لا يمكن الجزم بأن المجموعات التي تمارس العنف في مصر حاليا مرتبطة تنظيميا بجماعة الإخوان، وإن كان “تحليل خطاب” هذه المجموعات خصوصا جماعتي “المقاومة الشعبية وعقاب” يقترب من خطاب الجماعة، بخلاف خطاب تنظيم “بيت المقدس” بسيناء المؤيد لموقف “تنظيم الدولة” المختلف مع الإخوان.

هناك بالتأكيد صعوبة في الوصول لقيادات جماعة الإخوان”المختفين هربا من القبضة الأمنية لسلطة الحكم العسكري كي يمكن استجلاء حقيقة هذه التنظيمات وانتسابها للجماعة من عدمه، ولكن يمكن الاعتماد مؤقتا على تصريح سابق للمتحدث الإعلامي للجماعة محمد منتصر نشره على صفحته بـ”تويتر” قال فيه إن الجماعة ليس لها تنظيمات مسلحة وأن خطها هو السلمية وأن “الانقلاب العسكري هو من أجبر الشباب على تكوين تلك الجماعات، جراء جرائمه الفاشية” على حد قوله.

التشابه بين خطاب الجماعة وحركتي “عقاب والمقاومة الشعبية” يمكن حصره في ثلاثة مسارات رئيسة، الأول في المصطلحات المستخدمة في بياناتهم، والثاني تعاطيهم مع المواقف السياسية المتتابعة، والثالث تبني قنوات “الجماعة” الفضائية نشر بيانات هاتين الجماعتين والاحتفاء ببعض أعمالهم.

وعلى الهامش هنا لا يمكن إغفال أن تحالف “دعم شرعية مرسي الرئاسية” هو الذي صك مصطلح “المقاومة الشعبية” في صيف العام الماضي، ولكنه عاد ونشر بيانا يتبرأ فيه من مجموعات العنف وقال إن إستراتيجيتهم هي ” المقاومة الشعبية دون حمل سلاح”.

خطاب السلمية الذي يتحدث عنه الإخوان هو الآخر لايزال موجودًا في الصورة، وتعبر عنه بيانات وتصريحات قادة الجماعة، كما أن حركة الرافضين للسلطة العسكرية الميدانية بتظاهراتهم اليومية في المحافظات المصرية يرفعون شعارات تؤكد على مبدأ السلمية، كما أنهم يتهمون الجيش بالوقوف وراء عمليات القتل والتفجيرات.
هل هو عنف انتقام أم عنف هدم دولة؟

من الواضح والمتابع بدقة إن العمليات التي لا يمكن وصمها بأنها من نتاج “تنظيم الدولة” وفرعه المصري بسيناء “بيت المقدس” هي عمليات شديدة البدائية لا تستهدف قتلا واسعا بين المدنيين وتقتصر على بعض من التمركزات الأمنية أو بعض مصالح شركاء “السيسي” الخليجيين. وهذا الأمر ربما يشير إلى عدة أمور، أهمها أن هذه المجموعات ربما ليس لديها الخبرة أو التمويل المناسب لعمل عمليات تخريبية أو عمليات قتل واسعة كالتي تقوم بها جماعة” أنصار بيت المقدس”، كما يشير ذلك إلى أن هذه العمليات هي عمليات سياسية أكثر منها “انتقامية” أو “ممنهجة” خصوصا وأن معظم “التبليغات” التي تصل للشرطة تكون عن قنابل يكتشف أنها “هيكلية” ليس لها أي قدرة تفجيرية وكأن الهدف منها إشاعة الخوف فقط وإرباك الخطط الأمنية وليس القتل.

كما تشير القراءة العامة للعمليات العنفية إلى أن امتدادها الجغرافي المحدود خصوصا القاهرة والوجه البحري ليس منطبقا على الامتداد الجغرافي للإخوان المنتشر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا،كما أن هذه العمليات لم تتجاوز التفجيرات محدودة التأثير، كما لم تسجل اشتباكات بين مسلحين وبين جهات شرطية، حوادث لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة فلا يمكن اعتبارها نمطًا رئيسيًا في إدارة الصراع العنفي.

ويتضح أيضا أن هناك إحجاما بالامتناع من مرتكبي العنف – عدا سيناء – عن استهداف أي من الوحدات العسكرية التابعة للجيش أو أي من أفراد الجيش، رغم انتشار الكثير من الوحدات العسكرية داخل تجمعات سكنية، وهو أمر يمكن تفسيره على نحو “سياسي” بأن مرتكبي هذه العمليات لديهم عداء أساسي مع جهاز الشرطة، وهو ما يتضح باستهداف منتسبي هذه الحركات العنفية سيارات ضباط شرطة دون قتلهم انتقاما من ممارساتهم القمعية بالسجون والأقسام أو بجمع التظاهرات، وهو ما يشير إلى أن هناك “رسالة يريد هؤلاء أن يوصلوها دون الدخول في بحر الدماء”.

هل الجماعة قادرة على العنف من الأساس؟

الجماعة بالتأكيد بات لدى قطاع عريض منها رفض تام لفكرة “الدولة مُغيبة العدالة” وأن فكرة التأقلم مع الظلم أمر غير مقبول، وهذا هو الدافع الرئيس لاستمرار التظاهرات الرافضة للحكم العسكري فضلا عن اعتبارات الدم والثأر والمعتقلين وغيرها من الاعتبارات النفسية، وربما يتجاوز مفهوم رفض الظلم بالتظاهر إلى إجراءات دفع الظلم.

ودفع الظلم أنواع منها السلمي بدرجاته ومنها العنفي بتدرجاته المتفاوتة، وباعتبار أن الجماعة تواجه عنفا أمنيا فإن درجات السرية باتت أعلى في عملها تأمينا لأفرادها وكوادرها وفعالياتها الرافضة للعسكر ومن ثم لا يمكن معرفة حقيقة إيمان الجماعة وقيادتها وأفرادها بدفع الظلم بطريقة عنفية على نحو دقيق، وإن كان هناك إيمان بدفع الظلم عنفا فأي درجة وصل إيمانهم بهذا دعما أو ممارسة.

وبالتأكيد ليس الإيمان كل شيء، ولكن القدرة على التنفيذ أيضا مهمة للغاية، فكل شيء في الدنيا رغبة وقدرة، والرغبة هنا تكون من طرفين؛ قيادة الجماعة داخليا وخارجيا، وأفراد الجماعة ونشطائها. وهل هذا الإيمان مرتبط بآراء شرعية تجيز ذلك؟ وهل هذه الرغبة محددة بزمن كـ”تكتيك” أم يمكن وصفها بتحول “إستراتيجي” وخط ستمضي فيه الجماعة؟

أما عن القدرة فيمكن تفكيكها لعدد من العناصر؛ قدرة أفراد الجماعة أو مجموعة منهم على أن يتحولوا إلى عناصر مسلحةضد الحكم العسكري، والقدرة المالية للجماعة على تمويل هذه الجماعات، والقدرة الفنية لأفراد الجماعة على ممارسة مهام عسكرية وأمنية ومخابراتية وهندسية… إلخ ضد سلطة الحكم العسكري.

كل هذه الأسئلة وغيرها صعب الوصول إلى إجابات شافية لها، فالجماعة بالتأكيد لن تعلن عن أي شيء لاعتبارات سياسية وأمنية لكي تحفظ كيانها المتبقي سواء في الداخل أو في الخارج، ولكي تحفظ أفرادها وكوادرها في السجون الذين يقدر عددهم بأكثر من 40 ألفًا وهو رقم ضخم للغاية.

الإسلاميون المستقلون ودورهم في العنف؟

بالتأكيد أن الإسلاميين ليسوا فقط هم الإخوان، كما أن هناك رافضين للحكم العسكري آخرين من الإسلاميين وبعضهم اعتقل وعذب وقتل على يد النظام العسكري، كما أن كثيرين منهم ليس لهم كيان تنظيمي يدير معارفهم وعلاقاتهم ونشاطاتهم مثل الإخوان، وعليه فإن فكرة السيطرة عليهم صعبة للغاية، ولا يمكن توقع ردة فعلهم ضد السلطة.

من الذي يقوم بالعنف إذن؟

ربما يرى البعض أن هناك توزيعات لأدوار داخل الجماعة أحدهما تظاهري رافض لإجراءات ما بعد 3 يوليو 2013 والآخر عنفي يستهدف مؤسسات الدولة، في حين يرى البعض أن الجماعة ربما بدأت تفقد سلطتها المركزية على أفراد داخلها، ورأي آخر ينسب هذه العمليات المسلحة لإسلاميين مقربين للجماعة ولكنهم ليسوا أعضاء بها. بينما يسود رأي آخر بأن الدولة العسكرية هي المتورطة في عمليات العنف واستخدامها سياسيا ضد الإخوان والمعارضين بإنفاذ إجراءات تعسفية ضدهم.

تأثير العنف على موقف الإخوان الدولي

التغيرات الدولية والإقليمية تشير إلى أن الإخوان هم الطرف الأضعف في المنظومة، ومع هذا الضعف إلا أنهم لايزالون يمثلون رقما في المعادلة السياسية لا يمكن إغفالهم، ويرى آخرون أن الإخوان يمكن التعويل عليهم في لعبة إدارة الصراعات البينية بين السعودية ومصر وإيران وتركيا.

ولعل هذا التعويل على دور جديد للإخوان هو الذي دفع ببعض من إخوان الخارج إلى التخوف من عمليات العنف المتزايدة في الداخل المصري ووصم الجماعة بها مما يؤثر على هذه الفرصة التي ربما تسنح للجماعة فتعوض ما فاتها من خسائر بشرية وسياسية ويعيدها مرة أخرى إلى الساحة بشكل لائق، وكذلك تخفيف الضغط على إخوان الخارج المنتشرين في أوروبا والولايات المتحدة.

إخوان الداخل وإخوان الخارج.. من المنتصر؟

من الواضح أن هناك خلافًا بين الإخوان بالداخل والإخوان بالخارج، خصوصا وأن أفراد الجماعة بالداخل بات لدى قطاعات كبيرة منهم عدم ثقة وربما كفر بالمجتمع الدولي ومنظومته السياسية، فضلا عن غياب أي مساحة تسامح لديهم مع دول وقفت ضدهم بمساندة السيسي ونظامه، فضلا عن استمرار موجة قمع أفراد الجماعة ومؤيديها. كل هذا ربما يقطع الطريق – على الأقل الآن – على أي حل قريب مع السلطة العسكرية أو التعامل مع بعض الدول كوسطاء.

وعليه يظل في أغلب الظن خيار الجماعة هو المضي في المعارضة والتظاهر اليومي والتأييد الضمني لعمليات انتقامية ضد مصالح الجيش وحلفائه الإقليميين.

هذان الموقفان المتضادان بين إخوان الخارج والداخل ربنا يدفع إلى موجة انفصال وربما انشقاق تنظيمي، ولكن الخطر هو استمرار سوء الأوضاع الأمنية وارتفاع عمليات القمع ضد رافضي السلطة العسكرية من الإخوان مما يدفعهم إلى مزيد من التشدد ويتحول التأييد الضمني للعنف ضد الدولة إلى عمل معلن وتدخل الجماعة والدولة في مواجهة شاملة يجهز فيها الطرفان على بعضهما البعض، أو يدخل قطاع من الإخوان بالداخل في طريق العنف المعلن ضد الدولة فيعارضه آخرون فتنقسم الجماعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد