أكبر خطأ في حياتي أني دخلت كلية الطب! أنا أصلًا لم أكن مؤهلًا لدخول تلك الكلية! ميولي مختلفة تمامًا عن هذا المجال الذي اقتحمته رغمًا عني.

هذه الكلمات وغيرها يرددها كثيرًا بعض طلبة كلية الطب، وبعض من تخرجوا فيها وصاروا أطباء من ذوي المعاطف البيضاء، كنتُ أنا واحدًا من هؤلاء الذين يتمتمون بتلك الكلمات كلما أحاط بي اليأس وغمرني سيل من الإحباط، ولكنني اكتشفت شيئًا مهمًّا، كل السنوات التي مرت بي وأنا أردد تلك الأفكار السلبية مضت دون أن أفعل شيئًا ودون أن أتقدم خطوة واحدة إلى الأمام؛ فلم تزدني تلك الأفكار إلا تثاقلًا وفشلًا واستسلامًا، فلما نفضت غبار تلك الأفكار المحبطة وقررت أن أستمر في هذا الطريق الذي اضطررت إليه، بدأت تحقيق بعض الإنجازات وشعرت بأنني قطعت شوطـًا للأمام.

كان لا بدّ من وقفة حاسمة، وكان أمامي خياران لا ثالث لهما لتلبية هذه الرغبات الجامحة في صدري، الأول أن أكون شجاعًا وأستجيب لذلك النداء الداخلي، وأترك مجال الطب تمامًا وأسير نحو ميولي الأدبية فألبي طموحاتي الخالية في اللغة والأدب والشعر والتاريخ الذي أحبه حبًا جمًا، وأما الخيار الثاني، فألا أهدم ما بنيته في سنين عمري الفائتة من دراسة قاتلة في تلك الكلية، ثم سنة الامتياز، ثم سنة التكليف، ثم سنين النيابة التي بذلت فيها ما تنوء به الجبال من جهدي وتركيزي وإفناء شبابي، فقررت أن أختار الخيار الثاني.

ليس معنى هذا أن الخيار الأول خطأ، فليس عيبًا أبدًا أن يحول الإنسان مساره العملي ما دام لا يستطيع التفوق والإنجاز في مجاله الذي فُرض عليه، ولكن العيب كل العيب أن يستسلم الإنسان لأفكاره السلبية القاتلة؛ فلا ينجح في المجال الذي فرض عليه، ولا يلبي رغباته وميوله الباطنة فيخسر كل شيء في النهاية.

أعرف من أقراني من ترك الطبّ تمامًا بعد التخرج ليلبي نداء مواهبه الدفينة، فمنهم من اتجه إلى مجال الاقتصاد والعمل بالبورصة، ومنهم من كان مفتونًا بالفيزياء؛ فالتحق بجامعة زويل وتخطى امتحاناتها بجدارة، وقام بدراساته العليا، ثم سافر إلى الولايات المتحدة ليرسم طريق نجاحه بالطريقة التي يريدها لا بالطريقة التي فرضت عليه! ومنهم من كان أثناء كلية الطب مولعًا بالكهرباء والهندسة؛ فرسب في الكلية عامًا بعد عام، فترك كلية الطب وهفت نفسه لما تتوق إليه؛ فالتحق بكلية الهندسة غير مبالٍ بما ضيعه من سنين، وضاربًا بانتقادات الناس له عرض الحائط.

ومن الفريق الذي اختار الصمود في مجال الطب من حاول الجمع بين عمله الذي يتكسب منه وطموحاته القديمة، بأن جعلها هواية يشغل بها وقت فراغه الروحي فازدادت حياته العلمية والأدبية ثراء وتنوعًا.

ولكن يتساءل بعض القراء الآن، لماذا هذه الازدواجية أصلًا؟ ولماذا حدثت؟ لماذا يدخل الإنسان غمار مجال لا يهواه؟ الإجابة على هذا السؤال في منتهى المرارة ونلخصها في كلمة «القمع المجتمعيَّ!».

في المجتمعات النامية يقسمون الكلّيات إلى كليات قمّة وكليّات قاع! كليات القمة يدخلها المتفوقون الناجحون –كذا زعموا– وكليات القاع يدخلها الفاشلون – كذا زعموا- فما نتيجة ذلك التقسيم الجائر؟ نتيجته أن يجتهد الطالب في الثانوية العامة ليحصل على أعلى مجموع ليلتحق بكلية من كليات القمة؛ ليرفع رأسه ورأس أهله عاليًا أمام الناس؛ فينظر إليه الناس نظرة الإعجاب والاحترام أحيانًا، والحسد والحسرة على حالهم أحيانًا أخرى، أما صاحبنا الطالب المتفوق الذي ينزع إلى ميول أخرى، كالكيمياء والفيزياء أو الأدب والشعر فيجد نفسه مجبرًا بعد أن حصل على مجموع عالٍ أن يدخل كلية القمة، وهي كلية الطب؛ لأنه لو دخل كلية تتفق مع مواهبه السابقة الذكر، فلن يسلم من نظرات الناس إليه، وتربصهم به، ووصفهم له بالحماقة، إذا علموا مجموعه العالي، ولن يسلم من نظرات المشفقين والمستهترين به، إذا جهلوا حقيقة أنه ضحى بمجموعه من أجل تلبية ميوله وطموحاته! فلا يجد بدًّا من أن يدفع عن نفسه تلك التهم البشعة التي سيتهمها به مجتمعه، ويقمع مواهبه ونزعاته، ويدفن نفسه في مجال لا يتفق مع عقله وروحه.

ولكن الأكثر رعبًا لدى الطالب المتفوق والذي يدفعه دفعًا نحو كلية لا ترنو نفسه إليها، هو أن الكليات المسماة كليات القاع ،لا مستقبل لها غالبًا في هذا المجتمع النامي، فإذا تخرج فيها فلن يجد عملًا يقتات منه، وستصيبه لعنة البطالة التي تحطم زهرة الشباب، وتضطرهم إلى العمل الحر في مجالات كذلك لا علاقة لها بشهاداتهم – يا للمصادفة! أصحاب القمة يعملون في مجالات تخالف مواهبهم، وأصحاب القاع يعملون في مجالات مختلفة عن شهاداتهم! بل ربما لن يجد دولة خليجية أو أوروبية تقبل شهادته.

إن تلك الدوامة القاتلة لن تنتهي ما دام المجتمع يرزح في ظلمات الجهل، وما دامت الحكومات لا تحقق تكافؤ الفرص بين التخصصات، وما دام القمع المجتمعي يسيطر على رغبات كل شاب، فتُرى متى تتحرر مجتمعاتنا ويتحرر شبابنا؛ فتنتهي الازدواجية بين الميول المختارة والواقع الجبري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صحة, طب, طبيب, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد