كتبت هذا المقال نتيجة تفكير مستمر وعميق طيلة سنوات من العمل في قطاع الصحة العامة بالجزائر، والذي دفعني لإخراجه في هذا التاريخ بالذات، حادِثَيْنِ هامَّيْنِ، الأول ما شهده قطاع الصحة في الجزائر من تشنجات وعثرات في الآونة الأخيرة – والتي أفاضتها قضية المرأة الحامل المتوفاة مع جنينها بولاية الجلفة – والثاني هو بينما أنا منغمس في الصباح الباكر مع حاسوبي وأوراقي لإعداد بحث  إرادي في مجال إدارة الصحة، وبعد جهد أردت أن آخذ هنيهة لأستريح، ففتحت صفحتي على الفيس بوك فإذا بي أتبصر مقالًا بعنوان «طبيب أو موظف» للمدونة الجزائرية إيمان بورماد على موقع ساسة بوست يوم 9 أغسطس2007. إلا أنني ما اقتربت من هذا النفر حتى انفجر اتساعا كالكون، وبدا لي أني لا أعرف عن سؤال – لماذا؟- إلا بخارًا، أرى معناه في الطبيب إلا أني لا أمسك منه شيئًا.

قد يبتهج كثير من الناس عندما يضاف إلى أسمائهم الحرف الثامن من حروف الهجاء، حرف الدال تتبعه نقطة وهي اختصار للقب دكتور، فإضافة حرف الدال إلى الاسم تحتاج إلى سنين عديدة ودراسة عميقة وتضحية كبيرة ومثابرة ورباط طيلة مشوارٍ دراسيٍ مفعم بالحيوية والنشاط وحب التعلم والتدرج باستمرار.

الطبيب الذي استلهم معناه من الحكيم الذي كان يعالج الناس نفسيًا وجسديًا وروحيًا في غابر الأزمان. الطبيب الذي يزن ثقيلا في تصورات أفراد المجتمع بمختلف مستوياتهم وأيديوليجياتهم، ويحصل على شهرة واسعة واحترام بليغ نتيجة شيء واحد فقط هو أن الطبيب يساعد الناس الضعفاء للخروج من مأزقهم الصحي، ذلك لأن الطبيعة الإنسانية تقدر الشخص الذي يسعى جاهدًا لمساعدة الآخرين. الطبيب الذي يُعَايِنُ المرضى ويشخص لهم المرض ويصف لهم الدواء والقادر – بإذن الله – على التخفيف من أوجاعهم وآلامهم ومعالجة عللهم بقدرته العلمية على تحديد المرض ووضع العلاج المناسب له. الطبيب الذي يتمثل أخلاقيات المسلم في مهنته بصدقه في ممارسة مهنته وحكمته في معالجة مرضاه وذويهم وخاصة نفسياتهم وأمانته على أسرارهم. الطبيب الذي كانت تظهر آثار الملكوت غالبة فيه ويعلوه غبار الجلال وحسن السمت وأثير الصمت. غير أني أجد واقعًا أليمًا يعيشه المجتمع نتج عنه طبيب مادي ومحبط ومخطئ ويبوح بالأسرار … لم تزدني هذه الممارسات إلا حزنًا على عدم وجود رؤية واضحة لأسمى مجال في الطب وهو: «أخلاقيات المهنة» بسبب تبني مرجعيات أخلاقية تعادي طبيعتنا الإسلامية العربية، وأُجْبِرُوا الأطباء – طَوْعًا وكَرْهًا – على دراستها وتبنيها، فحصل هذا الاضطراب في تطبيقها وانعكس على مجتمعاتنا وفي مؤسساتنا الصحية.

الطبيب الحكيم: سمي بالحكيم، لما يمتلك من قدرة وحكمة على إكتشاف العلة وعلاجها بوسائل مختلفة «نفسية، وجسدية، وبدنية» مستخدمًا شتى السبل للوصول إلى غايةته المرجوة «شفاء لا يغادر سقما».

الطبيب النطاسي: كان يطلق على الطبيب النطاسي أي العالم بأمور مرضاه وحاذق بالطب وتدقيق النظر في حالة المريض واستنتاج الشفاء له، ويقال طبيب ناطس أي طبيب حاذق. حيث قال الشاعر البعيث بن بشر:

وقد أكون مرة نطيسًا … طبا بأدواء الصبا نقريسًا

الطبيب الآىسي: هو المعالج الذي يأسو الجراح ويداويها، قال الشاعر عدي بن الرعلاء الغساني:

وغموس تضل فيها يد الآ … سي ويعيا طبيبها بالدواء 

الطبيب الموظف: لقب يطلق على الذي يشغل وظيفة حكومية، فالطبيب الذي درس في الجامعة الحكومية – بالمجال في الجزائر – ويتلقى شبه راتب أثناء دراسته في السنوات الأخيرة، يستلزم منه أن يؤدي وظيفته في القطاع الحكومي خدمة للصحة العامة، وتجد الطبيب الموظف يعمل جاهدًا على استنزاف المرضى وتهريبهم إلى العيادات الخاصة ومعالجتهم مقابل مبالغ باهضة – غير مظبوطة قانونًا- حتى أصبحت عياداتهم الخاصة أو عيادات أصحابهم لها الأولوية أما المستشفيات العمومية هي مرحلية – الخدمة المدنية فقط – وهذا ناتج عن تدليعهم أثناء الدراسة وأثناء الخدمة المدنية – توفير السكن وبعض التجهيزات وعدم مساءلتهم في الانظباط والتساهل معهم أثناء ارتكابهم لأخطاء- مقابل راتب زهيد يتعمم على جميع الموظفين. والحقيقة أن الحكمة الإلهية والطبيعة البشرية تقتضيان أن يكون لكل إنسان حرفة يرتزق منها فحقك أن توظف – مقابل راتب مقبول – بعد سنين الدراسة الطوال وحقك أن تتبجل لعلمك الغزير وحقك أن ترفع لأنك تعطي الآخرين، لذلك قيل: إن المعلم والطبيب كلاهما … لا ينصحا إذا هما لم يكرما.

فالواقع المرير يشهد أن هناك العديد من الممارسات السلبية لبعض الاطباء كاللامبالاة والتي نتج عنها قلة الاهتمام ونقص الرغبة الشخصية في أداء العمل، كما أن عدم الانضباط والاتكالية وإهدار الوقت تكاد تكون ملازمة لهم في المداومات الطبية، أما إذا جئت تتحدث عن المناوبة الليلية فغياب شبه تام ومبيت في الدار وآراء في الجوال. ضف إلى ذلك ضعف التكوين في كليات الطب أدى إلى تراجع مستوى الأطباء والذي انعكس على صحة المريض والشاهد على ذلك القضايا الموجودة في المحاكم نتيجة الأخطاء الطبية – المتعمدة وغير المتعمدة -. ويلازم بعضًا من الأطباء تصرفات مشينة وعادات قبيحة كالتدخين – ومرادفاته المذهبة للعقل – والتسيب والشهادة المزعومة بالعطل المرضية – كثير من العطل المرضية أعدها أطباء لأشخاص ليسوا مريضين حقًا – والوقوف مع الزميل الطبيب المخطئ ظالمًا أو مظلومًا، كلها وغيرها تصرفات تظفي عليه ذلك التبجل وتلك الحكمة التي كانت في أطباء زمان. بالإضافة إلى غياب  الاجتماع الصباحي – هذا المصطلح المتكر كثرا والذي له وزن لمن يفقه مهنة الطب حقيقة- الاجتماع الصباحي هو زمن يتم فيه تسليم بين الطرفين الطبيب المناوب ليلا والمداوم نهارا، إلا أن هذا الاجتماع لا يتم أحيانًا بنوم المناوب وتأخر المداوم، فيحصل فراغ رهيب يصاحبه استعجال بليغ يتجلى في صور فيلم بعنوان هيجان شعبوي غليظ.

أنت أيها الطبيب، راجع نفسك حينما تقدمت لدراسة الطب هل كنت تفكر – آنذاك – في دخل مالي كبير وبيت مشيد واسع وامرأة حسناء جميلة وسيارة حديثة فارهة، أو كنت تفكر في استمتاع بالحياة واستغلال للوظيفة والأفراد. إذا كنت فكرت هكذا فقد أخطأت خطأً جسيمًا وابتعدت عن إنسانيتك ونسيت أنها رسالة باقية وخدمة راقية. أما إذا نويت عكس فأنت إذا اقتربت من الله ويلزمك أن توظف مهنتك  لخدمة الخلق فإذا خدمت الخلق كنت حبيب الحق . فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله».

فرجاءً أيها الطبيب، عليك الالتزام بالأخلاق السامية والقيم الراقية كالأمانة وحب التعلم والجدية والاجتهاد والحلم والرفق والعفة والتواضع والمرونة والرحمة والتأني والوقار والابتسامة واللباقة والوفاء بالمواعيد والانظباط والهندام وكتمان الأسرار وصدق الحديث وحسن التصرف. ولا يمكن بأي حال من الاحوال أن تضبط هذه الاخلاق بالقوانين – أخلاقيات مهنة الطب وقوانين الصحة – لأن سلوكيات الأطباء ذاتية المنشأ ونشأت منذ آلاف السنين لكن يمكن أن تغرس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد