في حواري مع أحد الشباب “الملتزم” عن عنوان المقال وجدت لغطًا شديدًا في الفهم الشرعي للموضوع، وخلطًا كبيرًا بينه وبين العادات والتقاليد الموروثة من المجتمع، كما أن ميزان القوى بينهما مختل لدرجة أنه يُقدم العرف الخاطئ على الشرع. ورغم أنه حامل لكتاب الله ويُعلمه، إلا أنه متحامل على المرأة المُدخنة ويصب عليها جام غضبه وحنقه.

 

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية يُعد التبغ وباءً قاتلًا، ويتجاوز عدد قتلى وباء التبغ ستة ملايين نسمة كل عام وأكثر من 600000 نسمة من غير المدخنين، وتجاوز عدد المدخنين عالميًّا المليار نسمة، ثمانون بالمائة منهم بالدول الفقيرة والنامية.

 

فماذا سنفعل بكل هؤلاء؟!

 

هل سنلفظهم مجتمعيًّا ونتركهم ولا نأخذ بأيديهم للحفاظ عليهم وعلى حياتهم؟

 

وتأتي سوريا ولبنان في صدارة الدول العربية الأعلى تدخينًا بين الذكور والإناث على السواء. وتأتي هاتان الدولتان في المركزين الخامس والسادس عالميًّا ضمن أكثر الدول تدخينًا بين الذكور بعد أفغانستان التي تأتي في المرتبة الأولى عالميًّا.

 

ويحتل نساء لبنان المركز الأول عالميًّا – كما يذكر موقع بالعربي نت- ضمن أكثر الدول تدخينًا بين النساء، وتأتي نساء سوريا خلف لبنان ضمن أكثر الدول العربية تدخينًا بين النساء.

 

والتدخين ظاهرة قديمة وجدتها في بيئتي أمرًا عاديًّا بالنسبة للرجل، فالرجال كثير منهم يُدخن السجائر”اللف” أو “الشيشة” أو “لف الحشيش” أو “البانجو” وغيره، إلا أن السيدات وخاصة المتزوجات كبار السن وجدتهن يُدخن أيضًا “الشيشة” بعد انتهاء الرجل من “حجر الشيشة” الخاص به، أو أثناء تجمعهن في بيت من بيوت إحداهن ليتسامرن، أو أمام الفرن “البلدي” الذي يخبزن فيه خبز القمح أو الذره أو ما نسميه في الريف بـ”العيش البتاو”، لكن كل هذا كان يتم في سرية وخفاء عن أمر العامة والأطفال.

 

وكان من الطبيعى أن يستغل رب البيت ذلك الأمر، ليشرب مع زوجته السجائر أو “الشيشة” في ساعة رضا وصفاء منهما، بل وصلت أن يضع لها “الحشيش” في “حجر الشيشة” ليُذهب عقلها كما يُريد، ليقضى منها ما يشاء من رغبته وهي راضية منتشية سعيدة.

 

أما أثناء دراستي في جامعة القاهرة فكان أمر المرأة المُدخنة أمرًا عاديًّا ومستساغًا في المجتمع الجامعي، وخاصة بين الشباب والفتيات في المقاهي و”الكافيهات”، إلا أن الأمر مقتصر على الأصحاب، وتجتهد الفتاة في أن تُخفي ذلك عمن هم خارج الصحبة والصداقة أو كما نقول “الشلة”.

 

إلا أن أثناء إجازتي الصيفية هذا العام بالإسكندرية وجدت الأمر قد تطور بصورة رهيبة فأصبح وجود المرأة المُدخنة في الشارع أمرًا عاديًّا ومشهودًا، والأماكن العامة وخاصة في “الكافيهات” التي تملأ شارع الكورنيش والمطلة على البحر، حتى أن شاطئ البحر لم يسلم من ذلك الأمر.

 

والأمر هنا لا يقتصر على شريحة مُعينة بل كل الشرائح والفئات العُمرية.

 

وفي الطبيعة الريفية والقبلية والنشأة الصعيدية قد يظهر الأمر مستقبحًا ومرفوضًا، كيف للمرأة أن تُدخن أمام الناس؟!

 

لكن هذا ليس منشأه إلا ذكورية صعيدية أو ريفية قبلية، مبنية على “الأشناب” الهشة والزائفة، والتي تفرح وترضى لنفسها الخطأ، ولا ترضاه للمرأة على اعتبارات ذكورية فقط -عند البعض- دون وعي ديني أو ثقافي، ليس إلا بسبب أنها امرأة، وتراه يفعل كل ما يُغضب ربه وأهله ومجتمعه وعند المرأة لا يلوك في لسانه إلا علكة “هذا عيب” “ميصحش” “أنتِ بنت” “أنتِ عايزة تفضحينا”!

 

وبعيدًا عن الرأي القائل: “إذا كان حلالًا فلهذا نشربه، وإذا كان حرامًا فهكذا نحرقه!”، فالتدخين أضراره مُحققة، فحرمة التدخين معلومة للجميع.

 

ومع الأخذ في الاعتبار حرمة التدخين وعدم جوازه للرجل والمرأة على السواء وذلك لأضراره الجسيمة على الصحة العامة للإنسان، لكن أليس التدخين ذنب كباقي الذنوب والتي قد يكون لها من الأضرار على الفرد بل والمجتمع ما هو أكثر من أضرار التدخين؟!

 

أليس هي معصية كباقي المعاصي، بل قد تكون خطورتها أقل من معاصٍ وأخطاء أخرى كثيرة؟!

 

أليست الحياة للمرأة – وكذلك الرجل- اختبارًا وامتحانًا نتيجته في الآخرة مثلًا من مائة درجة، فللصلاة درجة، وللصوم درجة، وللحجاب درجة، وللأخلاق والمعاملات درجة، ومجموع العبادات والطاعات هذه من مائة، فإن رسبت أو قصرت في جانب من الجوانب، فيجبر كسرها ويرفع درجتها جانب آخر حتى تمر بسلام إلى رضا من الله وفوز كبير.

 

أيهما أرجى المرأة التي لا تصلى ولا تصوم أم المرأة التي تصلي وتصوم ولكنها مُدخنة؟!

 

وأيهما أرجى المحجبة المُدخنة أم المرأة التي لا ترتدي الحجاب ولكنها لا تُدخن؟!

 

وأيهما أرجى المرأة المُدخنة أم المرأة السيساوية؟!

 

أيهما أشد خطرًا على مستوى الفرد والمجتمع، بل والأمة كلها ثقافيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا، فالمرأة السيساوية والتي ترضى بالدماء والأشلاء والانتهاكات، وترقص فرحة أمام اللجان الانتخابية، ويغازلها السيسي وتغازله، وهي حُبلى بنجمه والذي ترى فيه البطل المنقذ!

 

وقد أثار هاشتاج “هل تتزوج مُدخنة؟”على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” تباينًا كبيرًا في آراء الشباب العربي ما بين مؤيد للزواج من مُدخنة وبين رافض لها على النحو التالي:

 

  • سخرية البعض من الهاشتاج ومن كاتبه، حتى وصل بأحدهم أن يسخر من كتابة الهاشتاج بطريقة خاطئة.

 

  • وأبدى بعض الشباب رفضه وامتعاضه من الزواج من مُدخنة وكانت الأسباب تتراوح بين أسباب شرعية وأسباب اجتماعية وأسباب صحية.

 

  • كما أبدى بعض الشباب موافقته على الزواج من امرأة مُدخنة، ومنهم من اشترط أن لا تُدخن مع أحد غيره، وأن تُقلع عن التدخين في فترة الحمل وبعدها.

 

  • لكن كان للمرأة رأي يتأرجح بين الانتصار لأنوثتها وابنة جنسها والدفاع عنها كامرأة والموافقة على الفكرة من منطلق مقارنتها بالرجل، وبين رفضها من منطلق ذات الأسباب السابقة.

 

وللبيئة تأثير كبير على المرأة فقد تلجأ المرأة للتدخين عادة من باب التقليد لأحد المدخنين في البيت، أو تجاوبًا مع بعض صديقاتها وأصدقائها وتماشيًا مع “الشلة” المحيطة بها، كما أن للثقافة الخاطئة دورًا مهمًّا في تدخين المرأة مثل أن التدخين يساعد على التركيز والهدوء والاسترخاء وفقد الوزن.

 

وأخيرًا لا أجد غضاضة من زواج الرجل بامرأة مُدخنة، كما تتزوج المرأة غير المُدخنة من زوج مُدخن، فالأمر سواء والذنب واحد سواء رجل أو امرأة.

 

لكني أتمنى عليها وأهمس في أذنيها بأن يكون التدخين أمر طارئ لا تجاهر به حتى لا تخدش حياءها الجميل وتفقد أنوثتها الرقيقة وتطفئ نضارة وجهها المشرق، وأن يكون لديها الرغبة والقدرة على الإقلاع عنه والتوبة منه، حتى يظفر بها من يرغب في أخلاقها ودينها، وأن تنظر لنفسها وصحتها وحياتها المستقبلية كزوجة مسئولة عن بيت به زوج وأولاد نريدهم جميعًا لبنة – وهي أولهم- في نسيج بناء الأمة القادم حضاريًّا وثقافيًّا وسياسيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد