كلمة “مذهب” من أكثر الكلمات التي نقابلها في حياتنا، وحديثنا اليومي يمتليء بالكثير من أسماء المذاهب في كل فروع المعرفة، والمجالات التي قد نتصور أنها بعيدة عن المذاهب مثل الفيزياء والهندسة والطب، مع دراستها والتعمق فيها نكتشف أنها أيضا ملئية بالمذاهب والنظريات.

وأصل معنى كلمة “مذهب” هو ما ذهب إليه فلان، أي: ما يراه فلان، فالمذهب يبدأ بوجهة نظر شخص أو مجموعة قليلة من الأشخاص في قضية فكرية، ثم يتابعهم مجموعة أكبر من الناس في وجهة نظرهم وأسلوب تفكيرهم.

 

وقد نتعرف على من يقولون إنهم لا يؤمنون بالمذاهب، لأن المذاهب تفريق للأمة، أو لأن المذاهب ماتت، فهذا الرأي أيضًا هو مذهب من المذاهب، وهؤلاء هم أصحاب المذهب الذي لا تعجبه المذاهب. وعادة ما يكون هذا الرأي طريقة غير مباشرة للإعلان عن عدم رضاهم بأي من المذاهب الموجودة، وأنهم يعلنون حاجتهم لتأسيس مذهب جديد خاص بهم.

لماذا تنشأ المذاهب؟ ولماذا يتبعها الناس؟
لأن الناس ترتاح أكثر عندما تفكر في القضايا الكبرى باستخدام أساليب تفكير جاهزة سبق اختبارها مجتمعيًّا، ويؤمنون أن الأفكار الكبيرة مثل العقائد ونظم الحكم ومعاني الخير والشر لا يصلح لها التفكير الفردي التلقائي، ولا حتى التفكير العلمي المنهجي، ويطمئنون أكثر إلى أسلوب التفكير وفق الأنظمة الجاهزة؛ أو “اسطمبات” وقوالب التفكير التي تم اختبار صلاحيتها بواسطة المجتمع، وتحوز على موافقة من نثق بهم.

 

والسبب الآخر أن الأفكار الكلية ومناهج التفكير محدودة العدد، فمثلاً عندما نريد فهم نص ديني سنجد أن الاختيارات الرئيسية المتاحة: أن نتعامل مع ظاهر النص – أو مقصود النص – أو ما وراء النص – أو أن نهمل النص، وغالبية محاولات التفسير ستدور حول تنويعات من هذه الطرق الأربعة للقراءة، وأن إنتاج طريقة خامسة أو سادسة ليس يسيرًا دائمًا، وبالتالي سيجد كل إنسان نفسه سائرًا خلف أحد هذه المناهج أو ما يشابهها في فهم النصوص، سواء أكان مدركـًا لذلك أو غير مدرك.

 

ذ2

المذاهب تعمل كإطارات سابقة التجهيز تحدد أسلوب فهمنا ورؤيتنا للحياة (*)

فالمذهب إذن هو نظام جاهز للتفكير وللمعرفة،
ومكوناته هي مكونات منظومات التفكير الأخرى نفسها،
ويجمعها ما يسمى بالنظام المعرفي.

مكونات النظام المعرفي للمذهب:
من أول من حاول اكتشاف مكونات منظومات التفكير وإنتاج المعرفة الإمام “أبو حامد الغزالي”، وشبّه إنتاج المعرفة بالشجرة المثمرة التي تستمد المعرفة من المصادر وتنتج الثمار المفيدة في صورة معلومات، ويتكون النظام المعرفي عند الغزالي من 3 مكونات رئيسة: مصدر – عملية الإثمار – الثمار (**) واستمرت من بعد “الغزالي” محاولات استكشاف مكونات المنظومة التي نعمل من خلالها لإنتاج المعارف، ونراها في هذا المقال كما يلي:

(1)
مصادر المعرفة:
المصدر المعرفي مثل الأرض الخصبة في نموذج المعرفة عند “الغزالي”، ومصادر المعرفة عند أغلب البشر لا تخرج عن نوعين:

 

الكون:
الذي نستمد منه معارفنا عن الطبيعة والأحياء والبشر.

 

والوحي:
أو النصوص الموحاة الذي نستمد منها المعارف وما يتجاوز حدود إدراكتنا وحواسنا.
وأصحاب المذاهب المادية لا يعترفون سوى بالكون المادي وما تدركه حواسنا. أما المتدينون فيأخذون بالمصدرين.

(2)
خطة الإنتاج (المنهج):
وهي خطة استخراج المعارف من المصادر، ويستخدم البشر في هذه الخطة: “أدوات” و”أساليب” للحصول على المعارف:

 

والأدوات الرئيسة للمعرفة هي ما نملكه من حواس مثل السمع والبصر واللمس، ثم العقل، وهو أداة تقوم بالعمليات الأكثر أهمية مثل الحفظ والاسترجاع، كما يقوم العقل بعمليات المعالجة المعقدة مثل الفك والتركيب والترتيب. وينتج عن هذه المعالجات صور جديدة من المعارف مثل الأفكار الكلية المركبة كالحرية والكرامة والحب والكراهية، فهي أفكار لا يوجد تجسيد مادي لها في الواقع، ولكننا ندركها بعقولنا.

أما الأساليب فهي الإجراءات التي نمارسها لإنتاج المعرفة ومشاركتها مع الآخرين، بعض هذه الأساليب “عقلية” مثل: الاستقراء، والاستنتاج، والقياس. وبعضها “اجتماعي” أي تتم بصورة جماعية مثل: الشورى، والجدل، والعصف الذهني. والصنف الثالث “عملي” مثل التنقيب، والتجريب، والقياس.

 

وعندما نتحدث عن المنهج الفكري فنحن نقصد الخطة العامة لاستخدام هذه الأدوات والأساليب. والمنهج عنصر مهم جدًّا في بناء النظام المعرفي لأي مذهب، لذا نجد من يسمون المذهب منهجًا فكريًّا، أو من يعتبرون أن المذهب هو طريقة للتفكير.

(3)
المنتجات أو الآراء والحلول:
وهي الثمار المعرفية في نموذج “الغزالي”، وتأخذ هذه المنتجات شكل الأفكار والآراء والحلول العملية التي تنتج عن المذهب، وهي على نوعين رئيسين:

 

الأفكار الكلية:
وهي مجموع إجابات الأسئلة الكبيرة مثل: ما أصل الكون؟ وما نهاية الحياة؟ وهل هناك خالق؟ وهل هناك شيء بعد الموت؟ والإجابة على هذه الأسئلة تكوّن معًا أربعة مجموعات رئيسة من الأفكار: التصور العام للحياة، ومنظومة المعتقدات، ومنظومة الأخلاق والقيم، والمنظومة الاجتماعية.

 

وهذا المنتج مهم جدًّا ، لأنه يؤثر في بناء المنهج والأساليب التي نستخدمها في التفكير، كما أن معتقداتنا توجهنا للمصادر التي نقبلها أو نرفضها، فهذه التصورات تعمل بطريقة التغذية الراجعة feedback أي كمصدر ثانوي للمعرفة.

 

ولذا نجد أن كثيرًا ممن يكتب في نظرية المعرفة يتعامل مع “التصورات الكلية” كما لو كانت هي كل النظام المعرفي، ويصف البعض الآخر المذهب بأنه مجموع ما يتصوره الإنسان.

 

الأفكار الجزئية:
وهي باقي الأفكار والآراء والحلول التي يستخدمها البشر في حياتهم مثل الآراء الفقهية للعبادات، أو الحلول الاقتصادية والسياسية، والعلوم التطبيقية مثل الهندسة والطب والزراعة والقوانين وغيرها.
وهذا النوع الأخير من المنتجات هو الأكثر شعبية، وهو الذي ينشغل به الناس ويقومون بالحكم على أي مذهب من خلاله، لأنه أكثر مكونات المذهب ظهورًا و قربًا للحياة العملية.

(4)
الدافع والغاية:
ويمكن تصورهما كمكون مستقل، أو ضمهما للمنتجات كأحد أهم منتجات المذهب، فالغاية من الحياة ومن المعرفة عند المؤمنين بالديانات السماوية هو المزيد من الأعمال الصالحة ورضا الله والسعادة الأخروية، أما عند الماديين فالبعض منهم ينكر وجود الغاية والهدف، ويؤمنون أنه لا معنى ولا هدف من الحياة، والبعض يقصر هذا الهدف على المزيد من ملذات الحياة.

 

ذ3

مقارنة بين مكونات النظام المعرفي للمذاهب الإسلامية والمذاهب المادية:

 

الخاتمة:
ومما سبق يمكننا أن نستنتج الفارق الجوهري بين مذهب وآخر هو المجهود البشري الواعي أو غير الواعي المتمثل في المنهج والتصورات العامة، وفي الغاية أو النية.

 

ولذا عندما نسمع داعية يقول: أن مذهبي القرآن والسنة، فقد وضح أن المصدر وحده ليس مذهبًا، فكثير من المذاهب المتعارضة يمكن أن تستمد معارفها من مصدر واحد، وأغلب المسلمين يتفقون على مصدرية القرآن والسنة، ومع ذلك يختلفون في مذاهبهم، لأن ما يميز مابين المذاهب هو الإضافة البشرية.

 

وأيضا نستنتج أن تقييم مذهب أو مفكر حسب منتجاته الفكرية، وأنه قال رأيًا يعجبنا أو لا يعجبنا، هو تقييم ناقص مبني على جزء من نظامه المعرفي، وعندما نسمع من يقول أنه يرفض الليبرالية لأنها ستؤدي لعدم تحجب النساء، أو من يرحب بها لأنها تحمي حقوق الأقليات وتشجع الإبداع، نعرف أنها آراء مبنية على جزيئات ناقصة، والحقيقة أنه لا ينبغي التركيز على الآراء والحلول لأنها وقتية ومتغيرة وذاتية، وأن الأقرب للعدل والعلم عند تقييم مذهب أو مفكر أن نحاول رسم خريطة النظام المعرفي الكاملة له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(*) البنك الدولي – رسم توضيحي من تقرير عن التنمية في العالم 2015
(**) أبو حامد الغزالي – المستصفى – كتاب في أصول الفقه
عرض التعليقات
تحميل المزيد