«لا وجود لمنتصر بين الشعوب في الحروب الأهلية والدينية؛ الكل يخسر».

لنعد بالتاريخ الإنساني للحروب الدينية الأوروبية منذ منتصف القرن السادس عشر وبالقرن السابع عشر وما لحق ذلك من تغيرات؛ لقد حطمت الشعارات المذهبية قلوب الشعوب الجاهلة الجائعة حتى صورت لهم الجنة والخلاص لا وجود له على الأرض، فلنتجه إذًا لعدالة السماء. هكذا بدأ الأمر ملحميًا وشاعريًا في قداسته لكن سرعان ما تحول لوجهه القبيح الذي أعلن أن أصل ما تعانيه تلك الشعوب هو نمط تدينها الجاهل السلطوي وحكامها المستبدون المتربحون بمصالحهم من وراء الحروب، وأنه من الممكن أن تعيشوا على الأرض بدلًا من تسريع وتيرة الزمن بانتحار يوصلكم للسماء، فشربت الأرض من دماء الملايين وعندما ارتوت لم يجد أبناؤهم أوطانًا للحياة ولا وجد الدين بعد ذلك مكانًا في قلوب أغلبهم!

هذه هي أوروبا قبل خمسة قرون من الآن؛ غارقة في دماء، تمزقت حرفيًا بين البروتستانت والكاثوليك فكان الانقسام الجغرافي والديني بين أوروبا الشمالية الإسكندنافية الجرمانية الإنكليزية «بروتستانتية» وبين أوروبا الجنوبية اللاتينية «كاثوليكية» لتدور على أثر ذلك أعنف وأشد الحروب الدينية المذهبية في التاريخ الإنساني حتى يومنا هذا؛ مئات الألوف من المهجرين، عشرات المدن المدمرة، ملايين من القتلى، إبادات وتطهير «مذهبي» لبلاد بأكملها؛ ذلك التاريخ الدموي الأوروبي المسيحي في أحد فصوله الطويلة ما قبل الحداثة والتنوير ونتائج النهضة التي لم نستفد منها ولم نقرأها لنتجنبها في حاضرنا الإسلامي وأوطاننا المتخلفة المتداعية بالشرق الأوسط.

لذلك سنلقي بالضوء على تلك الفترة بلمحة خاطفة لننتقل منها لواقعنا الإسلامي العربي لنصدم عاطفتكم المذهبية المشتعلة من «لا شيء» ونرجع في هذا المقال لوعي حقيقي يكشف لنا موقعنا من حتمية التاريخ الإنساني الذي يؤكد لنا أن مشاكل الأوطان تبدأ من الاستبداد والجهل وتنتهي على مذابح الكهنة باسم الدين الذي هو بدوره بريء من استخدامه في قتل الآخر.

فمن حرب الثلاثين عامًا بألمانيا للحروب الدينية الثماني في فرنسا لحروب مذهبية كاثوليكية بروتستانية بأغلب مدن أوروبا ومقاطعاتها وأريافها، وصولًا لمئات الألوف من الضحايا بكتالونيا وإيطاليا والنمسا والسويد وبلجيكا وهولندا؛ تشكلت خارطة دماء باسم الرب واختلاف المذهب وفي باطنها مصالح ملوك وكنائس وسيطرة على مدن وأراض وأموال، ومع وجود اختلافات جوهرية بين مذاهب المسيحية أدت للزيادة في وتيرة التكفير والهرطقة والاتهام بالخروج من الدين القويم، ومع تفشي الجهل والسلطوية والإقطاع، كانت نتائج تلك الحروب منطقية لحد بعيد. لدرجة أنه في مذبحة واحدة يقتل ثلاثين ألف شخص؛ هكذا كانت الأرقام المزلزلة ومن هنا تعلمت أوروبا الكثير جدًا لمستقبلها المتعايش الآن بين مختلف المذاهب والأديان والأعراق. وصلوا لذلك بتطور حتمي نال جوانب أهم للحياة كالسياسة والعلم ولكن المحزن أن كثرة استخدام «اسم الدين» للقتل والبطش والتسلط والاستبداد أدى بجموع الشعوب الغربية للفرار شبه الكامل من كل ما يمثله الدين في حياتهم. فهل يريد المسلمون والعرب أن يصلوا لتلك النقطة الحتمية إن استمروا في إشعال الطائفية والحروب المذهبية وتجاهل الاستبداد من مشكلاتهم؟

هل هناك اختلاف أصولي بين السنة والشيعة كالذي أدى لحروب كنسية بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذوكس؟

هل تعاني منطقتنا في الشرق من انعدام حلول التعايش وهي نبع الأديان وموطن التعايش منذ فجر التاريخ؟

– في الحقيقة ذلك المقال مُقدم لمن يريد أن يعي ويفهم، أما دعاة الكراهية وجيوش الطائفية فلن يعجبهم عرضي المحايد عن تاريخنا وحاضرنا؛ ولن يستوعبوا أن من حق الشيعي والسني واللاديني والمسلم والمسيحي والملحد واليهودي أن يعيش بنفس الوطن تحت حكم حر ديمقراطي بقوانين تساوي بين الجميع أمام العدالة؛ لن يروق تجار السلاح والهاربين من إحباطهم في زي الإرهاب وأباطرة المذهب ووعاظ السلاطين أن يخرج أحد ليتكلم بنبرة هادئة ضد الحرب المذهبية أو حتى ضد الكراهية والعنف اللفظي بين المذاهب والأديان.

لذلك سنتجنب هؤلاء ونوسع دائرة الوعي ونبدأ في سلسلة متعاقبة تعريفات لأبناء المذاهب الدينية في المنطقة العربية وملحقاتها الشرقية؛ لنتعرف على الشيعة والسنة من منطلق آخر يخص اختلافهم المذهبي في حجمه الطبيعي وما هو مستوى التهديد الوجودي لذلك الاختلاف على واقع أوطان المسلمين الذين تعايشوا بكل تلك الاختلافات لعشرات المذاهب والفرق منذ بداية التاريخ الإسلامي وصولًا لما قبل آخر ثلاثة عقود بدأت من خلالهم فترة ملحمية تحضر تلك المنطقة لتقسيم وإعادة تعريف لكل مذهب وعرق ودين داخل كل مدينة وكل وطن!

– سنبدأ من المشهد الأخير «الثورة الإسلامية في إيران والجماعات السلفية والمد الوهابي من السعودية».

لم تسمع كثير من المجتمعات الإسلامية عن شعارات الكراهية للآخر أو حتى مسمى المذاهب خارج أوساطها الأكاديمية قبل أن تقوم الثورة التاريخية في إيران، وبالتالي تغير علاقة إيران «شاه محمد رضا بهلوي» المخلوع بالغرب ككل وأمريكا وإسرائيل والخليج بشكل خاص؛ فتحت ملفات قديمة نظرًا لتورط تلك الأنظمة مع نظام الشاه الفاسد الديكتاتور الذي عانى منه الشعب الإيراني عقودًا أذلتهم وطمست هويتهم وأفقرت أغلبهم، وما بين نزعة التدين «الشعبي» لإيران واستخدام الدين محركًا جوهريًا لثورتهم وما بين مناداتهم بالاستقلال الوطني عن الخارج أخذت الثورة تتشعب لمراحل أبعد بكثير من مجرد تغيير جذري في بلد ما بعد ثورة كبرى؛ فإيران الشيعية في أغلبها منذ بدايات الإسلام كانت هي شرطي الخليج وحارسه عندما كانت خادمة لأمريكا وإسرائيل، لكن بعد الثورة اكتشفت أنظمة الخليج فجأة «شيعية إيران»! لتنطلق من هنا بداية التحريض ضد إيران الثورة والعدو لأمريكا حتى ولو ظاهريًا وفقًا لمصالحها فيما بعد؛ لإيران الشيعية التي تحارب الخليج السني!

ومن الجبهة الأخرى تحولت مصالح إيران الدائمة في العراق والبحرين ومجمل الخليج واليمن لادعاء مذهبي برعاية أتباع الإمامة خارج أرض دولتهم، وبمحاولة مضنية لتصوير تدخلهم في دول أخرى لحفظ مصالحهم وردع منافستهم بالمنطقة إسرائيل لشعارات تحمل التشيع فوق ما يحتمل؛ فها هم رعاة المظلومين وأصحاب المصالح الإقليمية نفسها سواء ما قبل الثورة أو ما بعدها يتعاملون اليوم من تحت عمائم الولي الفقيه؛ ليتسنى لهم استعطاف شيعة دول الخليج والعراق والشام لصفهم ليخلقوا توازنًا إقليميًّا، لكن تلك المرة لا على أسس مصلحة وتعاون مع أمريكا كما كان يفعل دومًا الخليج والنظم المشابهة، بل تحت شعار «التشيع ونصرته»، وهنا مكمن التغذية المستمرة للصراع الطائفي حتى يومنا هذا.

– أما على جانب المصالح الاقتصادية والتوسع الإقليمي، فلا شيء تراهن عليه الدولتان المتخندقتان في جبهتي «التسنن والتشيع» سوى الشعارات التي تسقط قداستها الاعتبارية دينيًّا أمام كل مصلحة جديدة ينالها أحد الأطراف؛ فعندما تكون المظلومية مع عدوي «الطائفي» فأنا مع الظلم قلبًا وقالبًا. هكذا أعلنتها إيران بموقفها بجوار نظام الأسد في سوريا، وهكذا أعلنتها السعودية بكل ما تفعله في اليمن منذ حرب عاصفة الحزم. وسنجد مراكز بحثية غربية وصناعة مخابراتية فعالة تدور ليل نهار خلف تحويلنا لدول مفككة ومنطقة صراع ديني وجودي لكي لا يبقى الكيان الإسرائيلي وحده يتكلم باسم الدين والعرق، فكما هناك صراع تقوده الصهيونية باسم اليهودية لابد أن تتحول نفس الشعارات داخل أروقة الفكر الإسلامي وأوطان العرب لحروب باسم الإسلام وباسم المذهب، وكذلك باسم النقاء العرقي كالحرب التي يقودها الأكراد للاستقلال بأمتهم التاريخية في وطن مجاور للعرب مقتطع بين دولهم ودول إسلامية أخرى كإيران وتركيا. ذلك الصراع يصرح به في الأوساط الحكومية والأكاديمية الغربية وقاله كسينجر نفسه. فسابقًا نشرت صحيفة صنداي تايمز مقتطفات من كتاب «النظام العالمي» لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في مقال بعنوان «حريق أعظم من حروب الدين في أوروبا» لتحليل الأوضاع في العالم في ظل التغيرات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط وكان يشبه فيه الحروب الحالية بالمنطقة بحروب أوروبا الدينية!

والآن تجد المنطقة نفسها بين صراع ينذر بتفكك دول هامة جدًا لتلك الأمة ولتماسك الشرق ككل، كسوريا والخليج والعراق واليمن، ويجد المسلمون في بلاد أخرى وعاظ الكراهية ودعاتها يخرجون عليهم ناعقين بالكراهية وبث التحريض على الاقتتال أو في أضعف الإيمان تحفيز طائفي لاتباع كل مذهب. ومع تنامي وسائل الاتصال وسرعة نشر الإشاعات وجدنا المنطقة يعاد تشكيلها بأسس عرقية ومذهبية كانت في مأمن منها والآن تواجهها بشكل يصعب الرجوع عنه إلّا في حالة واحدة تتلخص في (إنهاء الاستبداد ونشر دول القانون والمواطنة ومعرفة كل منا لمذهب الآخر بعيدًا عن التشويه والتحريض)؛ معرفة تدعو لتفهم ما أنت عليه وما أناعليه وكل منا له الحرية في اعتقاد ما يشاء، دون تشنج أو حمل سلاح ضد بعضنا البعض؛ لننزع القداسة من حروب المصالح ودول الفساد ليقتتلوا بأنظمتهم المستبدة الفاسدة لكن بدون إقحام مذاهبنا وديننا وبدون أن يستخدموا أغبياء أعمتهم شعارات نصرة المذهب ليلقوا بأنفسهم في خضم تحارُب أرباب المصالح المالية والأطماع والتحالفات الإقليمية.

وإن كان ليس بيدنا فعل كل ما سبق اليوم، يكفينا أن نبدأ بالتوعية لنسمع من بعضنا البعض من نحن وهل من الممكن أن يقضي طرف على آخر أو يحوله لمذهبه مهما تكبدت أوطاننا من ضحايا؟!

لنبدأ إذن بمعرفة من هم الشيعة تاريخيًا وواقعيًا وفرقهم ووجودهم الديموجرافي بأوطان عربية عديدة منذ فجر الإسلام وحتى يومنا، وما هو التاريخ المشترك الذي نحتاج لتطهيره ونقده لكي نعيد تشكيل اختلافنا بحجمه الطبيعي وأصولنا المشتركة من ناحية العقيدة والأركان الدينية؛ في المقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المذاهب
عرض التعليقات
تحميل المزيد