“لا أعتقد، على أية حال، أنني أقوم بقتل أحدهم بقلمي؛ إنني لا أقوم بتعريض حياة أيّ شخص للخطر؛ وعندما يحتاج الناشطون إلى ذريعة لتبرير عنفهم، دائمًا ما يجدونها”.

“ستيفان شاربونييه” رئيس تحرير مجلة شارلي إبدو

مما لا شك فيه أننا نعيش حاليًا في عالم معقّد للغاية؛ كل الأفعال يُمكن أن تُترجم على أنها أفعال جيدة وخيّرة، أو هي نفسها قد تُترجم على أنها أفعال شريرة وشيطانية!

في عام 2005، وعلى خلفية الرسوم المسيئة للرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، انقلبت الدنيا ولم تَقعد على الصحيفة الدنماركية “يولاندس بوستن” التي نَشرت 12 صورة كاريكاتيرية للرسول محمد، ثم بعدها بأيام قليلة، طال سهام النقد الصحيفة النرويجية “داجن” والألمانية “دي فيلت” والفرنسية “فرانس سوار” وصحف أخرى في أوروبا قامت بإعادة نشر هذه الصور الكاريكاتيرية، ما تسبّب في موجة غضب عارمة في العالم الإسلامي أسفرت عن إحراق بعض السفارات الأوروبية ببعض البلاد العربية، وأيضًا مقاطعة منتجات هذه الدول التي نَشرت الصور المسيئة في عدد من البلدان العربية.

في أوروبا، يؤمن العديد إن لم يكن معظم الأوروبيين، بحرية الرأي والتعبير، حتى إنني عندما زُرت مقرّ الجريدة النرويجية “داجن” مع وفد من الصحفيين في برنامج للدراسات العليا بإحدى جامعات السويد، وجّهت لمدير تحريرها سؤالاً مفاده: لماذا نَشرتم الرسوم والصور الكاريكاتيرية في عام 2006؟ كان جوابه صادمًا ليّ بعض الشيء: “إننا نقوم بنَشر أي شيء، بدءًا من الصور والمقالات التي تَنتقد الدين المسيحي وغيره من الأديان، مرورًا بنَقد الشخصيات والرموز السياسية والاجتماعية، وحتى الصور الخليعة، لأنه لا سقف لحرية الرأي والتعبير”!

وعندما واجهته بسؤال آخر: هل تنتقدون أيضًا الهولوكوست أو المحرقة اليهودية؟ أجاب: “نحن ننقد أي شيء، حتى إننا نَشرنا أيضًا بعض الصور الكاريكاتيرية التي تنتقد الهولوكوست”.

 

ولكن، كلنا يَعرف أن انتقاد أو إنكار الهولوكوست يُعد خطًّا أحمر لا يمكن لأي صحفي أو جريدة تجاوزه في أوروبا، مثلما حَدث مع المؤرّخ البريطاني “دايفيد إيرفينج” الذي كان يُجاهر في جميع خُطبه وكتاباته بإنكار المحرقة أو الهولوكوست، مما أدى إلى اعتقاله في عام 1992، وتم ترحيله من كندا إلى المملكة المتحدة، كما أن معظم البلدان الأوروبية مَنعته من دخول أراضيها مدى الحياة.
وفي النرويج نفسها، وفي خريف عام 2008، تجمهر واحتج العديد من الكُتّاب النرويجيين المرموقين على دعوة “إيرفينج” لدخول البلاد لإلقاء كلمة على هامش مهرجان الأدب النرويجي لعام 2009، كما أن مؤسّسة “فريت أورد” النرويجية المعنية بحرية التعبير قد قرّرت إزالة شعار المؤسّسة من المهرجان اعتراضًا على كلمة “إيرفينج” به!

 

وإحقاقًا للحق فإن الرسومات الكاريكاتيرية المسيئة التي ظهرت ببعض الصحف في خريف 2005 ثم في 2006 لم تَكن جميعها في مضمونها مسيئة للرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ حيث إن معظم تلك الرسومات يُمكن أن تُصنّف على أنها رسومات كاريكاتيرية عادية، ولكن الضجة التي أحيطت بها كانت سياسية أكثر منها أي شيء آخر، والدليل أن صحيفة الفجر المصرية الأسبوعية قامت بنَشر بعض من هذه الرسومات الكاريكاتيرية ولم يَعترض أحد في مصر أو خارجها على تلك الصحيفة، أو حتى جرى إحراق مقر الجريدة اعتراضًا على ما نَشرته!

 

وفي عام 2006، نَشرت المجلة الفرنسية الساخرة “شارلي إبدو” الرسوم الـ 12 المسيئة نفسها، والتي تجسّد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير. وفي عام 2011، قامت المجلة الأسبوعية نفسها بجعل الرسول محمد رئيسًا لتحريرها، مع غلاف المجلة مجسّدًا للنبي محمد من خلال شخصية ذات لحية مُرتدية عمّة وجلباب مع كلام مذيّل مكتوب عليه:

“100 جلدة إذا لم تَمت من الضحك”. هذا العدد من المجلة الفرنسية، أسفر عن الهجوم على مقر المجلّة بقنبلة حارقة، واستيلاء بعض القراصنة “الهاكرز” على موقع المجلة الإلكتروني بعدها بيوم واحد!

 

نعم، لا يَخل سجلّ مجلة “شارلي إبدو” من النقاط السوداء التي تُشيع وتَنشر الكراهية والعنصرية ليس فقط ضد الدين الإسلامي بل ضد الأديان الأخرى، مثل الدين المسيحي؛ حيث قامت في عام 2006 بنَشر صورة على غلافها للمسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) مصلوبًا ومذيّلاً عليه كلمات: “أنا شخصية مشهورة، أخرجوني من هنا!” كما قامت المجلة نفسها في عام 2010 بالسخرية من بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر، وغيره من الشخصيات الدينية المرموقة.

وفي مقابلة مع جريدة “لوموند” في عام 2012، صرّح “ستيفان شاربونييه” رئيس تحرير مجلة شارلي إبدو، بأنه لن يَخضع للسكوت حتى يَمنع البعض من اللجوء للعنف ضدّ المجلة بسبب آرائها ومعتقداتها وسياستها النقدية الساخرة، وتعهّد بأنه سيواصل السخرية من الإسلام حتى يُصبح أمرًا اعتياديًا مثله مثل انتقاد الكاثوليكية المسيحية، على حد قوله، ثم أضاف: “ليس عندي أطفال أو زوجة أو سيارة أو حتى كارت ائتماني… وقد يكون ما سأقوله يعد أمرًا متباهيًا أو متفاخرًا، ولكنني أفضّل الموت واقفًا على الحياة راكعًا”.

 

الغريبة أن بعض النقّاد رأوا أن “شاربونييه” حاول أيضًا أن يحارب التطرّف، وليس مفهوم الإسلام على الأخص – وفقًا لوجهة نظره المحدودة- حتى إنه اقترح في بعض أعداد المجلة، تحديدًا في أكتوبر 2014، أن ينحاز النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) مع رأي “شارلي إبدو”، عندما أظهر على غلاف المجلة أحد عناصر داعش وهو يقوم بقطع رأس شخصًا يجسّد الرسول الكريم، مذيّلاً بكلمات:

“إنني الرسول يا أحمق” بينما يردّ عليه رجل داعش: “أخرس، يا كافر”. وفي عام 2006، ظهر شخص آخر يجسّد النبي محمد على غلاف المجلة وهو يبكي في أسى على أتباعه من الأصوليين، مذيّلاً بعبارة: “من الصعب أن يحبك الحمقى”!

 

كل تلك “السقطات” الأخلاقية والمهنية وخطاب الكراهية لا يعني بحال من الأحوال محاربة ذلك الفكر المريض بالسلاح وقتل الأنفس؛ فنعم في المجتمعات الصحيّة المتقدّمة، لا يصحّ خنق العبارات والتضييق على حرية الرأي والتعبير، ولكن تلك الحرية أيضًا لها ضوابطها وسلوكها المُتّزن.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي محاربة الفكر إلا بالفكر؛ ففعلاً لا يفلّ الفكر أو الكلمات سوى الفكر أو الكلمات، فما حَدث من مهاجمة مقر جريدة “شارلي إبدو” الفرنسية وقتل 12 شخصًا معظمهم من صحفيي الجريدة ورسامي الكاريكاتير بها، ما هو إلا فعل إرهابي خسيس، يجعل مفهوم الإسلام عند الغرب موصومًا بالعنف والدماء والقتل.

 

مثل تلك التصرّفات المخزية من البعض ممّن يظنّون أنهم يدافعون عن الرسول الكريم والإسلام بوجه عام، يجعلون أُناسًا مثل عَالِم الأحياء البريطاني بجامعة أكسفورد “ريتشارد دوكينز”، يَرى أن السبب في كُل الشرور التي تحيط بعالمنا هو الأديان؛ فالعديد من الأشخاص حول العالم يتساءلون: هل سوف يكون هناك عنف وحروب ومآسي عديدة إذا لم تَكن هناك أديان؟!

نعم، إن أفعال مرتكبي حادثة قتل صحفيي “شارلي إبدو” ورساميها، ومن قبلها أحداث 11 سبتمبر وما تفعله داعش والقاعدة وغيرها من المنظّمات التي تتّخذ من الدين الإسلامي ستارًا لارتكاب الفظائع، تضرّ بالدين الإسلامي أكثر مما تفيده؛ فما زالت الصورة النمطية التي ساقها العديد من الباحثين والعلماء عن الإسلام والمسلمين تَصف معظمها الشرقي في العموم والمسلم خاصة بافتقاده للعقل ورجاحته؛ فهو يفتقد إلى القدرة على التفكّر وتدبّر الأمور، مع تصويره على أنه كسول:

أتذكرون تلك الصورة المتكررة عن المسلم في أفلام هوليوود على أنه “شيخ ثري” كسول ومتراخ؟ وفي البعض الآخر من تلك الأفلام، نرى المسلم والعربي يتقمّص دور “الشرير” أو “العدو غير الجدير بالثقة” الذي يستحق القتل في النهاية!
نعم ما فعلته مجلة “شارلي إبدو” يُعد أمرًا فظيعًا ولا يتّسق مع حرية الرأي والتعبير، بل ينصبّ في خانة الاستهزاء والسخرية بالمعتقدات والأديان، ولكن هل انقرض المفكّرون المسلمون أصحاب رجاحة العقل والفكر ممّن يتّخذون الرسول قدوة ونبراسًا في حياتهم، وهو الذي تعرّض للقذّف بالحجارة والسُباب بأسوأ الكلمات من أهل مدينة الطائف حتى سالت دماؤه الشريفة، ورغم ذلك يرّد على مَلَك الجبال الذي أراد أن يُطبق الأخشبين على سكان مكة، بقوله:

“بل أستأني بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا”؟ ألم يَكن أولى أن يتم نَشر حملات مضّادة لتوعية الغرب والأوروبيين تحديدًا بأن الإسلام ليس مرادفًا للعنف والقتل، عوضًا عن تأكيد ذلك لهم؟

عزيزي الذي يَرى أنه لا يفلّ الرسومات المسيئة إلا السلاح، هل ستقتل الآن مزيدًا من الأوروبيين المتعاطفين مع ما حَدث لرسّامي “شارلي إبدو” حتى ترغمهم على احترام الرسول الكريم، لا سيما وأن أعداد المجلة تزايدت عدد طبعاتها بعد الهجوم عليها من 30 وبحد أقصى 60 ألف نسخة إلى مليون نسخة، أما آن لدائرة العنف هذه أن تنتهي ويحلّ بدلاً منها تفكير سليم ينهي مسألة الاستهزاء والسخرية من المقدّسات الإسلامية وغير الإسلامية من جذوره؟!
وهل تعتقد أن اليمين المتطرّف وغيره سيقف صامتًا إزاء محاولات العنف التي تَهدف إلى احترام الأوروبيين للدين الإسلامي، أم أنه سيشّن بدوره حملة ضروس ضد أي شكل من أشكال الدين الإسلامي التي يراها، مثل مهاجمة المسلمين ومساجدهم ورموز الإسلام ومقدّساته وغيرها؟

انهوا دائرة العنف المفرغة هذه أثابكم الله!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد