على أعتاب الخمسين ربما شاميةٌ تحتفظ بعبق الشام في لهجتها وحرقتها على الشام، لكنها أوروبية الإقامة، تسأل أحد الحاضرين ببرود أوروبي يكسر حرارة حديث الجميع على الطعام في فندق في بلاد الضباب: هل تطبخ عن زوجتك؟

ولهول السؤال نظر المسؤول حوله لعل السؤال لغيره، ثم أفاق وتثبّت وإذ السؤال موجَّه إليه، ولأنه لم يستوعب السؤال، أو لم يخطر في باله أمرٌ كهذا أعاد السؤال نحوها: لم أفهم؛ هل تقصدين أن أدخل المطبخ وأصنع الطعام الذي نأكله في وجبة الغداء؟! قالت: نعم، هو كذلك؛ ألا تفعل هذا أنت عن زوجتك في بعض الأيام؟

فدارت الأرض بالرجل الشرقيّ المتخلِّف القادم من عصور الجاهلية؛ فعلًا كذا شعر بنفسه وهو يسمع من بعض الجالسين تأييد سؤالها؛ فهذا ماهرٌ في المحاشي، وذاك يصنع الكبّة ويقلي عن زوجته، والثالث لا يجد غضاضة من الطبخ ومساعدة الزوجة!

استجمعَ الشرقي المتخلِّف قُواه وأعاد النظر في الجميع، والسيدة السائلة ما زالت تلحّ عليه بالسؤال، وكأنها موكَّلة به تبتليه بالسؤال، حاولَ رجلٌ متغرِّب يحبّه أن يدافع عنه قليلًا فافترى على زوجته أنها لا تسمح له بذلك، وذاك الشرقي يسترجع ويحوقل ويبحث عن الأحرف التي ضاعت من فمه؛ فما عرف ما يقول، فلما وجدها والعيون تأكله، والأوروبية تنتظر اعترافه، قال بعد غيبوبةِ ذهولٍ: لا، لا أطبخ عنها لسببٍ صغيرٍ، وهو أنني لا أعرف، ولا فكّرت أن أعرف كيف أغلي الشاي وحدي، فكان استغرابها من جوابه كاستغرابه من سؤالها: معقول! فقال بنحو حدّتها: نعم معقول، أنا لا أطبخ عن زوجتي، ولست بنادمٍ على ذلك، ولا أختلف معها على هذا الأمر، ولا هي طلبتْه مني، ولا أنا فعلتُه يومًا. ولما كان هذا الصدود من الشرقي المتخلّف جاءت المزايدات: ألا ترحـمُها؟ ألا تطبخ عنها إن هي مرضت أو تعبت؟ كيف لا تأخذك الشفقة عليها وهي زوجتك وأم أولادك؟ فأجاب وقد شعر بارتياح أكثر: بلى، أشفق عليها وأرحمها، لكن لا أطبخ عنها، بل أُعفيها من الطبخ إن تعبتْ وأحوطها بأهدابي؛ وأنَّى لكم هذا الإلزام أنني إن كنت أحبّها وأشفق عليها فأطبخ عنها! فعادوا – وكلهم معها إلا هو – لضرورة الطبخ عن الزوجة، وإلا فمساعدتها في الطبخ؛ وذلك أضعف الحب والرحمة، وليس وراء ذلك حبٌّ ولا رحمةٌ ولا حياةٌ زوجيةٌ سليمةٌ، فأنهى النقاش بكلمة يسيرة: أليس المهم أن أكون سعيدًا مع زوجتي؟ قالت: بلى؛ قال: فالحمد لله أنني من أسعد الأزواج، ولكنني لا أطبخ عنها.

صحيح أن الموقف مرّ والحوار انتهى، لكن السؤال ما زال يتردد في ذهنه، ويتكلم فيه حيثما جلس على أنه من أغرب ما مرّ به من أسئلة ومواقف، وما جعله كذلك أن السيدة ذاتها ذكرت في مجلسٍ كانوا فيه أن نسبة طلاق الأزواج السوريين من اللاجئين الجدد في إحدى الدول الأوروبية التي تقيم فيها حسب الإحصاءات الحكومية هناك: 60%!

ليست تجربة اللجوء السورية أولى التجارب، لكنها في القريب نعم، ولها ما يعطيها خصوصية كبيرة، فالانتقال بعيد، لست أعني البعد بالكيلومترات وإن كان، بل بالبيئة والحضارة والثقافة.

وهنا تكمن الخطورة، فماذا سيبقى للسوريين من (سوريتهم) في أوروبا، إن كانت اللغة تبدلت، والروابط الاجتماعية انهارت أو تزعزعت، والدِّين إن سلم في الآباء والأمهات، وعند المحافظين جدًا في الأبناء، فهو غير مضمون فيمَن بعد! ماذا سيبقى من هوية السوري في أوروبا إن كنا وبعد سُنيات على لجوء الكثيرين صار يتناهى إلى مسامعنا أنين آباء شبّ أبناؤهم عن الطوق في العلاقات والصداقات و… وبكاء آخرين ما نسيت لهم زوجاتهم صنيعهم سابقًا فألقت مع عصا الترحال لباسَ الطاعة، وربما ألقت به في السجن بتهمة أو من غير تهمة، ومن يحاول جاهدًا أن يعود مهما كلّفته العودة ليدرك ما بقي في أولاده، وقصص تبكي الحجر سواها!

فالرجل الشرقي ما زال سؤال السيدة الشامية الأوروبية يدور في رأسه مع هذا كله، ويتساءل: أهذا بعض ما صارت عليه نساؤنا بعد اللجوء؟

أعرف أن عندنا في سوريا من قبل الثورة مئات من (أبو بدر)، وأن الطبخ ليس وليد اللجوء، وأن الكثيرين يحبّون أن يطبخوا عن زوجاتهم عن كيفٍ لهم في ذلك، لكن ما ليس عاديًا أن يصير حقًا للمرأة تحاسب الرجل الذي لا يفعله، ليُنبذ مَن لا يفعله بالجافي الذي لا يرحم!

لن يقف الأمر عند طبخ الرجل عن المرأة، ولا عند لباس المرأة ما تهوى، ولا عند محدودية سلطة الأب على الأبناء، ولا عند انعدام سيطرة الأهل على البنت في علاقاتها وحركتها، فكل هذه أمثلة للأصل الذي هو انتقال ناس من بيئة إلى أخرى، وتغيُّر ثقافتهم مع لغتهم، دون الدخول في الدِّين والتنازلات فيه، ودون الدخول فيما اضطر الناس للجوء؛ فالحرب فعلًا طاحنة وطالت على الناس، وبعض الناس – وليس الجميع – لجؤوا إلى أوروبا أو غيرها مضطرين، والله تعالى قال: (بل الإنسان على نفسه بصيرة)، فلا يسلّ أحدٌ حججه في الرد عليّ، بل يكفيه أن يحضّر جوابًا يخاطب به ربَّه جلّ في علاه؛ فهو أعلم بالسرائر ولا يخفاه شيء ولا يخدعه أحد بمنطق أو حُجّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد