مؤخرًا في أوقات فراغي انشغلت بلعبة فيديو على الإنترنت تمتعني بتدفق بعض الأدرينالين نتاج (الأكشن) الذي لا يتوقف فيها، اللعبة باختصار تتكون من فريقين، كل فريق مكون من خمسة لاعبين، ممثلين في أبطال خياليين، وهدف اللعبة هو تدمير قاعدة الفريق المنافس عبر أمثل استخدام جماعي للقدرات الخاصة بكل الأبطال، في تناغم بين اللاعبين وبعضهم البعض، فاللعبة جماعية من الدرجة الأولى، ومحاولة لعبها بطريقة فردية على طريقة رامبو، أو هرقل، تبوء بالفشل في معظم الأحوال.

أنت في اللعبة مجرد اسم مستعار تتحكم في شخصية خيالية وتتصرف كما يحلو لك لأنك لا تمتلك هوية حقيقية، وتتمتع بخاصية عدم الكشف عن الهوية أو (anonymity)، وهي ميزة رهيبة يوفرها الإنترنت لمستخدميه، لكنها سلاح ذو حدين يكشف عن الكثير من خبايا النفس البشرية؛ فعندما لا أحد يعرف شخصيتك، ينتج عن هذا ظاهرة مهمة، وهي التصرف العشوائي غير المحسوب للاعبين، فجأة قد تجد لاعبًا يتصرف تصرفات مستفزة أو ينتابه الجنون، ويسب اي شخص لا يعجبه، ومنهم من يتسبب بقصد في خسارة فريقه؛ فقط لأن لاعبًا آخر لا يسمع تعليماته.

مثل هذه الألعاب تمثل قمة التحدى لضبط النفس في عدم الإساءة لهؤلاء العدوانيين بسخافاتهم واستفزازاتهم. برغم أن السباب فعل قبيح في جميع الأوقات، لكن ربما يصبح أحيانًا السبيل الوحيد في بعض الأحيان لترويض حفنة من بني البشر بعدما نزعوا ثوب الفضيلة محتمين بخاصية عدم الكشف عن الهوية، فكل ما يظهر منهم هو اسم خيالي مستعار مليء بالمبالغة والغموض المصطنع على غرار (السماوات الغامقة)، أو (قاهر الظلام) وغيره، لكن السباب ليس حلًا حقيقيًا؛ فهناك من يغذيه السباب بالمزيد من العدوانية والشتائم، خصوصًا إن لم يكن هناك رادع حقيقي يوقف اللاعب.

قدَّمت شبكة الإنترنت خدمات متنوعة للبشرية، من هذه الخدمات إبقاء الشخص متصلًا بالشبكة، دون الكشف عن هويته (الغفلية) أوanonymity في محاولة من مقدمي خدمة الإنترنت الحفاظ على حقوق المستخدم الشخصية وسلامته، إلا أنَّ البعض من مستخدمي الشبكة استغلوا مزايا هذه (الغفلية) في ارتكاب أعمال غير مشروعة وانتهاك حقوق الآخرين، وهذا ليس حكرًا على الألعاب الإلكترونية على الإنترنت فقط، وإنما أيضًا تجد هذا بكل بساطة في تعليقات المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي على الأخبار المختلفة المتمثلة في العنصرية والكره وأيضًا السباب بداع أو بدون على صفحات أشخاص مشهورين، كالممثلين والمغنين ولاعبي الكرة وغيرهم ، يرجع هذا إلى عوامل عديدة منها:

1-الكبت: قد يشعر مستخدم الإنترنت بمشاعر سلبية في حياته الواقعية لأي سبب معين يضعه تحت ضغط عصبي وشعور بالضيق يريد الخلاص منه عن طريق إسقاط غضبه على أي شخص آخر لا يقوى على أن يؤذيه بشكل واقعي؛ فينطلق في السباب والشتائم حتى يلقي عن كاهله بكل ما يملك من سلبية وكبت من مشاكل حياته ويشعر بإطلاق سراح نفسه بعد تفريغ شحنات الغضب إلكترونيًا.

2-غياب الرادع والعقاب: في عدم وجود عقاب للأفعال القبيحة كالسباب والعنصرية وخطاب الكراهية، يبدأ الكثير من الناس الاستغناء عن وجه المدنية والتحضر ليفتحوا الباب لمشاعر داخلية يكنونها، لكنهم لا يجرؤون على البوح بها على الملأ، هنا تتضح حقيقة مخيفة؛ وهي أن معظم البشر يتصرفون بشكل متحضر ويتحلون بأخلاق حسنة حفاظًا على مظهرهم أمام من يعرفونهم في الحياة الواقعية، وخوفًا من عقاب الدولة لمن يتجاوز قانونها.

3-الشعور الداخلي بالتضاؤل والدونية: وهذا سبب آخر مشابه للكبت، لكنه ليس ناتجًا عن مشاكل حياتية أكثر من مشكلة نفسية تجعل صاحبها يبحث عما يعوضه من شعوره بالدونية في إهانة وجرح شخص آخر أنجح منه ولو لفظيًا.

4- محاولة بائسة للشهرة: وهذه ظاهرة جديدة أوجدتها مواقع التواصل الاجتماعي، فشهوة حب الشهرة، والبحث عن الاهتمام، قد تدفع بعض الأشخاص للنقد والهجوم على أشخاص مشهورين محبوبين لمجرد أن تشتهر ويعرفها أكبر عدد ممكن من مستخدمي موقع التواصل حتى وإن كان عن طريق الهجوم المضاد والسباب على محبي الشهرة هؤلاء عن طريق المستخدمين من محبي الشخص المشهور، فلا يهم تلقي بعض الشتائم إن كان هذا سيجعلني مشهورًا في النهاية أنا أيضًا.

ويمكننا على نفس المنوال تفسير فشل المدنية والتحضر في مجتمعاتنا الشرقية، فضعف دور الحكومات في تنفيذ قانون صارم بشكل متساو وعادل يجعل الناس تعيش في أحياء راقية، وفي نفس الوقت يلقون بالقمامة في عرض الشارع، ولا يهتمون بنظافة ونظام شوارعهم ما دامت الدولة عاجزة عن تنفيذ ذلك النظام بشكل فعال ومعاقبة من يخالفه، وقتها تجد الشعب يعيش في بيوت آية في النظافة محاطًا بشوارع قمة في القذارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد