر» التي فُهمت وشرحها الفقهاء بشكل خاطئ أيام الدولة الأموية حيث يخبر الحاكم الرعية أن حكمه هو قدر الله ولا يمتلكون إلا الصبر على هذا القدر وتقبله، مرورا بفتاوى عدم جواز الخروج على الحاكم الظالم وتغليف قوانين الاستبداد بأغلفة دينية تحذر الشعوب المظلومة من أن أية خطوة منهم في مواجهة الظلم هي تَعدٍّ على حاكمية الله وشرعه.

إن الدين ورجال الدين في مجتمعاتنا هم مجرد أداة في يد السلطة الحاكمة يميلون حيث تميل إرادات السلطة ويفتون بما يرضيها ولا يقتربون أبدًا من أي شيء قد يكون سببًا في إيقاظ الرأي المخالف المعارض حتى بشكل سلمي. إضافة إلى ذلك، فإن القارئ للفقه الإسلامي يلاحظ أمرًا في غاية الأهمية، وهو أن أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تكون أبدًا موجهة للسلطة الحاكمة، رغم أن هذه الأخيرة هي الأكثر حاجة لهذين الأمرين باعتبارها المالكة لأدوات السلطة والسيطرة والإكراه، وفي دولة ديمقراطية لا بد عن عنصر المعارضة الذي يقوم بدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إذ نلاحظ أن الفقهاء حصروا هذين الأمرين في الناس فيما بينهم فصاروا يشكلون جماعات تأمر بالصلاة والصبر والدعاء، بل ترهب الناس وتتدخل في مجالات حرياتهم الخاصة أحيانًا تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ناسين التأثير القوي للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على سلوك الأفراد، فكيف تأمر الناس بالصبر في مجتمع لا يجدون فيه حتى ما يسدون به جوعهم؟ إن هذا الترف الإيماني الفارغ أمر في غاية الخطورة، فهو يؤدي كما قلنا سابقًا إلى انفصام في شخصية الفرد على حساب مصالح السلطة، ثم إلى أزمة أخلاقية بعدها كما نلاحظ في مجتمعاتنا.

وكما رأينا في البداية، فإن كلمة واحدة من ولي العهد السعودي كانت كافية لتحريك الكثير من المياه الراكدة منذ قرون، ودفعت مؤسسة الأزهر وإمامها الأكبر للخروج والحديث عن التنوير الفكري الديني، من هنا يتضح أكثر سبق السياسة على الدين في بلداننا، وأن رجال الدين لا يتحركون بحرية، بل بحركات من المؤسسة السياسة التي تقرر متى تعطى الإشارة ومتى لا تفعل. وبالتالي فقوة السلطة السياسة لا تقارن بخرافات السلطة الدينية، لأن الأولى هي الحاكمة على الثانية، وإدراك ذلك ومراحل ظهوره ونموه عبر التاريخ الإسلامي العربي من بين خطوات الإصلاح الذي تتوق إليه الشعوب العربية.

وانتصر الواقع

نعيد مجددا ونقول أن الفقهاء ورجال الدين بفكرهم التقليدي الجامد فشلوا أمام قوة الواقع فشلًا ذريعا، فلم يتمكنوا من التوفيق بين كتاب الله المسطور وهو القرآن الكريم وبين كتاب الله المنظور الذي هو الواقع، إذ لا ينكر أي عاقل حدة الصراع القائم بين النص والواقع وبين النقل والعقل، وبين متطلبات الحياة المعاصرة والفتاوى والأحكام الفقهية القائمة في كتب التراث منذ مئات السنين. هذا الفشل الذي أدى إلى التخلف إنما هو دلالة واضحة عن عدم كفاءة رجال الدين بفهمهم التقليدي ورغبتهم في حصر الحياة كلها في ظروف القرن الثاث والرابع الهجري وتعطيل ملكات العقل والتفكير والحرية. كما أن الملاحظ لحال شباب اليوم ونفورهم من كل ما هو ديني لهو من أشد الأدلة على فشل المؤسسة الدينية على التقرب من الشباب وفهم مشاكلهم ومتطلباهم والإجابة على أسئلتهم بشكل عقلاني، بل كل همهم هو تقديم فتاوى جاهزة لا تسمن ولا تغنى من جوع ولا يلفى بها الشباب بالا في أحسن الأحوال.

إن الواقع قد انتصر على الفهم التقليدي، وحديث ولي العهد هو الدليل على ذلك، رغم أن هذا الانتصار جاء متأخرًا جدًا، ولو كان جاء قبل بعض قرون، لكنا في حال أفضل، لكن سذاجة المؤسسة الدينية وضيق أفقها حال دون ذلك للأسف. وهنا يجب تسريع وتيرة الإصلاح أكثر فأكثر، وذلك عبر فتح الباب للأفكار التنويرية وتفعيلها عبر المؤسسات الوطنية بدءًا بالتعليم حتى يُتمكن من إيصالها إلى أبسط فرد في المجتمع باعتباره يشكل الفاعل الحقيقي والكتلة الغالبة في المجتمع.

في نهاية المطاف، نخلص إلى أن الحرب هي حرب فكرية وحرب وعي بالدرجة الأولى، وأي فشل مجتمعي إنما ينم عن فشل فكري عقلي يقبع خلفه، كما أن أي انتصار حضاري ونهضوي يجب أن تسبقه رزانة في الفكر والفهم وعمق في العقل والتحليل وبعد نظر وفهم لقوانين التاريخ الإنساني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد