لقد شاهد معظمنا (كمسلمين) الفيلم الذي جسد شخصية النبي محمد منذ عدة سنوات، والذي قام بتمثيله مجموعة من الممثلين الأمريكيين بدبلجة مصرية، والذي أظهر النبي في صورة رجل سارق من الأديان الأخرى ليؤلف دين الإسلام، مولع بالنساء وتداعبنه وتعاملنه بمهانة، يعشق القتل والدماء ويجلس بين رجاله كرئيس عصابة يخطط للإبادة والسبي والاستحواذ على حقوق غيره، وغيرها من الصفات الذميمة، وأظن أن مؤلف هذا الفيلم رجل متدين جدًا، ولكنه جاهل بالإسلام، لذلك اختلط عليه الأمر.

أما عن شعورنا كمسلمين بعد مشاهدة تلك المشاهد، فإننا قطعًا قد شعرنا بالغيرة وغمرنا الغضب أكثر مما يغمرنا إذا سبنا أحد أو حتى سب آباءنا أوأمهاتنا، وبعدها بحثنا عن سبل لدفع هؤلاء المهاجمين لنبينا وديننا، ورغم بديهية الأمر، إلا أننا في رأي بعضهم نعد مخطئين بدعوى أن الله قادر على أن يحمي دينه ونبيه، وبالتالي فليس بحاجة إلى محامين للدفاع عن دينه، بل إنهم يتهمون المنتفضين للدفاع عن قدوتهم بأنهم تجار دين وأن لهم أغراضًا أخرى خلف تلك الانتفاضات، على الرغم من أنها شملت جموع المسلمين من أفقرهم إلى أغناهم وأكثرهم نفوذًا.

ويمثل هذا الاتجاه الشيخ عبد الرحمن وحيد رئيس إندونيسيا الأسبق (رحمه الله) الذي كتب عقب نشر الرسوم المسيئة للنبي عام 2006 مقالاً بعنوان “الله ليس بحاجة إلى دفاع من أحد” يرفض فيه دفاع المسلمين عن دين الله وعن النبي والقرآن بحجة أن الله قادرأن يفعل ذلك، فلم نفعله نحن؟! واعتبر أن ذلك يعد تدخلاً في مشيئة الله وإرادته، بالتالي فإن هذا التدخل يعد ندية مع الله، فهو إذن شرك، ولعلنا نسأل الشيخ وحيد ومن يتبنى رأيه ما الذي يحتاجه الله منا؟ هل يحتاج إلى صلاتنا؟ مع ذلك أمرنا بأن نصلي له، هل يحتاج الغني إلى زكاتنا؟ هل يحتاج لأن نحج بيته؟ إذن لماذا يأمرنا الله بفعل هذه الفرائض؟

يقول تعالى عن الأضحيات التي يقدمها المسلمون في سبيله  (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ)، وهل حتى يحتاج الله إلى تقوانا؟ قطعًا لا لأنه (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) كما قال موسى لقومه، الإجابة أن الله ليس بحاجة إلى شيء من ذلك أو أي شيء آخر سواه، بل إن طرح الأفكار بهذا الشكل (حاجة الله إلى شيء) يعد طرحًا مضللاً يصل بنا إلى نتيجة واحدة يراد منها تسطيح الشعور الديني، وتضحيل القداسة المتغلغلة في صدر أي مؤمن بهذا الدين أو ذاك؛ وذلك لأن الفعل الذي أمرنا الله به من صلاة أو صيام أو حج أو جهاد في سبيله هو الذي يشكل الحالة الإيمانية داخل الإنسان، فقد أفلح المؤمنون الذين كل صفاتهم أفعال وأعمال كما يخبرنا القرآن الكريم (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {2} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3} وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ {4} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {6})، واذا بحثت عن صفات المتقين في القرآن الكريم تجده يخبرك بأنهم هم الكاظمون الغيظ والعافون عن الناس وغيرها من الصفات التي تكتسب من  العلاقات بين الناس وتختبر بها.

وبالتالي فكيف بنا أن نكتسب الإيمان أو أن نختبره دون أن يترجم إلى فعل نقوم به، فالمسألة ليست في حاجة رب السماء لشيء من أهل الأرض، ولكنها عبارة عن امتحانات تبين معدن الإنسان ومدى سلامة قلبه، كما أن من رحمه الإسلام أن العبادات فيه تنعكس على الآخرين بالخير وليست مجرد نفع لصاحبها فقط، فيقول تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)، وفي حالة التقليل من دور هذا الفعل في دين المرء سواء أكان مسلمًا أم كان ينتمي لدين آخر، فإن الدين في هذه الحالة سيكون مجرد طقوس صوفية مجردة ومقطوعة الصلة بالمجتمع، ومنه فإن النتيجة في حال الهجوم على الدين هي عدم رد الفعل بأشكاله السلمية المتعددة، وبالأخير الهزيمة المحققة لأهل هذا الدين أمام عدد من الأعداء الذين يقفون أمام وجهه، ولعل شيخنا عبد الرحمن عضو مركز شيمون بيريز للسلام لم ينتبه إلى ذلك.

إذن تلك المشاعر المشبعة بالتقديس من السخف إهمالها، وهذا أمر بديهي، فكيف بالإله الذي نسبحه ونكبر له ونحمده ونركع ونسجد له عدة مرات في اليوم أن نقبل أن تمس ذاته بسوء؟ وكذلك كل ما اتصل به من أنبياء وكتب وأماكن مقدسة؟ ومن العجيب أن شيخنا وحيد لم يلحظ التناقض الذي يطلب منا الوقوع فيه بين تقديسنا الكامل للإله، وبين قبول إهانته زاعمًا بأن ذلك من قبيل حرية الرأي والتعبير التي تضمن للأقليات غير المسلمة العيش بسلام، وتضمن للأغلبية المسلمة ذاتها الحرية في التعبير عن رأيها. ولقد استدل الشيخ عبد الرحمن على مسألة حرية التعبير بقوله تعالى (لا إكراه في الدين) أي أنه لا إكراه في اعتناق الدين أو في إبداء الرأي فيه بحرية (كما أظن أنه فسرها كذلك)، ولكن كيف لي ألا أكرهك على ألا تدخل في ديني وأكون أنا مكرهًا على أن أتقبل إهانتك له باسم الحرية؟

واستطرادًا في مقال الشيخ عبد الرحمن وحيد، تبدو لنا أبعاد أخرى غير مسألة حرية التعبير، حيث يذكر الشيخ أن التدخل للدفاع عن الدين يمنح الأصوليين الحق في السيطرة على هذا الدين باسم الدفاع عنه، وبالتالي يكممون الأفواه التي تعارضهم بزعم معارضتهم للدين ذاته، ويلجأون إلى القمع والإقصاء لكل من يخالفهم، فأما عن استغلال الدين لهذه الأغراض  فهو وارد حدوثه، ولكنه قطعًا مرفوض ويجب مواجهة كل  من يحاول تقمص تلك الأدوار الأبوية، ولكن الحل الذي اختاره الشيخ وحيد هو في حد ذاته إقصاء مقابل للإقصاء، ولكنه موجه هذه المرة للتيارات التي تتبنى الأصولية باعتدال أو تطرف على حد سواء، بل إنه يعد قمعًا للتدين ذاته ومحاولة لملمته داخل صدر صاحبه، ومنعه من الخروج مع أعلى درجات الإهانة، إنه يعد انتصارًا لقطب العلمانية على حساب أبسط أشكال التدين.

وثمة ميدان آخر يواجه فيه الشيخ وحيد الأصوليين وهو ميدان الشريعة، حيث يذكرنا بأن الشريعة عمل إنساني اجتهادي قابل للتغيير، وليست هي الوحي ذاته بثباته، وبالتالي فإن الشريعة يجب ألا تكون أحكامها ثابتة مقدسة كما يحاول الأصوليون أن يجعلوها كذلك، وفي المقابل فإن التصوف (الذي يميل إليه الشيخ) يمنح الإنسان علاقة أكثر رحابةً واتساعًا مع الله دون قيود شرعية سلطوية تقيد الحرية الدينية للمسلمين في شكل قوانين وأوامر فقهية.

أظن أن أصحاب هذا الرأي لديهم أفكار أخرى يروجون لها خلف الستائر الملونة التي تسحر الأعين والعقول أومصالح ليس من الذكاء الإفصاح عنها، فليس من أحد يكره انتشار الحرية داخل المجتمع بما فيه من أقليات وأغلبيات تحفظ للأقلية حقوقها وحرياتها، وليس من أحد يحب أن تسيطر جماعات بعينها على أديان البشر، فيمنحون الناس مراتب الإيمان والكفر بما يحلو لهم، ولكن ليس شرطـًا في عالم البشر أن من يدفعون الشياطين يكونون ملائكة، خاصة وإن كانوا يحاولون جعل الإيمان مجرد شعور باطني مبتور الصلة بالواقع غير مبالٍ بمآسيه، وخاصةً إن كان واقع المسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد