وحدها باريس تستبد بذلك السحر الخفي الذي يستهوي النفوس ويستميل القلوب، لا أدري لذلك سببًا ولكن ربما كان جمال أريجها أو ربما كانت أنوارها اللامعة السر الخفي وراء كل هذا.

كل ذلك لا يهم ولا يستهويني بقدر ما يستهويني جسر «بون ديزار» أو (جسر الفنون) المُقام فوق نهر «السين» ذاك الجسر الممتلئ عن آخره بأقفال وضعها عشاق كبر أملهم في استمرار علاقتهم إلى الأبد.

يرجع تقليد الأقفال التي ترمز إلى الحب الأبدي، إلى روما من خلال روايتين عاطفيتين لفيديريكو موتشا بعنوان «ثلاثة أمتار فوق السماء» (1992) والجزء الثاني المكمل لها «أريدك» (2006)، وفي الجزء الأخير يعلِّق بطل وبطلة الرواية قفلًا يحمل اسميهما على جسر «بونتي ميلفيو» قرب روما ويرميان المفتاح في مياه نهر تيفيري.

في كل الثقافات يوجد شيء يتفاءل به العشاق ويعلقون أمنياتهم عليه: أقفال في باريس، والسندور في الهند الذي تطلي به الهنديات جباههن صلاة وتيمنا من أجل الزواج.

غير أن العجب العجاب الذي لا يوجد في كتاب هو طريقة تيمن المغاربة وتفاؤلهم، حيث تعمد النسوة الراغبات في الزواج والساعيات إلى توطيد علاقة ما بعد الزواج إلى شجرة أو ضريح يشتهر بجلب الحبيب وتحقيق الأماني، فيعلقن على الجدران والأشجار ملابسهن الداخلية الباهتة من كثرة استعمالها حتى غدت كمناديل مدمني الطابة، بل كثيرات يلجأن إلى ساكني القبور لتحقيق أمانيهن وطموحاتهن.

لا زلت أذكر مرة حين دخلت ضريح أحد الأولياء وبدأت أقبل الضريح بأركانه الأربع وأطلب منه أن يعينني على حفظ القرآن، كانت تلك أمنيتي.

حفظت القرآن لكني أدركت أني حفظته ببركة الله ولا شأن لعبد من العبيد في هذا، وإن يكن لأحد الفضل في حفظي للقرآن فوالداي اللذان بذلا صحتهما ووقتهما في سبيل ذلك.

ذات مرة كنت خارجًا من المسجد بعد درس في التفسير لأحد الشيوخ، وبينما الناس خارجون سراعًا تطغى على حركاتهم الفوضى والاضطراب وكأنما بعثوا من قبورهم ونادى منادي القيامة، وبينا أنا منغمس مع الخارجين في البحث عن
حذائي ومحاولة التسلل من بينهم وقعت عيني على امرأة سورية تقف في باب المسجد رافعة في وجوه المصلين جواز سفر يثبت هويتها الضائعة، إلى جانبها كانت تقف طفلة صغيرة في حجم قذيفة الهاون التي هدم بها بيتهم ومات بها أبوها وأخوها الذي كان يعدها بشراء دمية كما تتمنى.

تلبس المرأة قميصًا صوفيًا كتب عليه بالإنجليزية Love Made in Paris هل حقا في باريس يصنع الحب؟!

إن يكن كذلك فأين صنعت قذيفة الهاون والأربيجي والمبيدات التي ألقيت على خان شيخون؟

تلفظ المرأة جملًا استعطافية في وجوه المصلين بلهجتها الشامية التي اعتاد الناس سماعها في المسلسلات المدبلجة، وتعودوها في أبواب المساجد منذ اندلاع الثورة التي اعترض طريقها ثور هائج أقبرها في مهدها.

أثارت انتباهي الطفلة وهي تردد وراء أمها نفس الجمل بصوت يملؤه الشجن والحسرة: «ساعدونا الله يتقبل صلواتكن يا إخوة».

جمل تتردد في كل ربوع البسيطة بلغات مختلفة، لكن وراءها إحساس واحد، إحساس بالضياع والتهجير والفقدان، إحساس بالظلم والقهر والمهانة، ولا نصير ولا منقذ.

بل هاته الأصوات الشاكية توازيها أصوات أخرى ترغب في المزيد من التشريد والتدمير وإخضاع الرقاب، خدمة لأناس هجرتهم إنسانيتهم إلى أبد الآبدين، ومساهمة في تجارة مصيرها البوار والخسران كما عودنا التاريخ أن نرى.

عدت إلى بيتي ولا زال صوت الطفلة يعمل في ذهني عمل الخمر، تارة ينتهي إلى وكأنما نقله الأثير من حدود اليونان وألمانيا ولبنان، حيث تتهدم حصون الإنسانية ألف مرة في اليوم، وتارة ينتهي إلى على شكل أوبرا باريسية حزينة تغطي آلام الجراح وتخفي أصوات القنابل وهويل الحروب.

كما غطت تلك الأقفال جسر بون ديزار، وكما يغطي السندور نواصي جميلات بوليود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد