لا يمكن لغزة أن تكون دولة لوحدها، ولا حتى أن تكون جزءًا من دولة أخرى؛ فهي ـ وعلى خلاف أية بقعة جغرافية حول العالم ـ كان يفترض أن تتمتع بمقومات الدولة الحديثة وأركانها، وأن تشهد مؤسساتها الأكاديمية والأدبية والإعلامية شحذًا مشتركًا وإنشدادًا حقيقيًا نحو انتماء واحد، ألا وهو الوطن، فإن غزة ـ على صغرها ـ تنفرد بمجموعة من الدول التي تتمركز فيها، فلكل تنظيم فلسطيني دولة بمعنى دولة، مكونة من جامعة ومؤسسات ثقافية وإذاعات محلية، وصحف وفضائيات، وجيش شبه نظامي، ولكل تنظيم موظفوه الذين يتقاضون رواتبهم منه، وبالتالي فإنهم يفضلون ولاءهم لحزبهم، وفصيلهم على ولائهم لدولتهم في حال تعارضا، ولا يكون النداء باسم الوطن، ولا الهتاف باسم القضية إلا دعاية، لا تخفى على لبيبٍ، تصب في رصيد الحزب أو الفصيل، بل إن لكل تنظيم أيديولوجيا، إما دينية أو فكرية تحول دون وضع المعيار الوطني القومي أولوية أولى.

في الإطار الأكاديمي

تتنافس «الجامعة الإسلامية» التابعة لدولة «تنظيم حماس» مع نظيرتها «جامعة الأزهر» التابعة لدولة «تنظيم فتح»، وليته تنافسًا علميًا بحثيًا أكاديميًا، بل تنافس صبياني على معدلات القبول في الكليات، ومفاتيح الانتساب ورسوم الساعات، وهو الأمر الذي اضطر دولة «الجهاد الإسلامي» إلى افتتاح جامعتها الخاصة بها هي الأخرى، «جامعة الإسراء».

وبالمثل فإن «رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين» التابعة لدولة «حماس» تدعي، وعبر النرجسية، التي يحملها اسمها، تمثيل الكل الأدبي الفلسطيني، في مواجهة «الاتحاد العام للمراكز الفلسطينية» التابع لدولة «فتح»، والذي لا يقل اسمه صفاقة في ادعاء شمولية من يمثلهم، الأمر الذي كلف دولة الجهاد الإسلامي لافتتاح مركزها الخاص هي الأخرى «مركز رواسي فلسطين الفني الأدبي».

حتى الأسرى وقضاياهم النبيلة، لم تسلم من أن تصبح بوابة لدعايا حزبية ضيقة تتخذها تلك الفصائل؛ تقربًا لشعب ضاق بهم ذرعًا، فمقابل جمعية «واعد» للأسرى والمحررين التابعة لدولة حماس، تنشط جمعية «حسام» للأسرى والمحررين التابعة لدولة فتح، وفي كل زيارة لبيت أسير يتحول البيت لما يشبه الكوخ الانتخابي، ترافق صور الأسير غصبًا صور الزعامات الحزبية، التي يرفقها كل فصيل مع جمعيته، والحال مشابه مع بيوت العزاء، والتي تتحول لمكتب انتخابي، حين تترافق منشورات التعزية مع ألوان وشعارات الفصائل «الدول» التي نتحدث عنها.

وهذا ملخص للمؤسسات التي تشكل جسد كل دولة/فصيل:

دولة حماس:

المؤسسات الأكاديمية: الجامعة الإسلامية، وجامعة الأمة، والكلية الجامعية للعلوم التطبيقية.

المؤسسات الأدبية: رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين، ومؤسسة إبداع للثقافة والفنون، وغيرها.

الإذاعات والفضائيات: إذاعة صوت الأقصى، وراديو الأقصى، وصحيفتا الرسالة وفلسطين.

المؤسسات التي تبدو رياضية أو أهلية: نادي الصداقة الرياضي، جمعية واعد للأسرى والمحررين، بالإضافة إلى مئات غيره من المساجد التي تشهد نشاطات شبابية وأدبية مختلفة، وكذلك العشرات من المؤسسات الخيرية والإغاثية، والتي لها فقراءها المحددين.

ولا ننسى الجيش النظامي: كتائب القسام.

دولة فتح:

الكليات الأكاديمية: جامعة الأزهر، والمعهد الأزهري.

المؤسسات الثقافية: الاتحاد العام للمراكز الثقافية، وعشرات المؤسسات الأدبية، كمثل تامر، وإنقاذ المستقبل، وغيرها

الإذاعات والفضائيات: صحيفة الأيام والقدس وغيرها.

المؤسسات التي تبدو ثقافية أو أهلية: اتحاد المراكز الثقافية الفلسطينية، اتحاد المرأة الفلسطينية، جمعية حسام للأسرى والمحررين، بالإضافة لعشرات المؤسسات الخيرية والإغاثية التي تعمل كنظيرتها حماس بغطاء إغاثي حزبي دعائي.

دولة الجهاد الإسلامي:

المؤسسات الأكاديمية: جامعة الإسراء

المؤسسات الثقافية: مركز رواسي فلسطين

المؤسسات الإعلامية: راديو القدس، وفضائية فلسطين الآن، وصحيفة الاستقلال، والعديد من المؤسسات الإغاثية، والتي تنشط ضمن خطوط محددة ولأهداف حزبية محددة.

الجيش شبه النظامي: سرايا القدس، دولة اليسار الفلسطيني

المؤسسات الأكاديمية: تحاول أن تنشط في جامعة فلسطين والأزهر عبر ممثلها الطلابي (الإطار الطلابي التقدمي).

الإذاعات والصحف المحلية: إذاعة وراديو الشعب، ومرئية الوطن والفلسطينية، وغيرها

المؤسسات الثقافية والأدبية: تتشاطر مع فتح النشاط في مؤسسة «فاتن وتامر» ومركز «مسارات» ومؤسسة «إنقاذ المستقبل الشبابي»، وغيرها عشرات من مؤسسات الـ NGOS التي تتلقى تمويلها من الدول الغربية كافة، والتي يتوافق عددها ويتعاكس نشاطها والقيم التي تدعو لها، مع عدد المساجد التي تسيطر عليها حماس، وطبيعة النشاط الذي تمارسه.

الجناح المسلح: كتائب أبو علي مصطفى

المضحك المبكي في هذه المهزلة، أن المؤسسات الأكاديمية لتلك الأحزاب تشهد انتخابات طلابية بين كل عامين، لا يفوز فيها إلا الإطار الطلابي للحزب الذي أسس الجامعة، سبحان الله! فعلى مدار ثلاثين عامًا لم يفز برئاسة مجلس طلاب الجامعة الإسلامية سوى الكتلة الإسلامية، الإطار الطلابي لحماس، وفي الأزهر لم تفز إلا الشبيبة الفتحاوية، وفي جامعة الإسراء لن تفوز سوى الرابطة الإسلامية، الإطار الطلابي للجهاد الإسلامي، هذا إن عقدت انتخابات أصلًا!

طبعا لن أتحدث عن المؤسسات الدولية كـ«اليونيسيف» والـ« UNDP»، وغيرها؛ فهذه إمبراطوريات لا يتسع لها مقالي، لا عن طبيعة دورها، ولا عن طبيعة تأثير قراراتها، ونفوذها في هذا القطاع التائه.

السؤال الذي يطرح نفسه: أين هي مؤسسات الدولة؟ أين هي المراكز الثقافية والهيئات الأكاديمية التي تمثل الدولة مجردة عن أي حزب أو فصيل؟ وإن لم نكن دولة حقيقة فلسطينية، فأين هي الكيانات والهيئات التي تمثل هذا الاسم «فلسطين»؟ ولا تستخدمه على نحو ساخر أرعن لهدف دعائي حزبي رخيص؟

كان من الممكن أن تجسد تلك البنيويات المختلفة ركائز حقيقية لدعائم ديمقراطية جيدة، على خطى «الترويكا» التونسية التي تشكلت من عدة أحزاب، ما بين إسلامية ويسارية وعلمانية، أو سيرًا على القاعدة التنموية التي أرساها مهندس النهضة في ماليزيا «نقبل بتعدد الآراء، لكننا لا نقبل بتعدد الأجندات». في غزة الوضع معاكس «عشرات الأجندات والملفات والممولين الخارجيين الذين لا تتوحد بوصلة استهدافهم، إلا باتجاه قطاع غزة، فتركيا وتونس وقطر لحماس، وإيران للجهاد، والدول الغربية لفتح واليسار»، ولكل ممول أجنداته وأهدافه، وأحجار الشطرنج التي يحركها تبعًا لمصالحه.

طبعًا الحديث عن دولة فتح في الضفة لا يختلف كثيرًا؛ فهنالك تعشش واحدة من أهم إمبراطوريات التفرد بالقرار، ولأجل ما سبق يغدو أي حراك لإنهاء الانقسام على أرض أي من الدولتين «غزة أو الضفة» مثار شكٍ من قبل الدولة أي «التنظيم» المسيطر، ويغدو هذا الحراك في نظره بوابة لقلب موازينه بما يحقق مصالح الدولة الأخرى «التنظيم الآخر»، وبالتالي محل توقيف ومساءلة من قبل الأجهزة الأمنية التابعة له، وهكذا شيئًا فشيئًا تتحلل روابط المواطنة والانتماء إلى فلسطين الدولة والوطن، ولا علينا أن نفجع غدًا بأجيال، إما تائهة بين هويات الأحزاب ومؤسساتها وأفكارها، أو متمردة على كل شيء، كافرة بالقيم والنبل، الذي ينسحق تدريجيًا تحت «أساطير» أرباب الفصائل ومنظريها، وتلك نتيجة طبيعية للصراخ الهزلي الدعائي، والمبتذل باسم القدس وفلسطين، والذي لا يمثل، إلا ترجمة حرفية للشعار المؤسف على نحو رخيص «نحن نحب الوطن، ونحب أن نخدمه، شرط أن يكون عبر بوابة الحزب الذي ننتمي إليه»، لا ملاذ إذن من خروج جيل ليس لديه أدنى انتماء لعلمه وأرضه وسمائه، ولا يفكر لا بتضحية ولا ببذل أي مجهود؛ لأنها ستصب حتما في رصيدٍ حزبي أو مؤسساتي أرعن، وبالتالي فلا شيء يستحق التفكير في وجدانه، إلا الهجرة أو الوظيفة عبر بوابة حزبه؛ ليغدو بعدها أداة تفريق، وتوريث لمن سبقه، وهلمّ جرا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

قطاع غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد