كان وعدًا من الرئيس «ترامب» في أثناء حملته الانتخابية، أنه في حال أصبح رئيسًا للولايات المتحدة؛ فإنه سوف يقوم بإدراج جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها منظمة إرهابية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وإنه سوف يتعاون مع الأنظمة التي تتصدى لجماعة الإخوان.

ولكن عندما أصبح «ترامب» رئيسًا؛ وحيث إن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات، وحيث إن قرارًا مثل هذا يحتاج معرفة رأي البنتاجون والمخابرات والخارجية، فضلًا عن استشارة مراكز الدراسات المعنية بالأمر؛ وذلك لدعم اتخاذ القرار (thinking bank)، بعد دراسة رأي هذه المؤسسات، يبدأ بعد ذلك تحديد المسار الذي سيسلكه متخذ القرار، وهناك مساران لذلك:

المسار الأول: من خلال الكونجرس باعتبارها جهة تشريع؛ حيث يقدم مشروع قانون اعتبار الإخوان منظمة إرهابية، ويتم العرض على اللجان المختصة، ثم التصويت في الجمعية العامة، وقد تقدم عدد من النواب بمشروع قانون لذلك، لكنه عرض على لجان فرعية للنقاش، ولم يتم عرضه أو التصويت عليه في الجمعية العامة للكونجرس.

المسار الثاني: أن يصدر الرئيس «ترامب» قرارًا بعد استشارة وزيري الخارجية والمالية، باعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وهذا المسار الذي استعمله الرئيس الأمريكي السابق «كلينتون» عندما أعلن حركة حماس منظمة إرهابية عام 1995.

وبالنظر إلى حالة جماعة الإخوان المسلمين نجد أن الخارجية الأمريكية خاصة في عهد الوزير السابق «تيلرسون» والمخابرات والبنتاجون لديهم تحفظات على قرار اعتبار الإخوان منظمة إرهابية لعدة أسباب؛ أهمها وجود أفراد من جماعة الإخوان يشاركون بشكل أو بآخر في مؤسسات الحكم في عدد من الدول، مثل الأردن والمغرب والجزائر وتونس، وكذلك دول ترى أن الإخوان باعتباره كيانًا سياسي وصل إلى الحكم بوسائل ديمقراطية مشروعة، وأن تصنيفه كيانًا إرهابيًا غير مفيد بل قد يكون ضارًا مثل تركيا وقطر، كما أن هناك دولًا أوروبية تدعو للتعامل مع الإخوان باعتباره كيانًا يمثل تيارًا وسطيًّا ويجب الدفع نحو ذلك مثل بريطانيا التي شكلت لجنة لدراسة ملف جماعة الإخوان، وأوصت بعدم اعتباره كيانًا إرهابيًّا؛ وبالتالي فإن مسألة إدراج الإخوان باعتباره منظمة إرهابية ليس في صالح تعامل الولايات المتحدة مع هذه الدول وغيرها، وكذلك في الداخل الأمريكي توجد بعض المنظمات والجمعيات التي لها علاقة بالإخوان، ولا توجد أي تقارير موثقة تثبت أن لها علاقة بالإرهاب؛ وبالتالي التصدي لهذه المؤسسات داخل أمريكا سيكون له تأثير سلبي على الداخل الأمريكي.

ويتبقى هنا سؤال هل سيتم إلغاء هذا الأمر من أجندة الرئيس «ترامب»؟

الإجابة عن هذا السؤال بالقطع لا، فكل مَنْ يعرف شخصية هذا الرجل يعلم أنه صاحب القرارات المفاجئة والمواقف المتناقضة؛ ولذلك تبقى احتمالات اتخاذ هذا القرار هي 50%، ويبقى الواقع السياسي داخل الولايات المتحدة وخاصة الضغوط التي يتعرض لها «ترامب» في ملف تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وكذلك الوضع الإقليمي والدولي لسياسة الولايات المتحدة هي المعيار المرجح لاتخاذ هذا القرار من عدمه.

ويتبقى أيضًا لدى الولايات المتحدة الأمريكية خيارًا مطروحًا، إذا أصرت على تصنيف جماعة الإخوان جماعة إرهابية، أن يكون هذا التصنيف للجماعة داخل مصر فقط، وبذلك يكون «ترامب» قد أنجز ما وعد به في أجندته الانتخابية، وتتعامل الولايات المتحدة مع الدول ذات العلاقة مع الإخوان بلا حرج، حيث إن القرار يكون للجماعة داخل مصر فقط.

والآن ما موقف جماعة الإخوان من كل ذلك؟

أمام جماعة الإخوان فرصة في إعادة طرح نفسها، والتعريف بها، وإعلان فكر الجماعة الوسطي الذي أسسه الشيخ «حسن البنا»، وطرح رأي الجماعة في مسألة التغيير السلمي بالوسائل الديمقراطية، ورأي الجماعة بوضوح في نبذ كل أعمال العنف والإرهاب، وآليات التعامل مع الآخر، والموقف من الحكومات والشعوب الغربية، ورأي الجماعة في قضية الحريات، والمرأة، ومسألة الخلافة، والرد على كل ما يقلق الغرب وغيره من أفكار قد تنسب للجماعة، وتسويق ذلك جيدًا في كل بلاد العالم، قد يقول البعض إن موقف الجماعة واضح في كل ذلك، وهذا صحيح لكن الغرب ليس لديه الوضوح الكافي والمعلومات الكافية عن جماعة الإخوان، إذا أحسنت الجماعة عرض ذلك، وبأدوات يفهمها الغرب؛ فلا شك أن مسألة التهديد باعتبار الإخوان منظمة إرهابية ستتحول من تهديد إلى فرصة، ومن شيء سلبي متوقع إلى شيء إيجابي ملموس وواقع، وحين ذلك نقول حقًا، رُبّ ضارة نافعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد