لم يكن حديثي مع صديقي الذي أخبرني أنه ألحد وخرج من دينه شيئًا عاديًا، أو حديثًا عابرًا بدون أهمية، بل هذا السبب الأول الذي دفعني كي أبحث في موضوع الإلحاد، بل وأيضًا هناك أسباب أخرى كادت أن تدفعه للخروج من حياة الإسلام إلى حياة الإلحاد، لاحظت ذلك من خلال منشوراته الفيسبوكية التي تنتقص من شأن الإسلام بسخرية شديدة، تحدثنا عدة مرات، وذات مرة سألته عن سبب إلحاده؟

أخبرني قصته كاملة، أخبرني أنه كان مقيمًا في سوريا، وكان والده مسؤولًا في النظام السوري، مقاتلًا إلى جانبه، وفي أثناء إحدى المعارك بينهم وبين تنظيم الدولة الإسلامية الملقب بداعش، قُتل والده. كان يحب والده كثيرًا وتأثر جدًا بمقتله، ومن ثم ذهب إلى أوروبا هو وعائلته وأقام هناك. من بعد مقتل والده تيقن تمامًا أن القرآن هو السبب كما أخبرني، وأن المسلمين هم السبب الأساسي لما حصل لوالده، لم يعِ صديقي أنه كان ضحية لتجار السياسة والدين، لم يدرك أنه وقع في فخهم.

أما السبب الثاني: أن شجرة الإلحاد ما زالت حية، تطرح ثمارها السامة في الغرب وفي الشرق أيضًا، فكل فتى أو شاب يقرأ كتابين أو ثلاثة عن الإلحاد، أو يدخل إلى المواقع الإلحادية عبر شبكة الإنترنت، يتشكك في إيمانه، ويقول لك أثبت لي أن الله موجود، ولماذا لا يكون الله هو وليد فكر الإنسان بهدف أن يهرب من الواقع المر الذي يعيش فيه، والسماء والحياة الأخرى ما هي إلا خدعة يخدع بها رجال الدين والحكماء البسطاء ليصرفونهم عن واقعهم المؤلم، ويعطونهم الرجاء الكاذب في حياة لا وجود لها.

1- ما هو الإلحاد؟

هو مصطلح عام يستعمل لوصف تيار فكري وفلسفي يتمركز حول فكرة إنكار وجود خالق أعظم، أو أية قوة إلهية بمفهوم الديانات السائدة. وببساطة شديدة فإن الإلحاد يعني إنكار وجود الله لعدم توافر الأدلة على وجوده.

2- ما هي أنواع الإلحاد؟

أ. الإلحاد القديم، والمقصود به: «إن ما لم تثبته التجربة العلمية يكون خاطئًا وتافهًا ومنقوصًا من أساسه، ونحن لا نؤمن إلا بالعلم وبالمنهج العلمي، فما تراه العين وتسمعه الأذن وتلمسه اليد، وما يمكن أن يُقاس بالمقياس والمكيال والمخبار وما إلى ذلك من أدوات هذا الحق. وأما ما عدا ذلك مما يخرج عن دائرة العلوم التجريبية ومنهجها فلا نصدقه».

ثم اكتشف الإنسان أن الحواس البشرية تعجز عن إدراك أمور كثيرة، وليس معنى هذا أن هذه الأمور غير موجودة، فالعين البشرية تقف عاجزة أمام رؤية الكائنات الدقيقة مثل البكتريا أو الأميبا، بينما تنجح في هذا بواسطة الميكروسكوب، وأيضًا تقف عاجزة أمام إدراك ما يدور حولنا من أجرام سماوية بعيدة جدًا. بينما تنجح في هذا بواسطة التلسكوب، وبينما طائر الكناري يرى جميع الألوان فإن العين البشرية تعجز عن هذا، وبينما للصقر قدرة على رؤية أرنب بين الحشائش، وهو يُحلق على ارتفاع نحو ثلاث كيلومترات، لأنه يُكبّر الصورة ثماني مرات، فإن الإنسان يعجز عن هذا، والأذن البشرية تعجز عن التقاط الأصوات التي تلتقطها أذن بعض الحيوانات مثل الكلاب والغزلان، التي تلتقط أصوات الزلزال قبل حدوثه بنحو 20 دقيقة. بل إن الحواس البشرية قد تخدعنا، فالإنسان التائه في الصحراء ملتمسًا النجاة يرى السراب، والسراب ليس حقيقة، والملعقة في كوب الماء نجدها مكسورة وكذلك المجداف في المياه، وهما ليس كذلك.

بسبب ضعف الحجة التي اعتمد عليها الإلحاد قديمًا، وهي عدم إدراك الله بالحواس البشرية، وبعد أن بات العلم الحديث يثبت وجود الله بقوة، وقد تجلَّت القدرة الإلهيَّة في الخلية الحيَّة التي لا تُرى بالعين المجردة، وكذلك بعد التعمق في الفلسفة، حتى أن «فرانسيس بيكون» (1561– 1626) قال إن «القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الإيمان». ولهذا ظهر الإلحاد المعاصر، بوصفه نوعًا آخر من أنواع الإلحاد.

ب. الإلحاد المعاصر: وهو الذي يتجاهل تمامًا وجود الله، ويؤلّه الإنسان، فإن كان الله موجودًا فليبق في سمائه وليترك الإنسان إلهًا لهذا الكون، فقال الشاعر الفرنسي «بريفير»: «أبانا الذي في السموات، ابقَ فيها».

فالاعتقاد بوجود الله يلغي كرامة وسلطان الإنسان على الأرض، فلسان حال الإلحاد المعاصر هو «إذا كان الإنسان إلهًا، فلا يحق لله أن يوجد». وقوله «إن الإلحاد هو إنكار الله، وبهذا الإنكار يؤكد وجود الإنسان».

ويقول «نيافة الأنبا غريغوريوس»: «الإلحاد المعاصر ليس إلحادًا عقلانيًّا، ولا فلسفيًّا، ولا منطقيًّا، ولا علميًّا، إنما هو إلحاد تصميم، تصميم بالرفض لفكرة الله، وذلك بسبب خبرة حزينة عن بعض الأفراد أو عند بعض الشعوب، خبرة مؤلمة وقاسية، عن الدين والمتدينين أو عن الملوك والحكام الذين يتخذون الدين غلافًا، يغلفون به تصرفاتهم ويستندون فيها كذبًا وبهتانًا إلى الله».

والإلحاد قد يكون ظاهرًا متى أعلنه الإنسان الذي يؤمن به للغير، وقد يكون مُبطَنًا متى أبطنه الإنسان وأخفاه عن الغير.
هناك بعض التساؤلات المهمة:

1. هل هناك علاقة بين الله كما نعرفه بمفاهيمنا الروحنية والمنطق كما يدرسه المشتغلون بالفلسفة والعلوم الإنسانية؟
ج. لست أظن أن محاولة إبعاد الله عن المنطق العقلي للكائن البشري هي محاولة صحيحة، لأن الله -إن آمنا بوجوده- هو الذي خلق للإنسان عقلًا ذا منطق، وبالتالي الله هو العقل الأكبر والمنطق الأعظم. وتعاطينا معه ينبغي أن يتم من خلال المنطق.

2. هل الله موجود؟

ج. سؤال مهم للإنسانية ككل، وعلى كل إنسان أن يحدد إجابته عن هذا السؤال، ولو سألنا المؤمن؟ سيقول نعم.
ولو سألنا الملحد؟ سيقول لا.
ولو سألنا اللاأدري؟ سيقول لا أدري.

3. ما هي الأدلة على وجود الله؟

ج. الدليل الأول: دقة تصميم الكون:

فبداية من المجرات والأفلاك وحتى الشيفرة الوراثية للخلية، والتصميم الدقيق لكل شيء في الكون. والعقل يوجهنا إلى التساؤل حول من الذي وراء هذه الدقة من التصميم، فلا يمكن قبول فكرة الصدفة على أنها وراء هذه الدقة.
الدليل الثاني: تفرد الكائن البشري: إن الإنسان هو الكائن الأكثر تفردًا في كل هذا الكون، وهو كائن معقد التركيب، يختلف عن أي كائن آخر؛ فالإنسان كائن له شخصية من خلال وعي وإرادة، وباعتراف الإنسان نفسه بنفسه بأنه لم يوجد نفسه بنفسه. وبالتالي فهو يبحث عن صانع أو موجد أو خالق له. ولا يمكن أن يكون صانع الإنسان هو الكون الذي يحيا فيه.

الدليل الثالث: البحث عن غاية: إذ الإنسان لم يصنع نفسه. فليس هو غاية نفسه. بل هو يبحث عن غاية وقصد وهدف ومعنى لحياته ووجوده، ولا يمكن أن يكون الكون هو غايته، لأن الكون يبحث عن غاية أو نهاية.

الدليل الرابع: التوق إلى الكمال: كل من يتأمل في الخليقة بما فيها الإنسان يدرك جيدًا أنها تعاني من المحدودية، فالكون يسعى إلى الكمال، والإنسان تاج هذا الكون.

والسؤال المنطقي الأكبر هو: كيف لكائن محدود وغير كامل كالإنسان أن يفكر في اللامحدود الذي هو الكمال؟
فهناك استحالة منطقية أن نقبل أن الإنسان والكون بما فيهما من نقص اخترعا فكرة الكمال أو أن الإنسان هو الذي اخترع الله.

الإلحاد ورجال الدين

من هذه الجهة فإن رجال الدين والمتحدثين باسم الدين لا يمكنهم أن يتحدثوا باسم الله إلا من خلال رؤية دينهم. فهم في الحقيقة يتحدثون باسم الدين أكثر مما يتحدثون باسم الله. وحتى لو فسد بعض من رجال الدين فهذا لا يشير لا من قريب ولا من بعيد لفساد الاعتقاد بوجود إله أو حتى بفساد دين معين.

إذ إن رجال الدين أنفسهم بشر قابلون لعمل الخطأ أو الصواب. كما أنهم ليسوا جميعهم فاسدين بالكامل «الفساد المطلق غير موجود». وبالتالي فلا داعي للخلط في الحكم على الله من خلال رجال دين معين، ولا حتى الحكم على دين معين من خلال الحكم على رجاله.

4. لماذا يلجأ الإنسان الشهواني المتكبر للإلحاد؟

ج. قيل إن «وراء كل إلحاد شهوة» وهذا القول صحيح إلى حد بعيد، فعندما يسقط الإنسان في الشهوة والشر وهو يعرف أن للشر عقوبة زمنية وأبدية، فإن كان متواضعًا فإنه يقدم توبة واعترافًا ملتمسًا من الله أن يصفح عنه ويتغاضى عن خطاياه. أما إن كان متكبرًا عنيدًا، ولا يريد أن يتخلى عن الخطية والفساد، ويود أن يهرب من الدينونة والعقاب، فكيف يحل هذه المعضلة؟ وكيف يريح ضميره؟ إنه يلجأ إلى إنكار وجود الله، وبالتالي فهو حر يفعل كل ما يشاء خيرًا كان أم شرًا. والكبرياء يلقي بالإنسان في الجهل والعمى الروحي.

وقد يقود الإنجاز العلمي الإنسان المتكبر إلى الإلحاد، ويقول «رأفت شوقي»: «إن النجاح الخارق الذي حقَّقه العلم والتقنية ملأ البعض بشحنة من الكبرياء جعلتهم يأنفون من أي ارتباط بكائن أسمى، وحملتهم على الاعتقاد بأن الإنسان هو سيد الكون بقوته الذاتية وقادر على كل شيء. إن هناك نزعة شعبية أُعجبت بالعلم وإنجازاته وبما حققه الإنسان، وأخذت هذه النزعة تُغيّر ما كان يُنسب مباشرة إلى الله على أنه ينسب ويفسر علميًّا، وبالتالي الاستغناء عن الله والإيمان به».
والحقيقة إن الإنجاز العلمي هو وليد العقل البشري، والله هو صاحب الفضل الذي أنعم على الإنسان بعقل مُفكر مبتكر، وهو الذي يشرق على الإنسان بنور علمه الإلهي «أعطيتني علم معرفتك» والأمر العجيب هو بدلًا أن ينسب الإنسان هذا الإنجاز إلى توفيق الله ومعونته، فإنه ينسبه لنفسه، فيُضرَب بداء الكبرياء، ويرتفع بعقله، حتى يجعله سيدًا وإلهًا، ويعبده عوضًا عن الله، وتتضخم ثقة الإنسان المتكبر بعقله بينما تتضاءل ثقته بإلهه.

تفسير المؤمن لوجود الله

قد دل على وجود الله تعالى الفطرة والعقل والشرع والحس. أما دلالة الفطرة على وجوده تعالى فإن كل مخلوق قد فُطِر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ومصداق هذا من كتاب الله قوله «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا». ولهذا نجد أن الإنسان بطبيعته وفطرته وبدهيته إذا أصابه الضر قال «يا الله»، وقد ذُكر عن بعض الملاحدة أنه إذا أصابهم شيء قالوا على فلتات لسانهم «يا الله» من غير أن يشعر، لأن فطرة الإنسان تدل على وجود الرب عز وجل.

أما دلالة العقل على وجود الله، وجود تلك المخلوقات صدفة بغير موجد ممتنع لسببين، الأول: أن كل حادث لا بد له محدث، دَّل على ذلك العقل والشرع، قال الله تعالى «أم خُلِقوا من غير شيء أم هم الخالقون». والثاني: أن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض، بلا اضطراب ولا تصادم؛ يمنع منعًا باتًا أن يكون وجودها صدفة من غير موجد، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده، فكيف يكون منتظمًا حال بقائه وتطوره؟! اقرأ قول الله تعالى «لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1.رحلة إلى قلب الالحاد. للاستاذ : حلمي القمص يعقوب.
2.الله والالحاد. للدكتور : أمير ثروث.
3.وهم الإله. للعالم : ريتشارد دوكنز.
4.هل الله موجود ؟ للاستاذ : ماجد بن سليمان الرسي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد