هل حدث من صديقك موقف غريب انفعلت منه، وحدثت نفسك كيف يفعل ذلك معك، وظننت كل الظنون به، وقررت أن تقطع علاقتكما؟

على الجانب الآخر، هل حاولت أن تهدأ قليلًا وتفكر أنه قد لا يقصد إيذاءك، وأن هناك ما يجعله ينفعل؟ وأن الأمر أبسط من أن تفقد صديقك، وأنه شخصيًّا لا يستحق منك ذلك؟

إذا حاولت أن تفعل ذلك، فأنت تتدرب على فن جميل من فنون التعامل، وأدب راقٍ، إنه التغافُل. فقد سئل أحمد بن حنبل: أين نجد العافية؟ فقال: تسعة أعشار العافية في التغافل عن الزلات، ثم قال: بل هي العافية كلها.

التغافـُل

هو تعمُد الغفلة، وتكلفها مع العلم والإدراك لما يُتغافل عنه، تكرمًا وترفعًا، وبدون تغيير الحقائق ولا تبديد الحقوق، ولا حط من الكرامة، أو إقرار مُنكر أو إنكار معروف، أو تأصيل لباطل.

والتَغافُل ليس بغفلة، أو غباء، أو جهل، وهو يختلف عن التجاهل الذي هو انتقام راقٍ، وصدقُة على فقراء الأدب، ولا يكون إلا مع من لا يعنينا أمره. أما التغافل فهو فن يحتاج لتدريب وحكمة، وصبر وذكاء، هو أدب تصله بإرادتك، وهو قمة العقل والمروءة.

والتغافل قد يكون:

  • من أجل راحة البال.
  • جلبًا لفائدة أهم.
  • ترفعًا عن سفاسف الأمور.
  • من أجل الحب (رصيدكم لدينا يسمح).

التغافل من أجل راحة البال:

إن الشقي من يقف عند كل كلمة ويرد على كل خطأ، ويحاسب على الصغيرة والكبيرة، فمن لم يُجِد التغافل هنا تنغصت عيشته. فالزوج والزوجة لو لم يتغافلا بينهما، ولايقفا على توافه الأمور؛ لتكدرت العيشة، ولربما حل الشقاق والنزاع. فتعلم أن تتغافل عما لايمكنك تغييره، ويمكنك احتماله، ومع ما لا يحدث إلا نادرًا، تعش بسلام.

وقد يكون التغافل عن أمور من أجل أمور أخرى أكثر أهمية؛ فعند محاسبتك لأولادك لا تقف على كل أمر، فهناك أمور أساسية يجب الوقوف معها، أما لو وقفت على الصغيرة والكبيرة لتساوت عندهم الأمور، وأصبح من الصعوبة بمكان تربيتهم وتوجيههم.

التغافل ترفعًا عن سفاسف الأمور (اختر معركتك choose your fighting ):

يتجاوز التغافل الصفح والعفو فيصل بنا إلى الإحسان، ترفعًا عن سفاسف الأمور، وتوفيرًا لطاقتك من أجل معارك أكثر أهمية.

قال يوسف الصديق لإخوته بعد ما رموه في البئر، وبيع كالرقيق، وفُتن، وسُجن، وذاق مرارة الظلم:

«قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» يوسف: 92.  لا لوم ولا عتاب، ولن أُذكركم بِفعلتِكُم، بل نسب ذلك إلى الشيطان: «وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» يوسف: 100.

أما أخوته فالعفو والصفح، وتجاوز ذلك إلى التغافل والإحسان بالدعاء لهم بالمغفرة. فقد انتقى يوسف، عليه السلام، معركته، وترفع عن السفاسف، وفاز براحة البال ونقاء النفس والسريرة وصفاء الروح. وتجاوز المصطفى، صلى الله عليه وسلم، الكثير من المعارك مع المشركين بالصفح والعفو والتغافل؛ فعندما كان يشتمه كفار قريش وينادونه مذمومًا قال: ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم: يشتمون مُذممًا ويلعنون مُذممًا وأنا محمد. هكذا ببساطة، وانتهى الأمر، إنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

التغافل من أجل الحُب (رصيدكم لدينا يسمح):

إن العاقل اللبيب هو من لا تتساوى عنده المواقف، وأصحابها، ولايقف أمام كل الأمور سواءً بسواء، ولا مع من يرجو مودتهم ويُحسن الظن بهم كغيرهم. ولطالما أوقفني حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن علي بن أبي طالب في حديث طويل: «… لعل الله اطلع على أهل بَدْرِ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكُمْ»، غفر الله لأهل بدر لمساندتهم لدينه وحبهم لله ولرسوله، في بداية الدعوة مع قلة الداعمين وكثرة المشركين، سابقوا بأرواحهم، فجزاهم ربهم حبًّا بحب وأعطاهم صك العفو الأبدي.

أن أولى الناس بالتغافل هم من نرجو مودتهم، ونحسن بهم الظن، من ساندونا وقدموا لنا المعروف؛ فلا يجوز أن يُمحى فضلهم بخطأ أو زلة غير مقصودة، بل نرتفع بالأمر فنقول ولو قصدوها وأقروا بها «فرصيدهم لدينا يسمح».

وفي الختام درب نفسك لتتغافل، إن لم يكن حبًّا أو ترفعًا عن السفاسف، فليكن من أجل راحة بالك وسعادتك وهدوءك النفسي، ووفر طاقتك من أجل أمور أكثر أهمية. تغافل؛ فالكل يخطئ، والله الكريم يرحم ويسامح، فأولى بك أن تسامح. تغافل، من أجل أن تترك ذكريات جميلة لمن تحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد