تختلف التنظيمات العمالية عن النقابات المهنية في مدي التجانس الطبقي لعضويتها فبينما نشأت التنظيمات والنقابات العمالية من أسفل بإرادة مكونيها كمحاولة من العمال لإعادة تنظيم أنفسهم في مواجهة مبدأ المنافسة المفروض عليهم من الإدارة وتوحيد صفوفهم بهدف الدفاع عن حقوقهم والسعي لتحسين شروط العمل في مواجهة أصحاب العمل وفقًا لمبدأ الحرية النقابية نشأت النقابات المهنية من أعلى بقانون لتتسع مظلتها وتشمل العاملين بأجر وأصحاب العمل ويكون الانضمام لها شرط أساسي لممارسة المهنة.

ومن النماذج المهمة للنقابات المهنية في مصر نقابة الأطباء “دار الحكمة” التي تضم عضويتها كافة ممتهني الطب بداية من وزير الصحة والأستاذ الجامعي ومدير المستشفى العام وصاحب المستشفى الخاصة وأصحاب العيادات وحتى ممارسي المهنة من العاملين بأجر في القطاعين العام والخاص وكان لهذا التركيبة غير المتجانسة أكبر الأثر في إضعاف أي إمكانية لخلق تماسك علي مجموعة من المطالب الواضحة والناجزة والتوافق على آليات لتنفيذها نظرًا للتناقض في المصالح بين مكوناتها فمثلًا صاحب المستشفى الخاص لن يقبل بتحسين مستوى الخدمة بالقطاع الحكومي أو عمل تأمين صحي شامل بالمجان أو عمل كادر خاص للأطباء العاملين بأجر فهذا يتعارض مع مصالحه المباشرة ويقتطع جزءًا من أرباحه.

وتاريخيًّا نشأت نقابة الأطباء على يد علي باشا إبراهيم وزير الصحة عام 1940، وكان هو أول نقيب لها ويوضح هذا مدى التداخل بين نقابة الأطباء ومؤسسات الدولة ثم وفي الحقبة الناصرية جرى التأطير القانوني لها من أعلى بالقانون رقم 45 لسنة 1969، واللائحة المنظمة رقم 235 لسنة 1974، لذا كان من الطبيعي أن ينحاز هذا القانون وهذه اللائحة للدولة التي أصدرتهما ليجعلا منها مرجعية دائمة للنقابة، ويضمنا رقابة صارمة منها على أداء مجلسها وسيطرة كبيرة على عضويتها وبالفعل حمل القانون 45 الكثير من ملامح المرحلة التي أنتجته فهو يشترط في مادته (1) على أن النقابة تباشر نشاطاتها في إطار السياسات العامة للاتحاد الاشتراكي ووفقًا للمادة (3) لا يجوز مزاولة المهنة بأية صورة من الصور، إلا بعد القيد في الجدول العام للنقابة والتسجيل بالنقابة الفرعية كما أن استمرار القيد شرط من شروط مزاولة المهنة، ولا يمكن تعديل هذا القانون سوى من الجهة التشريعية، كما أن اللائحة المنظمة رقم 235 تنص على عدم جواز تعديلها إلا بعد موافقة وزير الصحة؛ مما يعطي للدولة الوصاية الكاملة على قرارات الجمعية العمومية والتي يفترض أنها السلطة العليا داخل أي تنظيم نقابي.

وكما قامت الدولة عبر القانون واللائحة بتحديد الإطار القانوني العام لأداء نقابة الأطباء قامت بدور أكبر في رسم القالب القانوني الذي تجري في إطاره الانتخابات النقابية عبر نفس اللائحة والقانون بما يصب في صالحها، فوفقًا للمادة (18) من قانون 45 “يشترط على المرشحين في النقابة العامة وعددهم 6 أعضاء فقط كل تجديد نصفي الترشح في كل أنحاء الجمهورية”، بما يعني الوصول لما يزيد عن 230 ألف طبيب موزعين على 29 محافظة من الإسكندرية وحتى أسوان؛ مما يعني استحالة الوصول لجموع الناخبين دون تنظيم قوي وقدرات مالية عالية.

وكذلك مندوبي القطاعات فمندوب قطاع شرق الدلتا مثلًا وهو واحد فقط في كل تجديد نصفي يجب عليه الوصول للأطباء في 8 محافظات وهي (دمياط – الدقهلية – الشرقية – بورسعيد – الإسماعيلية – السويس – شمال وجنوب سيناء – البحر الأحمر) كما أن المرشحين بالنقابة الفرعية وعددهم أربعة أعضاء كل تجديد نصفي لم يراع أثناء تحديد أعدادهم وآلية اختيارهم لتمثيل الإدارات الصحية والمستشفيات الكبيرة ودون حتى مراعاه للفارق بين المحافظات الصغيرة والمحافظات الكبيرة.

كما تنص المادة رقم (41) من اللائحة المنظمة علي إقامة الانتخابات بصناديق اقتراع في النقابة الفرعية فقط مما يضع عقبات أمام التصويت خاصة في المحافظات الكبيرة، كما يسمح للقوائم المدعومة من التنظيمات الكبيرة أو المدعومة من الدولة بالحشد بالأتوبيسات يوم الانتخاب، مما يخلق حالة رهيبة من الزحام والتكدس أمام صناديق الاقتراع ويدفع بعض الأطباء خاصة غير المسيسين للملل والنفور من المشاركة.

يضاف إلى ذلك فوضى القيد بالنقابة وأعداد المسافرين والمتوفين، مما يعني ضمنيًّا أن الأكثر قدرة على الوصول لإدارة النقابة في الغالب هم، أما قوائم المدعومين من الدولة أو من أصحاب المستشفيات الكبرى أو من مديري المستشفيات والمديريات والذين تم اختيارهم للمناصب وفقًا لتقارير أمن الدولة أو تنظيم قوي مثل تنظيم الإخوان المسلمين في السابق.

وضع كل هذا عقبات مالية وتنظيمية وجغرافية صعبة أمام المرشحين خاصة غير المدعومين من الدولة أو تنظيم قوي وفتح الباب للتحالفات الانتهازية اللامبدئية كما أنه سهل من إمكانية عزل المرشحين عن ناخبيهم حال فوزهم، مما يجعلهم فريسة سهلة للدولة والبيروقراطية الحكومية والنقابية وسمح ببقرطة العملية النقابية، خاصة وأن القانون تجاهل متعمدًا حق سحب المندوبين النقابيين في حال عدم رضاء الناخبين عنهم وأيد استمرارهم حتى إكمال مدتهم.

كان إقرار هذا القانون وهذه اللائحة في الستينيات والسبعينات جزءًا من سياسة عامة استخدمتها دولة ضباط يوليو لتأميم الحركة النقابية كجزء من تأميم الحراك الجماهيري بالكامل وإلحاقه بالاتحاد الاشتراكي، ولم يجد مقاومة وقتها نظرًا لتمتع الأطباء في تلك المرحلة بدفء الطبقة الوسطى عماد المشروع الناصري.

واستخدمه من بعده الحزب الوطني للسيطرة على مجلس النقابة، ولكن مع دخول الإخوان اللعبة في الثمانينيات كفصيل قوي معظم عضويته من أبناء الطبقة الوسطى الناقمة على نظام مبارك الذي سحب الكثير من مكتسبات هذه الطبقة ونجاحه باكتساح في انتخابات 1992 قام النظام باستخدام تكتيكان لوقف تقدم الإخوان.

الأول كان تمرير القانون 100 لسنة 1993، والذي عطل الانتخابات واشترط لإجرائها موافقة رئيس محكمة جنوب القاهرة، أو عقد جمعية عمومية تضم 50% من أعضاء الجمعية العمومية للنقابة أي ما يزيد علي 100 ألف طبيب (إستاد القاهرة يتسع لـ80 ألفًا فقط)!! مما منع قيام انتخابات حتى سقوط القانون بقرار المحكمة الإدارية العليا الأول من يناير 2011، وبعد الحكم مباشرة كان يتم الإعداد لقانون أشد للمناقشة والإقرار بتاريخ 23/1/2011، ولكن قيام الثورة حال دون ذلك وأعادنا إلى قانون 45 لسنة 1969، والتكتيك الثاني كان فرض الحراسة على بعض النقابات المهنية مثل نقابة المهندسين.

بعد ثورة يناير وسقوط مبارك وانكشاف عظام دولته خلت الساحة لجماعة الإخوان المسلمين كتنظيم وحيد قوي يستطيع توظيف القانون لصالحه، فقام الإخوان باستخدام نفس القانون واللائحة لاحتكار الحركة النقابية بقطاع الأطباء، ووقفوا حجر عثر دائم أمام كل المحاولات الرامية لتعديلهما وإعادة هيكلة العملية النقابية داخل نقابة الأطباء بما يوسع من مساحة المشارك القاعدية والتمثيل داخل المجالس الفرعية والمجلس العام ويسمح بحق سحب المندوبين.

وبعد سقوط الإخوان بانقلاب 3 يوليو 2013سياسيًّا، وتحقيق حركة أطباء بلا حقوق للأغلبية داخل المجلس العام لنقابة الأطباء في 13 ديسمبر 2013، لم تسع الحركة جديًّا لتعديل المواد وتقليص دور الدولة والتوسع في التمثيل القاعدي بما يتواءم مع الأعداد الحالية للأطباء، بل على العكس لاحظنا بيروقراطية وتشبث شديد من قبلهم بالنصوص القانونية واللائحة التي وضعتها دولة ضباط يوليو وتمسك بها الإخوان بعد الثورة، وقد يفسر ذلك أن قيادات التنظيمات العمالية والمهنية يختلف وعيها باختلاف المناخ الاجتماعي السائد، ففي ظروف الثورة يتلاشى الحد الفاصل ما بين الوعي النقابي التفاوضي، وما بين الوعي الثوري، ولكن في الأوقات غير الثورية تبدأ المسافة في الاتساع وتبدأ البيروقراطية النقابية في الظهور، حيث يتحول النقابي إلى وسيط بين العمال والإدارة، وهذا يقوي من مركزه داخل الجهاز النقابي، فيصبح جوهر العمل النقابي لديه هو تقديم التنازلات والمصالحة ما بين العمال وصاحب العمل، وهذا يظل دائمًا رهين ميزان القوى ما بين الدولة والرأسماليين من جهة، وما بين القواعد العمالية من الجهة الأخرى.

والآن وبعد أربعة أعوام على الثورة المصرية تجري هذه الأيام انتخابات التجديد النصفي لنقابة الأطباء وفقًا لنفس اللائحة والقانون في لحظة جذر ثوري شديد وتصاعد لحدة القمع الأمني بشكل غير مسبوق في تاريخ مصر؛ مما يجعل من سعي النقابيين الثوريين لتعديل هذا القانون وهذه اللائحة بما يسمح بأكبر تمثيل قاعدي ممكن ضمانة لوقف بقرطة العملية النقابية وإعادة ترتيب أولويات العمل النقابي داخلها لصالح العاملين بأجر كما أن مشاركتهم في العملية الانتخابية رغم العوار القانوني واللائحي هي أحد الوسائل الهامة لتفعيل الدور النقابي بين عموم الأطباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد