عاشت تونس صباح الأمس على وقع خبر وفاة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، لم يكن الخبر عاديًّا؛ إذ أثار قلقًا كبيرًا في البلاد والإقليم، قد يرد ذلك إلى موقع الباجي قايد السبسي – رحمه الله- ولكن أيضًا لما كان يمثله من رمزية للاستقرار والتوافق في البلاد.

تطرح الآن العديد من الأسئلة المتعلقة بحكم تونس بعد الشغور الحاصل في منصب رئيس الجمهورية، والدستور التونسي في هذه الحالة واضح، إذ يبين الفصل 84 من الدستور أنه في حالة الشغور النهائي يتسلم رئيس البرلمان رئاسة البلاد لمدة أدناها 45 يومًا، وأقصاها 90 يومًا، ليجري خلال تلك المدة انتخاب رئيس جديد.

أعلن السيد محمد الناصر رئيس البرلمان أنه سيتولى رئاسة الجمهورية، وفق ما يقتضيه الدستور، كما سيقوم الأستاذ عبد الفتاح مورو بمهام تسيير البرلمان، وقد أدى عصر الأمس القسم الدستوري أمام مكتب مجلس نواب الشعب.

يبقى السؤال الأهم اليوم من قبل مختلف المتابعين متعلقًا بكيفية حكم البلاد خلال هذه الفترة، هل ستعود حالة التجاذب التي سبقت التوافق؟ أم ستبحث النخبة عن تحالفات جديدة لتحقيق الاستقرار المنشود؟ هل ستنتهي حالة التوافق بين الإسلاميين والعلمانيين، التي نجحت بموجبها التجربة التونسية في تخطي العديد من الصعوبات؟ أم ستعود تونس بعد وفاة الرئيس الباجي إلى مربع الصراع الأيديولوجي؟ وإن ذهبت النخبة في تحالفات جديدة فما مكونات هذا التحالف؟

أطراف التوازن من البلاد

تبقى حركة النهضة أحد أركان التوازن في تونس؛ لما تمثله من قوة في البرلمان والشارع، إذ إنها القوة الأولى في البرلمان والحزب السياسي الأكثر قوة وتنظيمًا في البلاد، كما من المهم أن يواصل الاتحاد العام التونسي للشغل لعب دوره الوطني الذي عود به التونسيين في مختلف المحطات التاريخية التي مرت بها تونس، ومطالب من الاتحاد اليوم العمل على تحقيق الاستقرار الاجتماعي وتجميد كل التحركات والإضرابات إلى حين انتخاب برلمان وسلطة جديدة. أجرى الاتحاد العام التونسي للشغل ظهر الأمس اجتماعًا لهيئته الإدارية، وأعقب هذا الاجتماع برسالة طمأنة للتونسيين وتأكيد ضرورة المزيد من تكريس معاني الوحدة الوطنية خلال هذه المرحلة.

تحتاج البلاد إلى طرف حزبي آخر قوي لتحقيق التوازن مع حركة النهضة، برز رئيس الحكومة وحزبه في فترة سابقة للعب هذا الدور، إلا أنه سرعان ما تراجعت شعبيته في الأسابيع الأخيرة، هذا التراجع لم يتسبب في فقدان الشاهد لدوره كأحد أعمدة الاستقرار في هذه الفترة الانتقالية، ولكن من المتوقع أن يفقد هذا الموقع لصالح نداء تونس بزعامة حافظ قايد السبسي في الفترة القادمة؛ أي بعد الانتخابات، خاصة إذا نجح حافظ في استثمار صورة والده لصالحه.

من العوامل الأخرى التي قد تساهم في صعود حزب نداء تونس هو ما راج في الأسابيع الأخيرة من اتصالات قد تمهد لتحالف سياسي بين السبسي الابن والإعلامي ورجل الأعمال نبيل القروي، الذي يشهد صعودًا في نوايا التصويت، حسب آخر عمليات سبر الآراء.

حافظ السبسي وإرث والده

رافق ظهور حافظ قايد السبسي في المشهد السياسي التونسي موجة من السخرية والاستنكار، سخرية من مؤهلاته السياسية الضعيفة، وخاصة في مستوى القدرة على الخطابة والتحليل، واستنكارًا لسعيه في استغلال موقع والده وتاريخه للسيطرة على حزب نداء تونس.

تعوز حافظ خبرة والده – رحمه الله- ومؤهلاته السياسية، إلا أن ذلك لم يمنعه، ولعدة عوامل من السيطرة على نداء تونس، والحصول على التمثيل القانوني له، وإن تنبأ كثيرون بخروجه من الساحة السياسية بمجرد خروج السبسي الأب من قصر الرئاسة، إلا أنه اليوم أمام فرصة لتوظيف رمزية وإرث والده الرئيس الراحل لمزيد من تجميع شقوق النداء وإعادة البريق للحزب ومشروعه السياسي.

يصعب على حافظ النجاح في الوصول إلى رئاسة الجمهورية، وإن نجح في توظيف إرث والده، ولكن من الممكن لحزبه أن يكون أحد الأحزاب الناجحة في الانتخابات التشريعية.

تحالف النهضة وابن السبسي

تبحث النهضة، بوصفها العنصر الثابت في المشهد السياسي في تونس، دائمًا عن شريك قوي تتحالف معه لحكم البلاد، كما يبحث حافظ قايد السبسي عن طرف يلجأ إليه، خاصة بعد ما أشيع في وقت سابق عن إمكانية تعرضه للملاحقة السياسية والقضائية من قبل رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، بعد توتر العلاقة بينهما منذ أكثر من سنة.

لا يمثل السبسي الابن ولا حزبه القوة التي يمكن المراهنة عليها في الفترة الحالية، ولكن من المنتظر أن يعمل على الاستفادة من صورة والده والرمزية التي غادر بها، ودوره في بناء الجمهورية الثانية، وما يحظى به من حب من قبل التونسيين لمحاولة لملمة نداء تونس باعتماد سردية الوفاء للرئيس المؤسس، كما يمكن لتحالف نداء تونس بقيادة السبسي الابن مع نبيل القروي وحزبه «قلب تونس» الحصول على عدد مهم من المقاعد في البرلمان القادم.

في حال تمكن حزب ابن السبسي من الحصول على نتيجة جيدة في الانتخابات القادمة، فمن الأرجح أن يكون التوافق إثر الانتخابات بينه وبين النهضة، وإن لم يتمكن من ذلك، فالأقرب أن يواصل ابن السبسي مسيرته السياسية، وأن يحظى بدعم وحماية من قبل النهضة ورئيسها؛ وفاء منه للباجي قايد السبسي، الذي صرح بأنه مدين له.

المشهد السياسي إثر الانتخابات القادمة

كثر الحديث عن هندسة المشهد السياسي إثر الانتخابات القادمة، وإن يبدو الأمر ضبابيًّا وغير واضح في اللحظة الراهنة، فالأقرب أن تكون النهضة ممثلة في رئيسها، الذي أعلن ترشحه للانتخابات التشريعية، على رأس البرلمان، وأن تؤول رئاسة الجمهورية لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، على أن تسند النهضة، التي تذهب كل القراءات إلى إمكانية حصولها على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، رئاسة الحكومة إلى شخصية مستقلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد