لعلها حقا كثيرة تلك المواقف التي علينا أن نلتقط دفترا ونبدأ في تدوين تفاصيل الحادثة لكننا نغفل عن ذلك، ثلثيها بالنسبة إلى الطبيب يعقبه سؤال أو تهكم من أحد مرضاه أو مرافق المريض فحواه: هذه وظيفتك، والثلث الآخر وهو يعود من مناوبة تدوم أربع وعشرين ساعة كاملة وأحيانا ستة وعشرين ساعة يتصفح بريده وحساباته على الإنترنت فيجد صورة الطبيب الجراح الصيني النائم أسفل خزانة وقد أنهكه التعب بعد عملية دامت كذا أو كذا ويمتدح تضحيته وجهده.

الغريب حقا في الأمر أن الطبيب الصيني يأخذ مقابل تلك العملية المنهكة المتعبة عدة أضعاف ما يتقاضاه الطبيب العربي في أي زاوية من الخريطة العربية لكن تعبه يعتبر تضحية عظيمة من ذلك المنطلق يبدأ التفكير الحتمي في سبب هذا اللبس والخلط.

هنالك دوما خزانة جانبية فارغة أو مقعد برجل مكسورة،في كل مصلحة،في كل مستشفى من مستشفياتنا نلجأ إليه عندما يداهمنا الإرهاق وتهدأ الفوضى،لكننا لا نجد صورة لأي طبيب منا يمتدحه أحد فيها،في العالم العربي،في الجزائر حيث يعتبر راتب الطبيب  من بين الرواتب المتوسطة،حتى أساتذة التعليم المتوسط يتلقون دخلا أكبر منه 

هل هو انعدام وعي ودراية بأوضاع المستشفيات والقطاع الصحي في العالم العربي بشكل عام وفي الجزائر بشكل خاص ابتداء من المناهج التعليمية بكل أطوارها مرورا بالتكوين الطبي إلى غاية مرحلة ممارسة الطب ومواجهة المجتمع أم أنها ذات العقدة التي نعاني منها أمام الأجانب، لغتهم ثقافتهم وكل تصرفاتهم؟

يقضي الطالب الجزائري ثلاثة عشرة سنة في مراحل تعليمية مختلفة يدرس مواد ذات بعد حياتي مهم لكنها لا تعالج مواضيع سيلتقيها بقدر ما يعالج نظريات تم تفنيدها واستبدلها العالم الحديث بنظريات أثبتت صحتها، تقدم له باللغة العربية الفصيحة في جو تعليمي متوسط إلى ضعيف ويجاهد خلال تلك السنوات في محاولة منه لتحصيل مستوى يؤهله لدخول الجامعة.

عندما ينجح في تخطي كل تلك العقبات ويتكلل تعبه بعلامات هي الأعلى ضمن صفه ينجح أخيرا بالالتحاق بمقاعد جامعة الطب، التي يحلم منذ صباه أنها بابه إلى الجنة.

الطبيب بصورته الأسطورية، المئزر الأبيض، ثوب العمليات الأزرق الفاتح، الحظوة والشعبية عند الجميع، الاحترام والتقدير وغيرها الكثير… لكن تلك الصورة ما تلبث أن تتحطم.

ثلاث سنوات من الدراسة النظرية، لا يستطيع خلالها أن يكون شيئا سوى ذاكرة بسعة محدودة تحفظ كما وتستوعب كما من المعلومات ثم ما تلبث أن تحذفها لتحشو غيرها. الكثير من الإهانات والطوابير التي يجب عليه أن يقف فيها ليحصل على حق ضاع بين أروقة الجامعة المظلمة.

ينتقل إلى المرحلة العملية، يحاول أن يستعيد ذاته، يحارب، يقنع نفسه أن الطب ليس وظيفة، إنه رسالة، لا يجب عليه أن يكتفي بالقيام بها كما يجب، بل أن يذهب إلى أبعد حد من تقديم المساعدة والنصح والدفاع عن الآخرين والتوسط لهم وفي خضم كل ذلك.. يفقد حياته، يبدأ أحباؤه وأقاربه في الانفلات من بين أصابعه، بين صديق ركب البحر وآخر أنهكه المرض، بين أب آثر الموت أن يريحه من عبء المسؤولية التي لم يستطع أن يتحرر منها لأن ابنه منشغل منهمك بدراسته التي لا تنتهي، بين أم أكل التهاب المفاصل كل جزء منها ولازالت تقف عند المجلى أو إلى آلة الخياطة تؤدي واجب الحياة وابنتها تغرق وسط تلك الأقلام الملونة تحاول صفها لعل المعلومات تترسب بذاكرتها ولا تتبخر.

بين كل ذلك تضيع زهرة عمره، تتلقفه المناوبات ويبدأ في مواجهة جزء من المجتمع، الجزء الناقم، أو الجاهل، أو المريض. الجزء الذي لم نعد نستطيع تشخيص حالته.

تبدأ المناوبة بأعمال متكدسة، بأعداد هائلة من المرضى يستقبلها مستشفى واحد لمنطقة كاملة يستقبلهم طاقم مناوبة من أربعة أو خمسة أطباء، ممرض واحد ورجل أمن واحد وجهاز أشعة واحد.

المناوبة، الأربع وعشرين ساعة التي يقضيها الطبيب في (الاستعجالات) ليعاين ما لا يقل عن خمس مائة مريض أحيانا كلهم حالات (مستعجلة) والتي لا تمر واحدة منها إلا وأصوات السب والشتم تتعالى لأن كل واحد من المرضى المستعجلين يريد أن يعاينه الطبيب فور وصوله.

يقضي اليوم كله يحاول إرضاء جميع أنواع الشخصيات التي تمر عليه، بين سوية ومريضة، يحاول فك النزاعات وتهدئة الزوجات اللواتي تثور على أزواجهن والأزواج الذين يشكون زوجاتهم والأطفال الذين يعنفهم آباءهم، متعاطو المخدرات، متعاطو الأمل الزائد، وبين كل هؤلاء يحل الثلث الثاني من الليل.

الثلث الأخير أحيانا يكون هادئا، بعض الأكل وبعض الراحة، في نفس المكتب الذي تطايرت فيه الدماء والقيء والسباب على طاولة رثة..على الخزانة الفارغة أو أسفل الكرسي الأعرج،ليحمل الطبيب أخيرا ماتبقى منه، منهكا تعبا يمضي إلى بيته يخاصم زوجته، ويطرد ابنه ليستطيع أن ينام قليلا.

في اليوم التالي عليه أن يعود إلى عمله، إلى معاينة المرضى وتضميد نفسياتهم، ليلتقي بصاحب التهكم الشهير: أليست وظيفتك؟

لوكان الطب وظيفة حقا، لما اختارها أي شخص على وجه الخريطة العربية على الأقل، على وجه الجزائر على وجه الخصوص.

الطب رسالة، فيها من التضحيات ما لا يعادله أي ثمن على هذه الأرض. اللحظات، الأعمار، الأحباء والأقارب، الصحة والعقل الذي نفقده خلال تلك المسيرة، لاشيء من شأنه أن يخفف وطأة كل هذا إلا الاحترام الذي نجده في عيون مرضانا أحيانا، أدعية صادقة تطهر القلب من أفواه خفف جهدنا أساها وألمها، وبعض ما ندخره لأنفسنا من أمنيات ونوايا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صحة, طب, مناوب
عرض التعليقات
تحميل المزيد