عرف عن العرب منذ الأزل رد المعروف والشكر لمن أحسن إليهم وساندهم بمعروف أكبر وأجمل، ولم يرد عنهم إنكار معروف قط، مهما كانت مصالحهم معترضة مع رد المعروف، دومًا كانوا يؤثرون على أنفسهم ومصالحهم ويردون المعروف لمن ساندهم وأحسن إليهم.

وعندما جاء ديننا الإسلامي الحنيف حثنا أكثر على رد المعروف للمحسنين بمقداره أو بأفضل منه؛ فيقول تعالى: “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان“، أيضًا يقول الرسول الأكرم (ص): “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.

حتى وإن لم يتطرق ديننا الحنيف لهذا الموضوع نحن كمجتمعات شرقية نحافظ وبعناية كبيرة على شيمة رد المعروف إلى أهله، هكذا علمنا وهكذا عشنا وهكذا سنكمل المسير.

أود التطرق في ضوء هذا الموضوع إلى العلاقة الأصيلة والمتجذرة بين فلسطين وسوريا على مدى العصور، ومنذ زمن طويل حيث كانت العلاقة بين شعبي هاتين الدولتين متصلة ومبنية على أسس المحبة والود والمعاونة لعصور طويلة.

بإمكاننا تأكيد هذه العلاقة القوية من خلال بعض الأمثلة التي نستطيع استمدادها من التاريخ المشترك بين شعبي هاتين الدولتين.

منذ القدم كانت الحضارة الفينيقية تقيم في سوريا، وفي فلسطين الحضارة الكنعانية وربط بين هاتين الحضارتين علاقة وطيدة، حيث عملا معًا في التجارة وتبادلا معًا الحب والود والوقوف جنبًا إلى جنب في صد العدوان الخارجي من الحضارات الأخرى الغازية، وظهرت هذه العلاقة بشكل كبير أثناء التعاون المشترك بينهما في صد الغزاة البابليين الفرس والروم، واستمرت علاقة المعاونة والمساعدة بينهما حتى آخر غزو رومي لفلسطين.

وبعد أن أتت الفتوحات الإسلامية وتم فتح هذه البلدان، دخل أهلها الإسلام أفواجًا وبشكل مسالم، وبهذا الشكل أصبحت أواصر العلاقة بين أهل سوريا وفلسطين أقوى مما سبق، حيث كانت في السابق علاقة أخوة وحضارة، ولكن مع دخولهم الإسلام أصبحت علاقة أخوة وحضارة ودين.

بعد بناء الخلافة الأموية في دمشق لم ينسَ يومًا من الأيام أهل دمشق وخُلفاؤها واجبهم تجاه أهل الرباط وبيت المقدس، فكانوا على الدوام يهتمون بالمحافظة على سلام وسلامة هذه الأراضي المقدسة، وترميم الآثار المقدسة التي تجثو فوق هذه الأراضي المقدسة، ومثال عبد الملك بن مروان في ترميم وتجديد بناء قبة الصخرة يعد أكبر مثال على هذا الاهتمام والعلاقة القوية.

بعد إسقاط الخلافة الأموية من قبل العباسيين، قام العباسيون بنقل عاصمة الخلافة من دمشق إلى بغداد، لم تلقَ الشام بشكل عام اهتمامًا عباسيًّا، بل كان هناك إهمال عباسي واضح جدًا، يهدف منه طمس آثار الخلافة الأموية حتى إنه يذكر أن أبا جعفر المنصور أمر بقلع الصفائح الذهبية والفضية التي كانت تغطي أبواب بيت المقدس وضربها دنانير ودراهم.

ساعد عدم اهتمام العباسيين بولايات الشام في تقوية أطماع الصليبيين لاحتلال واغتصاب بيت المقدس، وبالفعل في عام 1098 بدأت الحملة الصليبية الأولى، وتم إسقاط الرها وأنطاكية، وفي عام 1099 وبعد وصول تعزيزات صليبية، استطاع الصليبيون احتلال القدس بشكل يسير جدًا، فبعد سقوط الرها وأنطاكية، لم يحرك العباسيون ساكنًا في السعي لإيقاف تقدم الحملة الصليبية تجاه بيت المقدس.

وحتى بعد احتلال واغتصاب بيت المقدس وارتكاب أبشع الجرائم به، وصل الخبر إلى ديار الخلافة الإسلامية وملئت هذه الديار حزنًا، لما أصاب بيت المقدس من قسوة واغتصاب، ولكن بيت المقدس لم يستفد من ديار الخلافة الاسلامية العباسية إلا مشاركتهم أحزانه لبعض الأيام، حيث لم يتحرك جيش التحرير وحتى لم تجمع الأموال لترسل لمساعدة المجاهدين الباسلين في المقاومة، والأهالي المنكوبين.

وهنا نستطيع القول إن السبب الأساسي في اعتراء الخلافة العباسية الكثير من فترات الضعف والهوان، هو تسلط بعض الفئات الأعجمية، أمثال البويهيين والسلاجقة والبرامكة والأتراك والبريديين على الدولة العباسية لانتهاش أكبر قدر ممكن من الصلاحية والسلطة، وبقيت الدولة العباسية معلقة ومترنحة بين هذه القوميات العجمية.

على الرغم من هوان وضعف دولة الخلافة في هذه الفترة إلا أن بلاد الشام ظلت قوية وشكلت سدًّا وحصنًا منيعًا في وجه الحملات الصليبية الشرسة، كما أسلفنا الصليبيون استغلوا ضعف الخلافة العباسية لينقضوا عليها، ولكنهم بعد فترة سوف يفاجؤون بولاية قوية محصنة بولاة أقوياء أتقياء زهاد، وجيش مشحن بأقوى سلاح على وجه المعمورة، ألا وهو سلاح الإيمان.

ونستطيع ذكر أمير حلب نور الدين زنكي، ابن أميرها الأسبق عماد الدين زنكي، كمثال لأحد أسود وأمراء الشام، الذين لم ينسوا يومًا واجبهم تجاه الأراضي المقدسة، استغل الصليبيون وفاة عماد الدين زنكي، فانقضوا كما أسلفنا على الرها وأنطاكية واحتلوهما، ولكن لم يمكث نور الدين زنكي إلا قليلًا، حتى استطاع الإمساك بجميع زمام الحكم بعد وفاة أبيه بجيشه الدمشقي التقي اتجاه الرها، واستطاع تحريرها بمعركة سميساط الشهيرة.

أيضًا حاول نور الدين زنكي تحرير أنطاكية في أكثر من معركة مع الصليبيين، وإن لم يستطيع إسقاطها بشكل كامل إلا أنه استطاع السيطرة على الكثير من القرى والمدن الصليبية المجاورة لها، واستمر في معارك الكر والفر للسعي في تحرير هذه المدينة، أيضًا لم يغب عن نور الدين زنكي هدف تحرير بيت المقدس، ولكن قبل بدء معركة تحرير بيت المقدس كان على ثقة تامة أن التحرير لا يتم إلا من خلال القضاء على الدولة الفاطمية الجاثية فوق مصر، فابتعث جيشه الشامي إلى مصر، للقضاء على الدولة الفاطمية بقيادة أسد الدين شركويه وابن أخيه الشاب اليافع صلاح الدين الأيوبي.

حتى لا نطيل في سرد الحكاية التاريخية بإمكانكم مراجعة هذه المرحلة التاريخية، من خلال كتب التاريخ، لكن الشاهد في موضوعنا هنا أن نورالدين زنكي طيلة فترة حياته، لم تغفل عينه يومًا عن واجب تحرير بيت المقدس من الأنجاس الصليبيين، وبعد موته ترك خلفه إرثًا عظيمًا بقيادة صلاح الدين وبجيش قوي تقي، مكون معظمه من الشاميين، هذا الإرث الشامي قام تحت قيادة صلاح الدين بتحرير بيت المقدس من دنس الصليبيين الأنجاس، وإعادته إلى أهله الأصليين، في المعركة التاريخية المشهورة حطين.

في العصر الحديث رغم انقسام شعوب ولاية الشام، بين الاستعمار البريطاني الذي احتل فلسطين، وبين الاستعمار الفرنسي الذي احتل سوريا ولبنان، إلا أن حس الأخوة وروح المساعدة والمعاونة استمرت بينهم، خاصة الشباب السوري، حيث قام الكثير منهم عندما علموا عن المشروع الصهيوني لاحتلال فلسطين وتقسيمها، بالانتقال لفلسطين للالتحاق بالحركات الثورية المنطلقة لصد المشروع الصهيوني، الهادف لتدنيس فلسطين وبناء وطن قومي يتبع له فوقها.

 
وأكبر مثال على ذلك، عز الدين القسام من اللاذقية، الذي أطلق ثورة عام 1935، التي تعتبر الشعلة الأولى للثورات، التي أطلقت لطرد المحتلين والمغتصبين من فلسطين، وإن كان الآن يوجد جناح عسكري اسمه كتائب الشهيد عز الدين القسام ينغص الحلم الصهيوني في البقاء على أرض فلسطين، فهذا يعود فضله بشكل كبير إلى النجم السوري عز الدين القسام، وغير عز الدين القسام الكثير من السوريين الذين ضحوا بأنفسهم في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1947.

وفي حرب حزيران 1967، وأخيرًا في حرب أكتوبر عام 1973 الذي سجل فيه انتصار كبير لولا جبن وغدر القيادة السورية آنذاك، التي منعت بشكل من الأشكال وصول الدعم والمساعدات، للجنود الشاميين الشجعان الموجودين في المقدمة.

 

في نهاية المطاف، أود أن أقول إن الشعب السوري لم ينسَ يومًا من الأيام واجبه الأخوي والحضاري، تجاه إخوانه من الشعب الفلسطيني، واليوم لو اتجهنا إلى الوعي العربي وسألناه عن فلسطين، لوجدنا أن القضية ما زالت وبشكل كبير عائشة حية في عقول وضمائر السوريين، عن غيرهم من العرب الذي بعضهم نسي شيئًا اسمه بيت المقدس وبلاد مقدسة.

 

حتى قبل الثورة السورية، عندما كان النظام العلوي يدعم الشعب الفلسطيني، كنا على علم تام أنه يدعمنا من أجل تثبيت نفسه باسم نظام الممناعة والمقاومة، ولكن كنا نقول إن هذا النظام يريد كسب شعبه عن طريق دعمه للقضية الفلسطينية، فالداعم هنا بشكل عام ليس النظام بل الشعب لأنه عندما رأى النظام يدعم فلسطين ارتدع ورضي بهذا النظام الجائر.

واليوم وبعد جميع هذه التضحيات التي قدمها لنا الشعب السوري، هل سنصده في طلبه والذي هو بسيط جدًا، حيث يريد منا فقط أن ندعمه معنويًا، ونعترف بثورته المباركة، فهل نقف بجانب النظام المستبد؟

هذا غير ممكن أبدًا، نحن كفلسطينيين من أصول عربية لا نغدر أبدًا بمن قدم لنا معروفًا، نعم مصالحنا تعترض إذا قمنا بدعم الثورة السورية.

ولكن نحن في هذا الوضع نرمي بجميع مصالحنا جانبًا، ونقف بجانب هذا الشعب الأصيل، مهما طلب منا ومهما كانت نوعية التضحية، وإن كان يعاتبنا النظام بعدم الوفاء له، نقول وبشكل واضح لهذا النظام، إن كنتم نصرتمونا على الحق من أجل مصالح ترجونها، فلن ننصركم على الباطل، وإن عطلت مصالحنا من أجل هذا الموقف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد