لا يخفى على ذي عقل أن دولة مثل اليمن تبدو مختلفة عن سائر الدول في العالم، الدولة التي تقطن آخر الهرم في العالم الثالث، المليئة بملايين الفقراء والعاطلين عن العمل والأميين والأطفال اليتامى، الدولة التي لم تعهد فترة استقرار إلا في التاريخ والأحلام.

مرت اليمن على محطات كثيرة غيرت مجرى الملايين من شعبها، فمنذ التسعينات وقبل الوحدة توالت الانقلابات والثورات فيها، وكذا بعد الوحدة حرب وثورة وانقلاب وحرب وما زالت في حرب إلى اللحظة.

وطوال هذا التسلسل الزمني كانت دماء اليمنيين هي النهر الذي يروي شغف تجار الحروب والفاسدين.

الآن تعيش اليمن -وإن كانت في الحقيقة لا تعيش- حربًا طاحنة مستمرة منذ أكثر من خمس سنوات، لم تهدأ للحظة واحدة ولا يمر يوم إلا ويتساقط فيه الضحايا وقودًا لهذه الحرب المستعرة، تزداد الحدة وبزيادتها تثخن الجراح وتتكاثر المآسي وتمتلئ المقابر وبطون الفاسدين وتجار الحروب أيضًا.

تحيط باليمن أكثر الدول استقرارًا اقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا، ولم تعرف هذه الدول الحروب إلا في نشرات الأخبار أو في اليمن البلد الجريح منذ الأزل، على عكس اليمن بالطبع. وهذا ما يطرح التساؤل المستمر والعجيب: لماذا اليمن لا تعرف السلام؟ المفارقة العجيبة هنا هي أن السلام مع اليمن يمشي بخط متواز، يبدو أنهما لا يلتقيان أو لن يلتقيان أيضًا!

العجيب في اليمن أيضًا أنها تمتلك حكومتان وعاصمتان ورئيسان وحتى حكومة أطفال وشباب وكلهم كالسراب. لا تواجد لهم على أرض الواقع ولا في مخيلة شعوبهم فهم يقطنون خارج اليمن، ويعتقدون أنهم يحكمون من هناك، باستثناء حكومة صنعاء فهي تحكم من الكهف.

يختلف الشعب اليمني عن كل الشعوب العربية المحيطة به، عادات وتقاليد وسلوك وحتى أهداف وأحلام فالتشابه الوحيد بينهم هي صفة الشعب فقط.، جل ما يسعى إليه اليمني في حياته هو العيش بأمان والحصول على عمل ليحقق رغبة ما تكون اعتيادية لدى الآخرين كالزواج مثلا والقليل فقط من يستطيع تحقيق هذا بالطبع!

يعاني اليمني من العديد من الأمراض المزمنة كالملاريا وحمض الضنك والإسهال والسكري والفشل الكلوي وغيرها الكثير التي لا تستطيع مناعته مقاومتها ولا خدمات الدولة الصحية مداواتها بالطبع، في حين أن مثل هذه الأمراض قد تم توفير علاج لها أو حتى رعاية صحية جيدة على الأقل في الدول الأخرى.

في الداخل يتنازع اليمنيون فيما بينهم على القرار والسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأرض، وفي الخارج لم يعد القرار محليًا ولا حتى إقليميًّا، فالأيادي عبثت بسيادة اليمن وانتهكت حرمة هذا البلد ولم تعد هناك سيادة.

الحرب والبطالة والأمية والفقر والخلاف السياسي والعقائدي والاجتماعي العميق جدًا والفساد والمحسوبية والوساطة والضعف والتشرذم والاقتتال الدائم، كل هذا والكثير تعيشه اليمن في بقعة مخفية من كوكب الأرض، مغيبة عن العالم الحقيقي وكأنها بالطبع لا تنتمي إليه.

ظهر مؤخرًا فيروس كورونا الذي اجتاح العالم بأسره متجاوزًا كل الموانع والحدود، ولم يراع أي دولة قوية كانت أم ضعيفة، فمحاولة جادة لاحتوائة أغلقت الدول أبوابها على نفسها واتخذت العديد من التدابير الاحتياطيه للحد منه رغم كل الامكانات الطبية المتوفرة لديها.

اليمن عاشت وتعيش إلى هذه اللحظة تجربة أخرى مع كورونا، فهو قد وصل إليها بحالة واحدة فقط والسبب بالطبع يعود إلى شللٍ في حركة الطيران التي تعاني منها منذ سنوات، وكأن هذا يعني أنها اتخذت الحجر الصحي منذ البداية. والحقيقة المؤلمة لو استشرى هذا الفيروس في جسدها هل سيكون بمقدرتها احتواؤه؟لا يوجد مستشفيات ولا خدمات طبيه فضلا عن تواجد الأجهزة والمستلزمات الضرورية لمثل كذا حالة، فالحالة ستغدو كارثية بكل المقاييس والمعايير الطبية -لا سمح الله-.

أخيرًا يتساءل اليمني حين يخرج يومًا ما إلى بلد آخر ويرى الحياة مزدهرة فيه ويلمس الاستقرار والسلام والأمان، وينظر إلى عجلة التطوير والإنتاج والتعليم والثقافة ويشعر بالسعادة لأول مرة:

هل يعيش اليمن على كوكب الأرض؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد