«فنان مستقل»، مصطلح تم الاختلاف عليه على مستوى العالم، ولكن ما هو مستقر عليه حتى الآن أن الفنان المستقل هو الفنان الذي لا يتبع أية مؤسسة أو شركة إنتاج أو يتم تمويله عن طريق منتج ما، ويتحمل الفنان نفقات ما يصنع، ويتكفل بكل شئ في عمله الفني في غالب الأوقات.

 

في مصر، الأمر صعب، بشكل يدعو للاستعطاف، ومؤازرة الفنان عامة، والفنان المستقل بشكل خاص، وأعتقد في الكثير من البلدان العربية، ولكن الحديث الآن عما أراه بعيني كل يوم، كمحب للفن، ومحتك به بطريقة ما، صديقي «محمد» هو عاشق للموسيقى، ويعزف آلة موسيقية، جمع ثمنها في مدة طويلة جدًا مقارنة بشاب يعيش في الولايات المتحده على سبيل المثال. بعد الانتهاء من معاناة شراء الآلة بدأت معاناة تعلم العزف عليها.

كشاب من أسرة متوسطة الحال، يجب على صديقي هذا العمل، بالإضافة إلى الدراسة، بالإضافة إلى إهتمامه بالعزف، ومحاولة إتقان آلته الموسيقية المفضلة، ومن الممكن اعتبار أن ما سيفعله صديقي في عدة سنوات سيقوم به زميلي «ستيوارت» الإنجليزي في شهرين كحد أقصى؛ لسهولة وبساطة الظروف في وطنه الأوروبي. وصديقي المحب للجيتار ليس حالة شاذة، ولكن صديقي الممثل والكاتب والمطرب، كلهم يعانون من تلك العراقيل التي نعاني منها في مصر.

 

على الدولة أن ترعى الفنانين والموهوبين والمبدعين في كل المجالات، وتكفل حريتهم في التعبير عن آرائهم، بأي شكل كان، سواء التصوير، الكتابة، الغناء أو أياً كانت طريقة التعبير . ومما يسمح للفنان المستقل بمواصلة ما يفعل، بعض الأسباب المعروفة لكل فنان مستقل. أولها: الحرية في الاختيار. وهو ما يدعو الكثيرين لمواصلة ما يفعلون، فعندما يفعل الفنان ما يريد، ويقول رأيه بما يستطيع تقديمه في منتج فني، تتولد نشوته الخاصة به وحده. ثانيًا: إظهار وجهة نظر مغايرة. وجهة نظر الفنان المستقل تختلف عن المؤسسات الكبرى وشركات الإنتاج بشكل ما، الاستقلالية في الإنتاج تسمح لك بقول ما تريد، وفعل ما ترغب فيه بدون رقيب أو مراقب، ولا يوجد أمامك مشرف، أو مدير يقول لك افعل ولا تفعل. ثالثًا: الاحتفاظ بالفكرة كاملة بدون تعديلات وشوائب، عندما تكون موظفًا في شركة ما، يتدخل المنتج، وفريق العمل في ما تريد أن تفعل بشكل فج في بعض الأحيان، وإجبار الفنان في الانحراف عن طريقه أو التنازل في أحيان أخرى، وتهديده بقطع التمويل، إذا أصر على ما يريد، وهذا الشئ يقهر المبدعين.

 

عند التعامل مع الفن من منظور مستقل، وعدم الاعتماد على المنتجين أو الشركات الراعية تتواجد فورًا مصاعب عدة من ضمنها. أولًا: عدم وجود إمكانات قوية. وفي هذا مرض الصانع والمخترع، فالتمويل هو الأكسجين بالنسبة لكل فنان مستقل، وعند انقطاعه، سواء كان الانقطاع من الفنان نفسه، أو منتج ما، فالعمل يتأثر بشكل كبير، ويضعف أيضًا، وعدم وجود تمويل يقابله عدم وجود إمكانات بالقوة الكافية لتقديم منتج فني قوي ينافس ويظهر على السطح بين صفحات الوسط الفني. ثانيًا: التفريط في بعض الأشياء مقابل مواصلة العمل. فعندما تحاول الإنتاج المستقل بنفسك تواجه نقص موارد مالية ونقص معدات واحتياجات تخص العمل، ولحل هذه المعضلة يجب عليك كفنان التنازل عن بعض أركان وجوانب العمل من أجل المواصلة، وهذا يؤذي الفنان، بالرغم من محاولته عدم إظهار ذلك، ومحاولته اصطناع بهجة ونشوة الانتصار التي تنتاب الفنان عند الانتهاء من صنع منتجه الفني . ثالثًا: عدم وجود رقابة. وهذا في رأيي ليس مشكلًا أو حائطًا يواجه الفنان، بقدر ما هو شئ يجعل الفن عند بعض المتشددين طريقًا للتدمير ووضع السم في العسل كما يقال، فالرقابة بالرغم من ضيق صدر الفنان بها فهي تواجه في بعض الأحيان العنصريين والمتعصبين ومتبني الفكر الإرهابي في شتى المجالات، سواء إرهابًا فكريًا، اجتماعيًا أو ثقافيًا حتى.

 

الفن المستقل مساحة هامشية لا تضر أحدًا بقدر ما هي تساعد المدمنين، مدمنو الثقافة والعلم والإبداع والخلق البشري، لا يطلب الفنان الكثير. يطلب فقط السماح له بتقديم نفسه، ويرغب في بعض الأحيان بدعم بسيط يساعده على الفَن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد