سيبدو السؤال ساذجًا للبعض، ومحسومًا للبعض الآخر، غير أن السؤال لا يريد منك الإجابة الأخيرة أيًّا ما تكن، وإنما يعنينا الخطوات والأصل الذي تقوم عليه إجابتك وتفكيرك.

يعنينا أيضًا أن تكون إجابتك هي التي ترسم لك الطريق، وتعينك على اتخاذ قرارك، فلا تتناقض مع ما تؤمن به كي لا تخدع نفسك وغيرك.

ربما يحتاج ذلك منك أن تستدعي معنى الانتماء «ذلك الشيء الذي تحسب نفسك عليه لتخدم قضيته*»، وتجعله حاضرًا في ذهنك وأنت تختبر نفسك وتعرف إلى أين تمضي بها.

دعني الآن أساعدك بسؤال آخر: ماذا يأتي أولًا منهما؟ أظنك بدأت تفهم مقصدي، نعم منذ تلك اللحظة الأولى التي بدأ فيها الخلق، خلق الله الخلق ولم يتركهم لشأنهم، بل أرسل إليهم عبر رسله دليلًا لمعاشهم، لماذا خلقهم، وماذا يريد منهم، وكيف يتعايشون بينهم على أفضل حال، إلى غير ذلك من وسائل إيضاح.

ذلك هو الدين إذن، هو النظام وهو الطريقة التي قررها الخالق لخلقه، وهي بطبيعة الحال ولكونه يعلم أسرار خلقه كانت الطريقة الوحيدة التي تبقى حياة هذا الإنسان على أفضل نحو ممكن.

نأتي للدولة الآن وكل ما يتعلق بها من قوانين والتزامات، لقد كان على هذا الإنسان أن يقيم دولته وينشأ قوانينه على هدى ذلك النظام الذي أنزله خالقه، ليكون دليله في خطواته كلها، فماذا حدث؟ لقد أهمل الإنسان ذلك الدليل ووضع التزامات وقوانين من عند نفسه ظنًّا أنه الأقدر على إصلاح حاله، وحال عالمه، وأن الطريقة التي أرسلت قديمًا قد مضى عليها دهر ولم  تعد تصلح، ثم راح يطلب ممن تسلط عليهم أن يخضعوا لنظامه ودينه، ويضع لك من العقوبات ما شاء إن خالفت عنه، بحجة أن دولتك ستنهار وينقض بناؤها لو لم تخضع بنظامها الكامل!

قد ترى هنا أنه لا تناقض بين الدولة، والدين، وتقول ما المشكلة أن أقيم ديني وأخضع لنظام دولتي؟ أقول لك نعم إذا كانت دولتك ترى الدين حاكمًا عليها، فلا تصدر قوانين أو تشريعات مخالفة له، وتبدع في نظمها ما شاء لها الإبداع تحت مظلته.

ولكن ما دام كلاهما لا يصدران عن مشرع واحد، فلا يستقيم هذا عقلًا ولا شرعًا، إذ إن أحد النظامين لا بد أن يهيمن على الآخر، فدين الخالق والآمر لم ينزل لإصلاح نفسك وكفى؛ بل نزل ليكون نظامًا كاملًا لحياة الخلق على الأرض، تنصلح به حال البشرية كلها وتخضع لها، وإن خالفه الأفراد! فإذا توفرت تلك الدولة التي ترضى أن تكون تشريعاتها وقوانينها ونظام معاشها مستمدًا أو متبعًا لمنهج الخالق، فقد يصح حينها ذلك القول، أما الآن فدولنا بعيدة عن ذلك كل البعد.

وقد تقول إنك لا تنتمي لنظام بعينه في دولتك، وأنك تنتمي للأرض التي أوجدك الله عليها فاتخذتها وطنًا، وصرفت ولاءك لها، فما يتقرر من مصلحة لهذه الأرض وذاك الوطن فأنت معه، ولو أدى ذلك لتخريب بلاد أخرى، أو إيذاء شعب آخر. أو أنك تنتمي لقوم هم من نشأت بينهم، وأخذت من عاداتهم وثقافتهم ونظام مجتمعهم، فما يقررونه هو ما تسير عليه، وما يرونه شاذًا وخارجًا فهو عندك كذلك. وفي كل تلك الحالات فالنتيجة واحدة، هو انتماؤك لشيء لا ثبات له، ولا ضمان لصحته؛ لأنه من تقرير ووضع بشر مثلك، قد يكون خيرًا لأنهم صالحون، وقد يفسدون أو يحكمهم من هو أقوى فيكون الأمر وفق الأهواء والمصالح التي يريدون تحقيقها.

أما الانتماء لقيم أصيلة ثابتة تتصف بالحكمة وبالعلم والشمول، فلن يكون إلا في قيم جاءت ممن هو حكيم وعليم، يعرف حاجات البشر ومطلع على خبايا نفوسهم.

وإن هذه القيم أو هذا النظام إذا عرفته حقًّا، واتبعته صدقًا؛ ستجد أنه يحثك تلقائيًّا على اتباع ما فيه الخير وما فيه صلاح دولتك وأمتك؛ بل والعالم كله والكون الذي تحيا فيه على اختلاف أجناسه وطوائفه.

يبدو السؤال وما يراد منه أكثر وضوحًا الآن، فهلا راجعته مع نفسك؟

—————–

* هكذا عرفه الشيخ الشعراوي في إحدى خواطره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

للدولة
عرض التعليقات
تحميل المزيد