«وإن قلت أحبه ما عليّ ملامة»، وإنه ليصور لنفسي جرمًا هذا الخال الأثيم الذي سمع هذه الأغنية ألف مرة ومرة فلم يعقلها ولم يفهمها ولم يبرئ هذه المحبة الهائمة من اللوم، ولم يعفها من الإثم، ولم يصرف عنها العقاب؛ لأنه جامد القلب، جافي الطبع، خشن النفس، غليظ المزاج، لم يذق لذة الحب ولا ألمه. ولم يعلم أن من الحب ما يكون فوق اللوم، وما يكون فوق الإثم، وما يكون فوق العقاب.

دعاء الكروان ذلك الفيلم الذي لا أمل من رؤيته لدرجة إني حفظت الحوار شبه كامل، ولا أمل كذا من الحديث عنه؛ فمجرد الخوض في أحداثه تبهجني رغم الحزن الذي يملؤها. ما بين الرواية والفيلم اختلاف جوهري هو أن الفيلم صورة ناطقة أحيت رواية تكاد تكون باهتة، فلنقل أنها أضفت على اللوحة ألوانًا ناصعة.

وساعات بيقول أشكيه لك لك لك يا صاحب الملك.

الذات النسوية في هذا الفيلم لها ثقل خاص، كل فتيات الفيلم مسَّهن الضُر وإن كان يسيرًا، فهذه آمنة تلك الفتاة القروية الساذجة التي كان يذهلها «البيانة» فتشبهه «بطبل علي أبو إبراهيم»، أصقلتها الشدائد لتجد نفسها في مواجهة مع مصيرها المحتوم. حب من قتل أختها، تعبر من خلف دموعها عن هذه الورطة للمهندس، تقول: «فكرت في يوم من الأيام أعذبك بالحب، وما جاش على بالي إن السلاح اللي حاولت أجرحك بيه هيجرحني أنا كمان، ما تفتكرش إني خارجة سليمة»، أحبته ولكنها لم تسامحه، حتى حين سألها السماح قالت: «أوعى لنفسك يا سيدي»، تحبه ولكن تظل ذكرى هنادي هي الحائل بينهما، لدرجة أنها ترى وجه هنادي على باب البيت قائلة لها في تأنيب: «وشي منكي في التراب يا آمنة ربنا يسامحك»، ولكن الحب الذي وقعت فيه هنادي رغمًا عنها وقتلت بسببه، هل كان لآمنة سبيل في دفعه بعيدًا عنها؟

وهذه «هنادي» التي قتلت باسم الحب، ولم ترحمها تقاليد رسمها الخال الذي طردهم من قبل من قريتهم، بمنتهى القسوة والوحشية قتلت هنادي، ليعلق خالها بمنتهى الهدوء: «هنادي ما ينبكي عليها»، تتساءل آمنة مرتعبة: «وين هنادي يا خال»، فيجيب: «هنادي راحت في الوبا»، ذلك الوباء الذي اخترعه لينفض عن نفسه مسؤولية طرده لهم وما ترتب عليه من مصائب.

«مكنتش مصدقة المسطور في الكتب، وبيقول إن (الحب شدة وندم وخوف)، دلوجتي صدقت، صدقت إن الحب شر» على لسان آمنة في الفيلم. تحب هنادي ولا تحصد من حبها إلا الشر والويل، ولكن هل يلومها أحد على حبها النقي للمهندس، وإن استغل جهلها وقلة خبرتها في الحياة؟

وهذه خديجة رغم بساطة حياتها، وفساتينها المبهجة، ورواياتها الرومانسية الساذجة كصاحبتها التي طارت فرحًا عندما اكتشفت بالصدفة أن والديها يدبران أمر خطبتها، يمسها من الضر ما يمسهن جميعًا، فبعدما تتعلق بالمهندس تفسخ الخطبة.

«الرجل يحب الألم، يحب من تؤذيه؛ فبالألم يختبر رجولته وقدرته على الصبر، لذا لا يتعلق بامرأة تبكي أمامه بل بامرأة تبكيه».

أحلام مستغانمي

حتى المهندس، الذي لم يسمه الفيلم، مسه الحب وذاق من الألم بقدر ما شاءت أن تسقيه آمنة، فخر راكعًا يتوسل ويترجى، هذا المهندس لا أجد نفسي إلا متعاطفة معه، حتى وأنا أعلم عنه ما أعلم، ورق قلبي له عندما انطلق خلف آمنة قائلًا: «لا يا آمنة، لو كنتي تتعوضي مكنتش جيت وراكي، أنا لو مكنتش لحقتك كنت هفضل طول عمري ندمان على إني فرطت فيكي، ارجعي يا آمنة»، المهندس الذي يتكشف لك مع الأحداث أنه ظل يحتفظ لهنادي بهذه الذكرى الطيبة، التي تجعلك تقسم أنه لم يقصد أبدًا أن يعاملها كعاهرة، ولكنها الأزمة النفسية التي أصابته، فجعلته جامدًا كجمود الريف حتى في تعاطيه مع البشر.

والخالة زنوبة سليطة اللسان التي تغش في الميزان أحببتها كذلك وتقبلتها على علاتها، خال هنادي هو الوحيد الذي لم أصفح له أبدًا، إذ كيف يتجزأ مبدأ الشرف هكذا، كما عاتبته أخته والدة هنادي، فهو الذي رماهم منذ البداية لهذا المصير.

حياتي مش غالية عليكي هي المهر اللي كان ممكن يصالحنا على بعض.

نهاية الفيلم التطهيرية هي سر تخليده، مقارنة بنهاية الرواية الباهتة. وكيف أنسى الكروان؟ البطل في القصة برمتها، ودعاء الكروان يتملكنا طيلة رؤيتنا للفيلم، ويأخذ بيد خيالنا للقصص غير المنتهية كلها، ما بين نواحه على هنادي، ونواحه على المهندس، ما يجسد حرقة قلب آمنة في حب المهندس «دعاء الكروان أترينه كان يرجع صوته هذا الترجيع يوم صرعت هنادي في هذه الفضاء العريضة؟».

دعاء الكروان ليس إلا ملحمة عناصرها كلها حاضرة لإسعاد المشاهد، خاصة الحوار والموسيقى التصويرية. هذا الفيلم يمس روحي بسلام غريب، ربما مبعثه الحزن الشفاف الذي أشعر به بعد مشاهدته مرة تلو الأخرى.

.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد