الحجاب يسبب الاكتئاب كلمة تتردد كثيرًا في الآونة الأخيرة، نادرًا ما تقال صراحة، عادة ما تقال ضمنًا، ولكن لماذا لا تقال صراحة، هل تظن مثلًا أن ذلك خشية أن يقال عنه إنه يهاجم الدين، أنت مخطئ إن ظننت ذلك، فهو لا يخشى أن يصرح أن الحجاب ليس فرضًا، لا يخشى أن يضع طوال الوقت على حسابه على فيسبوك صورًا من الستينات لسيدات بالمايو بمقابل صور حديثة لسيدات بالحجاب ويقول: أين كنا، وإلى أين وصلنا!

نعم الحجاب يسبب الاكتئاب، كيف، عندما تحرم المرأة من حقوقها فقط لأنها محجبة قد تكتئب، ومن المؤكد أنها مهما كانت قوية الإيمان، شديدة اليقين بما تفعل، ستحزن مثل أى إنسان يحزن عندما يهمش ويظلم ويحرم من حقوقه، فعندما تعمل المرأة بمكان لا يعنيه نوعك أو ملابسك أو هويتك ولا يهتم إلا بما تنتج وتبدع فهل هناك مجال للشعور بالاكتئاب لأنها محجبة؟! بالطبع لا فهي على قدم المساواة مع الرجل والعبرة بالكفاية المهنية وانتهى الأمر.

دعني أذكرك بمشاهد المقابلات التي يأتي إليها آلاف من المتقدمين ليتم اختيار موظف واحد، وبالطبع لا تكون الأولوية للمحجبات، فقد تفضل شديدة الأناقة غير المحجبة على غير المحجبة متوسطة الأناقة، وعلى المحجبة الأنيقة، وعلى الرجال جميعًا، وقد يفضل الذكور على الإناث فى بعض الأعمال، لتبقى المحجبة فى ذيل القائمة، المشهد الثاني هو عندما ترقى غير المحجبة أو تحصل على راتب عال أو توكل إليها المهام البسيطة ويوكل العمل الشاق للمحجبة فقط لأن هذه محجبة.

المشهد الثالث عندما تكون لديها موهبة أو حلم كأن تكون رياضية، موسيقية، رسامة، إعلامية تبدو مهمتها مع الحجاب صعبة جدًا، المشهد الرابع عندما تجد المحجبة صعوبة في الزواج أو تجد أن من يتقدم إليها يدنوها فى كل شئ ويرى أن عليها أن تقبل لأن هذه هي الظروف، ولأنه يوجد ألاف غيرها، بينما يرى نفس الشخص أن غير المحجبة لها حق فى أن لا تقبل به وأن تتدلل وتختار، ماذا تفعل فتاة حرمت من فرصة العمل أو تعمل من منطلق أنها حمار الشغل، تحرم من فرصة مناسبة للزواج، تحرم من أن تتدلل وتعامل كأنثى وينتقص الجميع من قدرها ولو خلعت الحجاب سيتغير كل شيء، من تعيش موقفًا كهذا ماذا تنتظر منها أن تبتهج أم تكتئب، ولهذا يقال الأمر ضمنًا.

وهنا أسمعك تقول إن كل ما سبق تخريف؛ فكيف تضطهد المحجبة في بلد أغلب أهلها من المحجبات، كما أن الرجل الشرقي يفضل أن يتزوج من الفتاة المحجبة، ولكني سأجيبك، بأن حضور العامل الجنسى في مجال العمل بات واضحًا لدرجة لا ينكرها إلا من يدفن رأسه بالرمال حتى أن الأمر طال المحجبة وغير المحجبة، المتزوجة وغير المتزوجة وطال حتى مجال الدراسة وأصبح قهر الأساتذة للطالبات أمر شائع، فالمحجبة لا تضطهد إذا ذهبت إلى حى شعبى أو الأسواق التقليدية ولكن الأمر يختلف كثيرًا عندما تتوجه للشواطئ الراقية والفنادق الفاخرة والشركات الكبيرة ومسابقات اكتشاف المواهب، وأعتقد بأن تلك ليست قسمة عادلة، أما عن الرجل الشرقى فجميعنا يعلم أنه مصاب بالازدواجية فيفضل أن يتزوج من غير المحجبة ثم يأخذ ثوابها ويجعلها ترتدي الحجاب.

منذ سنوات طويلة كنا نسأل بعضنا سؤال ماذا لو لم يكن فرضًا كنت ستفعله، فيبدأ النقاش وأكتشف أنني لا أقتل لا أسرق لا أكذب لا أخون حتى لو لم يكن هناك أية عواقب دينية، فالأمر إنساني، ويأتي الحجاب من الأمور التي إن لم تكن فرضًا فلن أفعلها، ولم أفعلها؟ فالحجاب يحجب الجمال ويمنعك من أن تذهب لبعض الأماكن ويقيد حركتك و…

ولكني ما أن أمعنت التفكير وجدت أنني وأي إنسان يحترم إنسانيته نكره أن تستغل المرأة، ونحب أن تخرج للحياة مساوية للرجل تمامًا والمعيار الوحيد يكون الكفاية المهنية، فتكون السخرية أن واقع المرأة في المجتمع الذي يدعي التمدن والرقي أنها مستغلة، ومهانة فيأتى رئيس الدولة الأهم دونلد ترامب ليقول أنه يتحرش بالسيدات وهن يقبلن لأنه غنى ومشهور، أي هوان هذا، وعدت قلت ترامب فج لا يجب أن يأخذ كلامه بجدية، ولكني عندما فكرت في إعلانات المكرونة والمياه الغازية التي تستخدم المرأة البشر الذي كرمه الله وكأنها سلعة للإعلان عن سلعة أهم وهي المنتج ذاته، فعرفت أنني سأرتدي الحجاب، ولو لم يكن فرضًا؛ لأنني أعتز بنفسي وكرامتي.

أعلم أنك هذه المرة لن تعارضني، ولكن ستقول لى معك حق، ولكن من قال إن المحجبة بالضرورة ستكون محترمة فكم من فتيات ليل يستخدمن الحجاب للتخفي من الشرطة، وكم من سيدات فضليات لا يرتدين الحجاب ومشهود لهن بحسن الخلق، أتدري أنني أيضًا لن أعارضك، وأوافقك تمامًا فيما تقول، فالحجاب واحدة من أمور كثيرة تحجب ما يجعلك تنظر للمرأة على أنها مختلفة عن الرجل، وأقول لك إنني أعرف من هي غير محجبة، وتركت عملها عندما اكتشفت أنهم عينوها؛ لأنها غير محجبة، وليس لديها ما تقدمه لهم، وأعرف من تخفى بالحجاب سوء خلقها، وأقول لك ليس من المنطق أن ننكر الواقع حتى وإن كان لا يروق لنا، ففى الفترة الأخيرة أصبحت مساحة الحرية للفتيات للتعبير عن أنفسهم أكبر من ذي قبل، فتفاجأت أكثر من زميلة لنا بكم رهيب من المتحرشين والمستخدمين للألفاظ البذيئة يهجمون على حسابها على موقع صراحة بحيث يبقى اسم الراسل مجهولًا، وقالت إحداهن أخشى أن يكون هؤلاء هم الزملاء الذين يمتدحون تفتحي، وهم لا يرون فيما أفعل إلا ما أرسلوه لي، ووجدت صحافيًا يحذر الفتيات من شخص معين يدعى المدنية والتحرر، ثم يحرضهن على ترك المنزل ويعتدي عليهن، هذا هو الواقع المر للأسف والذى نخجل منه ولا يصرح به إلا شخص مثل ترامب.

وهنا سأعود لأرد على التساءل الخاص بأين كنا وأين أصبحنا بالرد البسيط لم تكن السيدات محتشمات وأصبحن محتشمات وبعد، هل كان لدينا صناعات متطورة أو زراعات متقدمة أو نهضة تعليمية ولم يعد لدينا، هذه هي المقارنات الهامة، وربط خلع الحجاب بالتقدم غريب.

وأما عن مشهد نيلي كريم فى مسلسل لأعلى سعر وهى بدينة فاشلة تتخفى في النقاب – بالرغم أن كل من اقترب من عالم المنتقبات يعلم أنهن أكثر الناس إظهار للزينة تحت النقاب وبالمنزل – وعندما أرادت أن تسترد نفسها وزوجها تخلع حتى الحجاب لتعود رشيقة (بلرينة) ناجحة مقبلة على الحياة، هذا ليس أكثر من فكر صناع العمل وقد وضحنا الواقع أن المرأة تكتئب عندما تحرم من حقوقها، وإذا رأيت في المشهد واقعًا، فهو واقع المجتمع الذى ترك عبير صبرى بلا زوج ولا شهرة ولا نقود بعد الحجاب حتى خلعته، وهو الواقع الذي جعل حنان ترك تتطلق بعد الحجاب، وتقول: زوجي لا يرفض الحجاب، ولكنه رفض تبعاته، لتبقى حنان ثبتها الله بلا زوجها وأولادها والشهرة والأدوار والأموال، الفكر الذى يعرض بمسلسل خطير جدًا فهو يسري في المجتمع والمنازل دونما نقد أو مراجعة فألف مقالة ليس لها تأثير حلقة من مسلسل، ولا مجال لنقول أين الرقابة لتمنع الأفكار التي لا تروق لنا من الانتشار، فلا سبيل إلا أن يكون لدى الناس الوعي الكافي للمراجعة والنقد، وهذا يتطلب أن يمتلك أصحاب الفكر المضاد الآليات للوصول للناس، بشكل بسيط كما قدم مسلسل يضع الحجاب فى هذه الصورة تقدم النماذج الأخرى، هل يمكن أن تكون هناك أفلام ومسلسلات توضح صورة حقيقية للدين، هل يمكن أن يقدم أصحاب الفكر الدينى على هذه الخطوة ليواجه الفكر بالفكر، وهنا يكون للحديث دائمًا بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك