تكملة لمناقشة كاتب مقال «ما لن تجده في مناهج التاريخ المصرية: ثورة المسيحيين عام 831م» فيما أثاره من أن المسلمين أرهقوا أقباط مصر بأموال الخراج والجزية، أناقش الكاتب فيما ورد بمقاله، ولعلي في مقال لاحق أقف على الأسباب الحقيقية لتمرد البشموريين، إن شاء الله.

يقول كاتب المقال: «منذ دخول المسلمين مصر، فرضوا الجزية على غير المسلمين، وتراوحت فترات الاضطهاد والتسامح في هذا الأمر بحسب تطور الظروف التاريخية، وتقلب الأمزجة الشخصية للولاة، كما فرضوا أيضًا الخراج على أراضيهم، في حين كان المفترض أن تعامل أراضي المسلمين بنظام الزكاة «تحصيل العشر»، لكن تحول المصريين إلى الديانة الإسلامية كان سيؤثر بالسلب في تلك الحالة على خزينة الدولة الخراجية، التي تستفيد كثيرًا من ضريبة الخراج؛ لذلك قرَّرت الدولة ألا تعفي أرض المتحولين إلى الديانة الإسلامية من ضريبة الخراج، فالأرض كافرة وإن أسلم صاحبها، وذلك ما يفسر اشتراك المسلمين من أصحاب الأراضي الخراجية في الثورة البشمورية».

وفي هذه الفقرة ثلاث مغالطات -مع افتراض حسن الظن في الكاتب- نذكرها ونفندها فيما يلي

  1. يفترض الكاتب أن الجزية لم تكن معلومة المقدار وكان تقديرها يخضع للأهواء الشخصية للولاة، وكذلك الخراج.
  2. كما يغمز بأن المصريين تحولوا إلى الإسلام نفاقا لتقليل مبلغ الخراج، لكن الدولة تعنتت معهم ورفضت تحويل الأراضي إلى أراض عشرية؛ لأن ذلك يؤثر على خزينتها؛ ليوهمك بضخامة مبلغ الخراج قياسا إلى العشر.
  3. كما يوهمك أن المسلمين الذين ثاروا في تلك الفترة هم من الأقباط المتحولين إلى الإسلام، وأنهم ثاروا للسبب نفسه الذي ثار من أجله البشموريون.

وتفنيد هذه المغالطات يقتضي بداية التفريق بين الأراضي الخراجية والأراضي العشرية، فنقول إن الأراضي العشرية هي التي أسلم أهلها وهم عليها، فلا يثبت بها حق للغانمين، ولكن يؤدي أهلها زكاتها، وهي العشر. وأما التي فتحت صلحا وبقي أهلها على شركهم، فما اتفقوا عليه في شروط الصلح من الخراج، فيؤخذ منهم ولا يزاد عليهم، كما حدث مع بني تغلب، الذين صالحوا على دفع ضعف ما على المسلم من التكاليف المالية. وأما الأرض التي فتحت عنوة فقد صارت فيئا للمسلمين، وللإمام فيها أحد أمرين؛ إما أن يقسمها بين الفاتحين فتكون أرضا عُشرية، وإما أن يبقيها في أيدي أهلها، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويؤدوا خراجها، فإذا ما أقرهم عليها، فليس له أن يأخذها بعد ذلك منهم، وهم يتوارثونها ويتبايعونها، ولا يكلفون ما لا يطيقون، ويكون ما يؤدونه من الخراج بمثابة الأجرة للأرض. (انظر: كتاب الخراج، ص 63، 69، المبسوط 2/ 207)

وتكمن أهمية هذه التفرقة في عدة نقاط

  1. أرض الخراج هي أرض فتحت عنوة، فهي حق للمقاتلين الفاتحين، وإبقاء أهلها عليها لا يغير من هذه الحقيقة، وما يدفعونه من الخراج هو بمثابة الأجرة للأرض؛ وتحول أهلها إلى الإسلام لا يلغي هذه الحقيقة، وتظل أرض خراج، وهذا يبطل فرية أن نصارى الأقباط تحولوا إلى الإسلام هروبا من الجزية والخراج.
  2. تحول ملكية أرض الخراج من المشرك إلى مسلم بالبيع أو الإجارة أو الهبة لا يحول حقيقة وضعها، وتظل أرض خراج (بدائع الصنائع 2/ 55)، وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه «كان لعبد الله بن مسعود أرض خراج، وكان لخباب أرض خراج، وكان للحسين بن علي أرض خراج، ولغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وكان لشريح أرض خراج فكانوا يؤدون عنها الخراج». «الخراج لأبي يوسف، ص 62»
  3. إذا تحول صاحب الأرض الخراجية إلى الإسلام، أو اشترى المسلم أرضا خراجية، فإنه لا يجمع عليه بين العشر والخراج، ولكنه يدفع خراجها فقط، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع العشر والخراج في أرض رجل مسلم».
  4. كما تكمن أهمية التفرقة بين نوعي الأرض، في اختلاف مصارف كل منهما، فالأراضي العشرية تصرف عشورها في مصارف الزكاة الثمانية التي حددها الله تعالى في سورة التوبة «الآية 60»، وأما الأراضي الخراجية فيصرف خراجها في مصارفه التي حددها الله تعالى في سورة الحشر «الآيات 7 – 9».

وبهذا يتبين خطأ ما ادعاه الكاتب من أن تحول المصريين إلى الإسلام كان يضر بخزينة الدولة، فتعنتت معهم واعتبرت الأرض «كافرة»، كما يقول الكاتب، يجب فيها الخراج لا العشر. وأما بيان كذب ادعائه أن المسلمين الثائرين في ذلك الوقت كانوا من الأقباط المتحولين إلى الإسلام، فيكفي في دحضه أن ترجع إلى أي كتاب تاريخ لتكتشف أن الثائرين كانوا من القبائل القيسية واليمنية، أي أنهم من العرب المسلمين الذي توطنوا الحوف الغربي.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل فتحت مصر عنوة أو صلحا؟

يذكر المقريزي أن الإسكندرية فتحت عنوة، بينما باقي مدن مصر فتحت صلحًا بفريضة دينارين دينارين، ما خلا الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدون الخراج والجزية (1/ 294)، يعني أن أهل مصر لم يكونوا يدفعون إلا ما اتفق عليه في شروط الصلح، وهو ديناران، وأهل الإسكندرية فقط يدفعون الجزية والخراج لعدم وجود عهد معهم، فعلى الكاتب ألا يثق في رواية ابن المقفع ويجعلها رواية مسلمة.

لكن إذا افترضنا خطأ رواية المقريزي، وإذا كانت مصر فتحت عنوة -مع أن هذا يخالف ما يدعونه هم اليوم من وجود عهد صلح من عمرو بن العاص- فهل كان حقا مبلغ الخراج بالضخامة التي تجعل نصارى القبط لا يتحملونه، ويضطرون إلى بيع أبنائهم لتسديده لشدة العذاب الواقع عليهم، كما يزعم ساويرس بن المقفع؟. «تاريخ البطاركة 2/ 810» وهل ضاعف الوالي حقا الخراج؟ وهل حقا كان المأمون يعرف ذلك جيدا، كما يزعم الكاتب؟! وهل تقدير مبلغ الخراج موكل إلى الوالي؟.

ينقل الكاتب عن سلوى بكر أنه «منذ عهد الفراعنة كانت غلة الأرض توزع علي أربعة أنصبة: ربع للفرعون، وربع للمعبد، وربع للفلاح، وربع لإعادة الإنفاق على العمل الزراعي، وعندما جاء العرب لم يطبقوا هذا النظام، وكانوا يطالبون بزيادة غلة الأرض وزيادة الضريبة الزراعية، ومن هنا أصبح هناك إجحاف بالفلاح الفقير».

طبعا هذا النص يفترض أن العرب جاءوا إلى مصر وهذا النظام لم يزل مطبقا، متجاهلًا أنه تعاقب على مصر بعد عهد الفراعنة الإسكندر وخلفاؤه البطالمة، والرومان، وأن الربع المفروض للفرعون بالتأكيد لم يعد له وجود. كما يتجاهل أن المصريين كانوا قد تحولوا إلى النصرانية وأن الربع المفروض للمعبد كذلك لم يعد له هو وجود. وأنا مع ذلك سأتبنى وجهة النظر هذه على سخافتها، وأناقش الكاتب وصاحبة «البشموري» فيما تبنياه.

ونذكر في البداية أن الوثائق التاريخية والبرديات تثبت أن المصريين لم يكونوا يملكون الأرض، وإنما كان المالك الوحيد للأرض منذ عهد الفراعنة وإلى عهد الرومان هو الملك، وكانت الأرض مقسمة قسمين؛ أراض يتولى الملك استثمارها بنفسه، «فيقوم موظفو الإدارة المالية بطرحها في مزاد علني في كل عام، ويتقدم إليها من يجد في نفسه القدرة على زراعة الأرض، ومن يرسو عليه المزاد، يقوم بتوقيع عقد مع رجال الملك تحدد فيه بدقة التزاماته» «تاريخ مصر في عصري البطالمة والرومان، ص92». والقسم الثاني هو أراضي العطاء، وهي الأراضي الممنوحة للمعابد، والإقطاعات العسكرية، وأراضي الهبات التي تمنح لكبار الموظفين، وهي قابلة للاسترداد في حال ترك صاحب المنصب منصبه.

وإذا كان حكام البلاد قد انهزموا وتركوا أملاكهم وهربوا، فقد آلت هذه الأملاك للفاتحين، وسبقت الإشارة إلى أن الإسكندرية فقط هي التي فتحت عنوة ويطبق عليها نظام الخراج إضافة إلى الجزية، بينما باقي المدن والقرى المصرية قد صالحت على دفع دينارين سنويا عن كل شخص.

ومع هذا تشير صاحبة رواية البشموري إلى أن الفلاح كان يحصل على الربع فقط مما أخرجته الأرض، وثلاثة أرباع ما ينتجه لا تصل إليه يداه، ولا ترى في ذلك إجحافا بالفلاح الفقير، بينما ترى أن العرب «المسلمين» هم الذين أجحفوا بالفلاح الفقير، وطالبوا بزيادة غلة الأرض وزيادة الضريبة الزراعية! والسؤال: كم كانت هذه الضريبة الزراعية؟

يقول السرخسي: «وأما خراج الأرض فالأصل فيه حديث عمر رضي الله عنه فإنه وضع على كل أرض تصلح للزرع على الجريب درهما وقفيزا، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الرطبة خمسة» «المبسوط 10/ 79».

فإذا كان الجريب أربعة أقفزة (القفيز 16 كيلوجراما)، فإن الخراج بلغ في عهد العرب «المسلمين» ربع المحصول فقط، بينما تحصل الفلاح على ثلاثة أرباع المحصول، لا ينفرد الخليفة ولا الوالي ولا قائد الجيش بربع كالفرعون!

ولما ولي عبد الملك بن مروان، استقل ما كان يدفعه أهل الشام فحمل الأموال على قدر قربها وبعدها، فجعل على كل مائة جريب زرع مما قرب دينارا، وعلى كل ألف أصل كرم مما قرُب دينارا، وعلى كل ألفي أصل مما بعُد دينارا، وعلى الزيتون على كل مائة شجرة مما قرب دينارا، وعلى كل مائتي شجرة مما بعد دينارا، وكان غاية البعد عنده مسيرة اليوم واليومين وأكثر من ذلك، وما دون اليوم فهو في القرب. «كتاب الخراج، ص 41»

فإذا كان الدينار يساوي 4.25 جرام ذهبا عيار 24، وكانت المائة جريب تساوي 6400 كيلوجرام، فليت الكاتب وليت صاحبة «البشموري» يذكران لنا كم بلغت قيمة الخراج! إنها ببساطة تساوي 1/ 17 من قيمة المحصول، أرأيتم كيف كان العرب جائرين ظالمين؟! لذا كان من العدل وضع رواية ساويرس بن المقفع تحت المجهر للوقوف على الأسباب الحقيقية لتمرد البشموريين بعيدا عن فكرة تضخم مبلغ الخراج، وبيع الأبناء لتسديد قيمته، خاصة إذا علمت أن كتاب الخراج الذي أكثرت النقل منه في هذا المقال ألفه القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى للخليفة الرشيد أبي المأمون حين سأله أن يضع له كتابا يعمل به في الخراج والعشور والصدقات، وكان أبو يوسف يرى عدم جواز الزيادة على ما فرضه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإن كانت الأرض تطيق الزيادة، وإن كان محمد بن الحسن ذهب إلى جواز الزيادة إذا أطاقت الأرض ذلك، كما أنه ينقص منها إذا قل ريعها (انظر: المبسوط 10/ 79). ويبقى ذلك كله في نطاق إطاقة الناس ولا يحمَّلون ما لا يطيقون، كما سبقت الإشارة، لقول عمر لعثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان عامليه على العراق: (لعلكما كلفتما أهل عملكما ما لا يطيقون). فبينا أنهما تركا ضعف ما أخذاه. (الخراج ص 37، المبسوط 10/ 79)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد