بعد إضراب تجاوز يومه الخمسين، لا زال الأطباء المقيمون والداخليون يشلون بشكل شبه كامل المصالح الاستشفائية للمستشفيات الجامعية في المملكة المغربية، فبعد دعمهم لطلبة الطب في إضرابهم عن الدراسة من أجل منع مرور قانون “الخدمة الإجبارية” الذي كان سيؤدي بكليات الطب إلى سنة بيضاء، استمر الأطباء المقيمون والداخليون في إضراب عن العمل في جل المصالح الاستشفائية باستثناء مصالح المستعجلات والإنعاش والأمراض السرطانية، إضراب جزئي من المرشح أن يتصعد في ظل عدم إيجاد حل وسط بين الحكومة المغربية والتنسيقية الوطنية للأطباء المقيمين والداخليين.

 

بداية من هم الأطباء المقيمون والداخليون؟

يطلق اسم طبيب داخلي على طالب كلية الطب الذي درس لمدة 6 سنوات ثم اجتاز مباراة امتياز، يتم اختياره فيها ضمن 40 طالبًا من أصل 400 ليبدأ دراسة تخصص معين، خلال هذه الفترة يعمل الطبيب الداخلي في المستشفى الجامعي في انتظار تخرجه النهائي، أما الطبيب المقيم فهو طبيب عام متخرج بعد دراسته لتسع سنوات يقوم بعدها بإجراء مباراة التخصص، ويشكل الأطباء المقيمون والداخليون النسبة الأكبر من العاملين في المستشفيات الجامعية في ظل وجود عدد غير كافٍ من الأطباء الأساتذة إذ لا توفر وزارة الصحة في المغرب سوى 3000 منصب مالي سنويًا توزع بين الأطباء والممرضين والصيادلة والمساعدين ورجال الإسعاف.

 

لماذا نهج خيار الإضراب؟

“مطالبنا مشروعة وتم المصادقة عليها منذ 2011” هكذا استهل القائمون على التنسيقية الوطنية للأطباء المقيمين حوارهم معنا، حيث أفادوا أن الملف المطلبي الحالي تمت الموافقة عليه سنة 2008 بعد إمضاء اتفاق مع وزيرة الصحة ياسمينة بادو، ليتم إمضاء اتفاق آخر سنة 2011 مع ياسمينة بادو أيضًا بنفس الشروط والبنود، هذه المحاضر التي توصلت “أخبار اليوم” لنسخ منها تم رفض تنفيذها من طرف الحكومة الحالية، ذات المصدر أكد: “الحكومة أخبرتنا أن تنفيذ هذه المحاضر الموقعة لن يتم، لأن الدولة كانت في مرحلة ضعف ولكن ليس الآن” في إشارة إلى الثورات العربية، فالمغرب وإن لم يعش نفس وضعيات دول كمصر وتونس وليبيا وسوريا، إلا أن الحراك في الشارع كان سببًا مباشرًا في تعديل الدستور، هذا بالإضافة الى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم ذو التوجه الإسلامي وصل إلى السلطة أساسًا بسبب هذه التحركات.

 

 

كم هي أجرة الطبيب المقيم والداخلي؟

لا تتجاوز أجرة الطبيب المقيم أو الداخلي أجرة شاب حاصل على الباكالوريا ويعمل في أحد مراكز النداء المنتشرة في مدينة الدار البيضاء، حيث يتقاضى الطبيب المقيم غير المتعاقد مع الدولة 3500 درهم (حوالي 330 يورو) هذا في حين يتقاضى الطبيب الداخلي 2400 (حوالي 225 يورو) درهم شهريًا مع زيادة 600 درهم (حوالي 56 يورو) مقابل حراسة المستعجلات، أما الطبيب المتعاقد مع الدولة فيتقاضى 8600 درهم (حوالي 807 يورو).

يعتبر الأطباء المقيمون والداخليون حسب تصريحات لجنتهم التنسيقية والمحاضر التي سبق توقيعها مع وزيرة الصحة أن الأجور التي يتقاضونها تعكس عدم إعطاء قيمة لدكتوراة الطب والتي هي دكتوراة عملية عكس الدكتوراة في المجالات والتخصصات الأخرى، حيث وحسب الملف المطلبي تعتبر الحكومة دكتوراه الطب كماجيستير في العلوم الأخرى وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأجر الشهري، أحد الأطباء المضربين قال أنه من صميم مطالبهم اعتبار دكتوراة الطب كالدكتوراة في أي مجال آخر، حيث يبدأ حامل الشهادة حياته العملية بأجرة لا تقل عن 12000 درهم (حوالي 1127 يورو) حسب الطبيب، مضيفًا: “مجموعة من القطاعات حصلت على زيادة في المرتبات وعلى سبيل المثال لا الحصر القضاة والأطباء البياطرة، الطبيب البيطري يحصل على أجر يضاعف أجورنا بثلاث مرات”.

حسب نفس المصدر، اعتبرت الحكومة الزيادة في الأجور حملًا ثقيلًا، مما حذا بالأطباء المضربين إلى طلب تعويضات عن الخدمات كالحراسة والتمريض في ظل نقص عدد الممرضين، عوض الزيادة الثابتة في الأجور، طلب قوبل بالرفض مرة أخرى في حين لم يتم صرف تعويضات الحراسة الإلزامية منذ سنة 2007 والتي تعتبر حسب اللجنة التنسيقية “هزيلة جدًا” إذ تتراوح قيمتها ما بين 4 و14 درهمًا للساعة (ما بين حوالي 0.38 و1.30يورو).

 

كيف هي التجهيزات في المستشفيات المغربية؟

تعيش المستشفيات المغربية خصوصًا الجامعية منها على وقع نقص حاد في جميع التجهيزات، نقص يمس جميع الأقسام، قسم المستعجلات والذي يعتبر من الأقسام “الساخنة” حيث يستقبل يوميًا الآلاف من المرضى والمصابين لا يتوفر على أجهزة ضرورية كجهاز قياس الضغط والسماعات الطبية وقارئ أشعة الفحوصات وجهاز قياس ضربات القلب، كل ما يتوفر عليه الأطباء العاملين في القسم هو الوزر الطبية والأقلام الجافة لكتابة لائحة الأدوية حيث يقوم كل طبيب على حدة بشراء أدواته الطبية ووزرته وقلمه لعلاج المرضى، كما يفتقد القسم الذي لم يمسه الإضراب نظرًا لأهميته أبسط أدوات الأمن الصحي كالصابون وأدوات التعقيم لتجنب نقل الأمراض من مريض لآخر.

أما في قسم القلب والذي ترتفع فيه نسبة الوفيات بشكل كبير مقارنة مع الأقسام الأخرى، فرغم وجود جهاز تخطيط القلب الذي يستعمل من أجل تحرير شرايين القلب المتوقفة، فالأطباء الذين يقومون بهذه المهمة لا يتجاوزون الثلاثة، ينتهي الدوام عند الثانية زوالًا، ليكون على طبيب الحراسة إنقاذ الحالات الحرجة الأخرى عن طريق دواء يندر توفره، فيصبح المريض أمام خيار الذهاب إلى المصحة الخاصة أو الموافقة على موت جزء من الأجزاء الثلاثة لقلبه.

الجدير بالذكر أن المستشفى الجامعي ابن رشد في مدينة الدار البيضاء يستقبل حالات تعجز المستشفيات في مدن مغربية أخرى عن علاجها نظرًا لانعدام التجهيزات.

 

ماذا عن الأمن؟

هاجس انعدام الأمن هو الآخر حاضر بقوة في جميع الأقسام في الفترة الليلية خصوصًا، مجموعة كبيرة من الأشخاص يتجولون ليل نهار في المستشفى دون أي رقيب في غياب تام للأمن، الطبيبات بصفة خاصة يتعرضن للسرقة والتحرش بشكل كبير خصوصًا ما بعد مباريات كرة القدم وفي شهر رمضان وليلة رأس السنة، طبيبة في قسم الأمراض التعفنية قالت لمنبر إعلامي أنها تتعرض للتهديد من بعض المرضى بالجرح  بواسطة أداة حاملة لفيروس السيدا إذا لم تستجب لطلباتهم.

 

أين وصلت المفاوضات مع الجهات المسؤولة؟

التنسيقية الوطنية للأطباء المقيمين والداخليين قالت في بيانات صحفية نشرتها أن الحكومة المغربية لا تملك الإرادة السياسية في التوصل إلى حل رغم التنازلات التي قدمتها، الأمر الذي سيدفعها إلى القيام بالتصعيد لشل أقسام لا زالت تعمل على الأقل حتى الآن، في تحد واضح للحكومة المغربية ووزير الصحة الحسين الوردي الذي قال في أكثر من حوار صحفي أن مطالب الأطباء معقولة لكنها غير ممكنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد