تعرف تونس هذه الأيام جدلًا واسعًا داخل قبة البرلمان وخارجه، محوره مشروع قانون الطوارئ المقترح من قبل رئاسة الجمهورية، وجوهر الاختلاف بين أنصار مشروع القانون ومعارضيه هو مدى احترام الحقوق والحريات العامة والفردية التي جاءت بها الثورة وملاءمته مع أحكام دستور البلاد الجديد.

الأمر المنظم لقانون الطوارئ

تخضع حالة الطوارئ في البلاد منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة إلى مقتضيات الأمر المنظم لقانون الطوارئ الصادر في 26 يناير (كانون الثاني) 1978، أي تزامنًا مع اليوم الذي يطلق عليه التونسيون اسم (الخميس الأسود)، حيث أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل في ذلك اليوم فك ارتباطه بالسلطة وأقر الإضراب العام رفضًا لسياستها – الاجتماعية خاصة – فخرجت الجماهير الشعبية في مسيرات واجهها النظام بالرصاص؛ مما تسبب في سقوط أكثر من 300 شهيد ومئات الجرحى.

اعتمد بورقيبة قانون الطوارئ في مواجهة المحتجين، ثم في اعتقال القيادات النقابية ومزيد التضييق على معارضيه.

عاد بورقيبة إلى اعتماد قانون الطوارئ مرة أخرى لمدة 22 يوم في أحداث الخبز سنة 1984.

قانون الطوارئ وفترة ما بعد الثورة

رغم تعارض روح هذا القانون مع قيم الثورة ومبادئها فإنه تم العودة إلى اعتماد حالة الطوارئ لأكثر من مرة بسبب التحديات الأمنية والعمليات الإرهابية التي عرفتها البلاد، حيث تم اعتماده في مناسبة أولى من 14 يناير 2014 إلى 5 مارس (آذار) 2014، ثم اعتمد إثر أحداث سوسة من 4 يوليو (تموز) إلى 2 أكتوبر (تشرين الأول) ، ويتواصل العمل به منذ عملية تفجير حافلة الحرس الرئاسي وأحداث بن قردان إلى اليوم.

يتم اللجوء إلى إجراءات قانون الطوارئ في إيقاف المشتبه بهم في العمليات الإرهابية والعمليات الأمنية الاستباقية، وكذلك في التعامل مع المتهمين بقضايا الفساد، وتمكن حالة الطوارئ السلطة التنفيذية من إجراءات تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان حيث كشف عضو هيئة مقاومة التعذيب منذر الشارني أن 30 ألف تونسي يخضعون لإجراءات حدودية مشددة و500 مواطن تحت الإقامة الجبرية.

رئيس الجمهورية يهدد بعدم التمديد في حالة الطوارئ

هدد الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية خلال اجتماع مجلس الأمن القومي المنعقد يوم 11 مارس 2019 بعدم التمديد في حالة الطوارئ خلال الاجتماع المزمع عقده في 4 أبريل (نيسان) 2019، رغم ما يمثله هذا القرار من تهديد لأمن البلاد واستقرارها.

تفاجأت الساحة السياسية والإعلامية بهذا القرار، خاصة وأنه لا مانع من مواصلة التمديد في حالة الطوارئ فأرجع الرئيس  السبسي هذا القرار لعدم دستورية أمر 26 يناير 1978، بالإضافة إلى الضغوطات التي يتعرض لها من قبل الجمعيات الحقوقية والمنظمات الدولية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان جراء هذا القانون، ويعيد بعض الملاحظون هذا القرار إلى التجاذب الحاصل بين رأسي السلطة التنفيذية في تونس والمراد به سحب هذه الورقة من رئيس الحكومة، خاصة وأن هناك حديث على أنه يلجأ إلى حالة الطوارئ في تصفية خصومه – منهم رجال أعمال مقربين من إبن الرئيس وحزبه – في إطار ما سماه الحرب على الفساد.

رفض واسع لمشروع القانون الجديد

طرح رئيس الجمهورية مشروع قانون جديد خاص بتنظيم حالة الطوارئ، لم يلق مشروع القانون المقترح قبولًا داخل قبة البرلمان حيث لجأ عدد من النواب إلى تقديم مشروع قانون موازٍ كما اعتبر جملة من النواب في اجتماع مشترك بين لجنتي الحقوق والحريات والأمن والدفاع أن مشروع القانون المقدم من قبل رئاسة الجمهورية يهدد الحريات ومعارض لأحكام دستور البلاد.

لقي مشروع القانون المذكور معارضة شديدة من قبل المجتمع المدني حيث اعتبر الائتلاف المدني للأمن والحريات أن الاستخدام المتكرر لحالة الطوارئ في السنوات الأخيرة، لا يمكن أن يبرّر الترفيع في مدة حالة الطوارئ من شهر إلى ستة أشهر، كما تم التنصيص عليه بمشروع القانون، منّبهًا إلى أن هذا الترفيع أداة لتبرير اللجوء لاستخدام الإجراءات الإدارية الممنوحة للسلطة التنفيذية والمقيّدة لحقوق وحريات الأفراد.

عارضت المنظمات الدولية أيضًا هذا القانون، على غرار منظمة العفو الدولية ومنظمة «هيومن رايتس ووتش» التي دعت البرلمان إلى التخلي عن هذا المشروع لما يتضمنه من تهديدات لحقوق الإنسان.

يمنح مشروع القانون الجديد صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية  ممثلة في وزير الداخلية والوالي (المحافظ) تمكن هذه الصلاحيات الواسعة السلطة التنفيذية من الحد الحريات دون ضمانات وتسمح لها باسم حماية النظام بتعطيل حق التظاهر والإضراب وفرض الإقامة الجبرية على الأشخاص دون مراجعة السلطة القضائية، حسب ما ورد في الباب الثاني من مشروع القانون.

جاء في الفصل الخامس من مشروع القانون أنه يمكن للوالي أخذ قرار غلق مؤقت للقاعات المخصصة للعروض والاجتماعات العمومية والمحلات المفتوحة للعموم، ومنع الاجتماعات والتجمعات والمظاهرات التي من شأنها أن تشكّل خطرًا على الأمن والنظام العام.
مكن أيضًا مشروع القانون وزير الداخلية من إصدار قرارات إخلاء بعض المناطق أو عزلها، وتسخير الأشخاص والممتلكات لضمان حسن سير المرافق العمومية والأنشطة الحيوية كما يعطيه السلطة بأن يضع تحت الإقامة الجبرية كل شخص يتعمد ممارسة نشاط من شأنه تهديد الأمن والنظام العام، ويسمح له بالاطلاع على مراسلاته واتصالاته وحجز جواز سفره وإخضاعه للمراقبة. ولا تقف الصلاحيات الممنوحة للوزير وفق بقية فصول الباب الثاني من مشروع القانون عند ذلك، بل تمكنه من إصدار قرار تفتيش جميع المحلات، باستثناء المقرات السيادية، ويشمل هذا النفاذ إلى الأنظمة المعلوماتية وجميع الأجهزة الإلكترونية والرقمية الموجودة بالمكان.

يعود رفض هذا المشروع المقترح أيضًا إلى ضبابية بعض المصطلحات الواردة فيه على غرار الخطر الداهم والكارثة بما يمكن السلطة التنفيذية من تأويلها بالشكل وفي الوقت الذي تراه.

أمام حرص رئيس الجمهورية على تمرير القانون رغم ما يتعرض له من انتقادات تتسع رقعة أصحابها يوم بعد يوم،  يبقى التساؤل مشروعًا، هل يسعى الباجي قائد السبسي إلى إعادة تونس إلى حقبة الاستبداد عبر هذا القانون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد