“المستبدون يحكمهم مستبد والأحرار يحكمهم أحرار” قالها الكواكبي، ويبدو أن مقولته تلك ما زالت تملك قدرًا من الصحة لا بأس بها.

إذا كان أي ديكتاتور يتطلب أن يتصف بخصائص محددة ويعتمد استراتيجيات معينة لممارسة ديكتاتوريته على شعبه، فإنه أيضًا ليس كل شعب قابل للاستعباد، بل هناك مجموعة من المحددات النفسية والاجتماعية والثقافية، التي تجعل أي شعب، إذا ما توافرت فيه، يقبل الاستبداد عن طيب خاطر إن لم يبجله.

وطالما يتصف مجتمع ما بهذه الخصائص فإنه سيصنع طاغيته مهما تغيرت الظروف، ولن يعاني أبدًا من افتقاد شخصية الديكتاتور!

1- الاستخفاف بقيمة الحرية:

“لو أمطرت السماء حرية لرأيت بعض العبيد يحملون مظلات”. أفلاطون

 

ضعف تقدير قيمة الحرية هي أهم الصفات التي تطبع الشعوب الرازحة تحت أتون الاستبداد، فمثل تلك المجتمعات تعد نفسها غير محتاجة لتلك القيمة ولا يؤمن أغلب أفراد هذه المجتمعات بجدوانيتها في حياتهم، طالما يمكن للديكتاتور أن يوفر لهم بعض الغذاء وقليلًا من الأمن، مما يجعلها غير مبالية بحقوقها المعنوية وحرياتها المنتهكة من طرف الديكتاتور.

وليس غريبًا أن نجد المجتمعات التي تحكمها ديكتاتوريات، تعاني نقصًا شديدًا في الإبداع والابتكار الذي لا يتربى إلا في مناخ قيمة الحرية، وبالمقابل نجدها ملتصقة بالتقليد وكل ما هو مشترك وجاهز وإن كان لكل مجتمع قدر من الثقافة المشتركة.

وقد كان مبدأ “الحرية” الأساس الذي بنيت عليه الحضارة الأوروبية، إذ كان شعار نهضة عصر الأنوار، وأولوية قصوى للمجتمعات الأوروبية في تلك الفترة، حيث أخذ العديد من المفكرين والفلاسفة والفنانين من أمثال فيكتور هيغو وجون جاك روسو وبيكاسو وغيرهم، يكرسون حياتهم من أجل إنجاز إبداعات تجسد قيمة الحرية وتحتفل بها.

ورغم أنه من طبع المستبدين ضرب حريات الآخرين المحكومين عرض الحائط، فإن المحكومين أنفسهم يساعدونه في فعل ذلك إذا لم يقدروا قيمة حريتهم في اختيار ما يريدون وما لا يريدون دون إكراه أو عنف.

2- الجهل يولد الاستبداد:

لا شك أن اتساع الأمية في رقعة المجتمع، من شأنه أن يسهل وجود ديكتاتوريات تستغبي شعوبها الجاهلة وتصادر حقوقها باسم الدين أو أيديولوجيات معينة، ومن ثمة يجد الطغاة في المجتمعات الجاهلة بيئة مناسبة للممارسة استبدادهم.

والحق يقال إن هناك مجتمعات كانت متعلمة وعرفت تجارب ديكتاتورية رغم ذلك مثل اليونان وإسبانيا، غير أن ارتفاع نسبة التعليم في المجتمع، ولا سيما إذا كان محتواه جيدًا، يعتبر تحديًا أمام الديكتاتوريات يستوجب تطويرها آليات أكثر براعة للسيطرة على شعوبها وضمان استمرار استبدادهم.

وتعد معارف بعينها عدوة للاستبداد من طبيعتها، وهي تلك التي تدخل في العلوم الإنسانية مثل الفلسفة والقانون والسياسة، لذلك تحرص الديكتاتوريات على تهميشها ومنع انتشارها لدى الجمهور.

3- غياب ثقافة النقد والمساءلة:

“إنَّ الحكومة من أيّ نوع كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد؛ ما لم تكن تحت المراقبة الشَّديدة والاحتساب الّذي لا تسامح فيه”. الكواكبي
طاغوت1

طبعًا الأنظمة الاستبدادية هي أنظمة شمولية ولا تترك أي مجال لمساءلتها، فعادة ما يضع الديكتاتوريون أنفسهم فوق المساءلة والقانون، ويحيطون بهم هالة من القداسة، غير أن المجتمع الذي لا يؤمن بجدوى ثقافة النقد والمساءلة في أبسط أموره المعيشية فإنه حتمًا لن يقدم على أي مجهود أو عناء من أجل مساءلة حاكمه، فبالأحرى يجب بناء آليات (إعلام حر، وقضاء نزيه، وبرلمان فعال) للقيام بذلك.

 

تشترك الشعوب التي ترزح تحت نير الاستبداد في إصرارها على التشابه والتجانس وعدم الاختلاف، وكذا القبول بالجاهز والأمر الواقع، الشيء الذي يجعلها غير مهتمة بالتغيير وتجاوز الواقع الحاضر.

 

وما يلاحظ في أنظمة التعليم لدى الدول الاستبدادية هي أنها تغيب التفكير النقدي في مناهج تلك النظم، الشيء الذي يؤدي إلى تخريج أفواج من “المتعلمين” دون امتلاكهم ملكة النقد والقدرة على رصد أماكن الخلل بشجاعة.

وكما أن أفراد الشعوب المستعبدة لا تنتقد ولا تؤمن بثقافة المساءلة فإنها لا تقبل النقد فيما بينها، وتعتبر ذلك خطأ يخالف الآداب، مما يدخل المجتمع بأكمله في ما يشبه نرجسية جماعية تدعي الكمال والملائكية، وهو ما يجعلها عصية على التغيير.

يمكنك أن تقرأ: (كيف ترسخ النظم القمعية أفكارها؟.. الأساطير السبعة المؤسسة لدولة القمع)

 

4- ضعف فضيلة الإيثار:

تعاني الشعوب التي يحكمها طغاة نقصًا حادًا في فضيلة الإيثار، بما تعنيه من تقاسم الحقوق والواجبات بشكل منصف بين مختلف الأفراد بغض النظر عن معتقداتهم وأنسابهم وتوجهاتهم، وبالمقابل نجد أفراد هذه المجتمعات حريصين على مصالح الجماعة (سواء كانت قبلية أو عقدية أو أيديولوجية) التي ينتمون إليها، ونبذ الآخرين الخارجين عن الجماعة وإنكار حقوقهم.

وتجدر الإشارة إلى أن الدول الاستبدادية أكثر عرضة من غيرها للحروب الأهلية، نظرًا لعدم إيمان مجتمعات تلك الدول بالمصلحة الجماعية العامة والإنسانية ككل، بدل الحرص على مصلحة الجماعة والحزب والقبيلة.

وتلعب هذه السمة دورًا كبيرًا في تسهيل عمل الديكتاتور وتشكيل المناخ المناسب للممارسة طغيانه، حيث يعمل بالمبدأ المكيافيلي “فرق تسد”.

6- عشق شخصية الطاغية:

طاغوت2

تجد بعض الشعوب في شخصية الطاغية مصدر فخر واعتزاز، إذ تنبهر بالقوة والجبروت والتسلط الذي يتبختر به الديكتاتور، لذلك لا عجب أن هناك فئة عريضة تساند وتناصر الطواغيت ولو بعد مماتهم، بدءًا من صدام حسين وجمال عبد الناصر.

ويحرص الطغاة دومًا على أن يحاطوا بأمثال هؤلاء في مسيرهم وتجوالهم حتى يبدون محبوبين لدى الناس.

يقول الكواكبي في هذا الشأن: “العوام هم قوت المستبد وقوته، بهم عليهم يصول وبهم على غيرهم يطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، وينصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه إنه كريم، وإذا قتل ولم يمثل يعتبرونه رحيمًا، ويسوقه إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب، وإن نقم عليهم منهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة”.

يمكنك أن تقرأ: (وطنيون “عظماء” لكنْ “ديكتاتوريون”)

 

7- الرهبة من الحاكم:

“الخوف يجعل الناس أكثر حذرًا، وأكثر طاعة، وأكثر عبودية”. سقراط

طاغوت3

لعل أشهر وأنجع آلية يحكم بها الطغاة هي زرع الخوف في نفوس شعوبهم سواء كان ذلك بالتنكيل ببعضهم أو خلق الأساطير الوهمية، أو التهديد بالأخطار الخارجية، حتى يبدو الزعيم أنه “الإله” مصدر الخير والشر.

ورغم أن الخوف غريزة طبيعية تساعد الإنسان على البقاء والتعامل مع الأخطار التي تهدد حياته، إلا أن الشعوب المستعبدة يسيطر عليها نوع من الخوف بعينه يتجذر في نفوسها، وهو الرهبة من الحاكم، وقد يكون هذا الأمر مرتبطًا بأسباب عميقة، منها ما هو ديني (من عصى الخليفة فقد عصى الله)، وما هو تاريخي (تعاقب دكتاتوريات عديدة على حكم مجتمع معين) أو عوامل أخرى لا نعلمها بالتحديد.

يعي الطاغية جيدًا أنه لا يسيطر على شعبه إلا لأن الخوف يتملكه، لذلك فهو يحرص أشد الحرص كي يحافظ على خوف محكوميه منه بكل الوسائل، فسمعته إن سقطت أرضًا يعني سقوطه.

يمكنك أن تقرأ: (الاستراتيجيات العشرة لصناعة الخوف)

 

8- انتشار ثقافة الديكتاتورية في المجتمع:

يرى البعض أن الدول الدكتاتورية ماهي إلا دكتاتوري كبير يحكم دكتاتوريين صغار، وعلى الرغم من عدم التأكد من العلاقة الارتباطية بين الاثنين، إلا أن تقارير المنظمات الحقوقية تظهر بشكل واضح أن الدول الاستبدادية تعرف انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان بشكل عام، حيث الطاغية ومجتمعه سواء في ذلك، رغم صعوبة تحديد المسؤول الأول.

ولا شك أن المجتمع الذي تسود فيه ثقافة الديمقراطية بما تشمله من قيم مثل المساواة وقبول الآخر والنزاهة في حياة أفراده اليومية، من شأن ذلك أن يفرز – على الأغلب- نظام حكم ديمقراطي.
طاغو4
اتجاهات الرأي العام العربي تجاه أنظمة الحكم

 

ومن النتائج التي تثير دهشة المراقبين، هي ما ورد في تقرير المؤشر العربي لسنة 2014، حيث أظهر أن ما نسبته 43% من شعوب الدول العربية، يعتبرون أن مجتمعاتهم “غير مهيئة للنظام الديمقراطي”، بل عبرت نسبة لا بأس بها من مواطني الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي عن اشمئزازهم من النظام الديمقراطي.

اقرأ أيضًا: (دليل الديكتاتور المبتدئ.. كيف تصبح ديكتاتورًا في 10 خطوات؟)

 

9- الخوف من تحمل المسؤولية:

“الحرية هي الرغبة بأن نكون مسؤولين عن أنفسنا”. أبرهام لنكولن

دائمًا ما يخاف أفراد المجتمعات الدكتاتورية تحمل مسؤولية حياتهم، واختيار قراراتهم بأنفسهم، من أجل ذلك يفضلون تصدير مسؤولياتهم واختياراتهم للدكتاتوري الكبير للقيام بذلك بدلًا عن أنفسهم.

يستمد الطاغية جبروته من سكوت الناس الذين يتواكل بعضهم على بعض، حيث يرفض كل فرد تحمل مسؤولية إصلاح البلاد، الشيء الذي يجعل كل واحد منهم منشغلًا بأموره المعيشية مكونًا خبرة لا بأس بها في التعايش مع الاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد