المؤامرة الكبرى للبنوك الأجنبية.. وتسلل الرأسمالية الأجنبية إلى مصر نهاية القرن التاسع عشر

شجعت سياسة محمد علي باشا الأجانب على المجيء إلى مصر؛ لأنه كان يستعين بالخبراء والمهندسين وأصحاب الخبرة في التصنيع والإدارة، بالإضافة إلى استعانته بالعملاء الأجانب لتصريف منتجاته في الأسواق الأوروبية. فعندما غزا بونابرت مصر في عام 1798، كان في مصر أقل من مائة أوروبي أغلبهم تجار في مراكز مثل الإسكندرية ودمياط، وكانت التجارة الأوروبية مع مصر في السنوات التي سبقت الغزو الفرنسي تحتضر، وبدأت الشركات الغربية تغلق متاجرها وتنقل تجارتها إلى أماكن أخرى، ولكن تغير الوضع في القرن التاسع عشر نتيجة لازدياد إنتاج القطن المصري، واتساع كمية التجارة مع أوروبا، ففي عام 1833، بلغ عدد الأجانب في مصر نحو خمسة آلاف، وفي عام 1837 ضمت الإسكندرية أكثر من سبعين شركة تجارية أجنبية، أغلبها من اليونان وفرنسا وإنجلترا والنمسا وإيطاليا، وكانت الدول الأوروبية تبحث عن مواطن جديدة للمواد الخام، وأسواق لتصريف منتجاتها نتيجة لانتشار الثورة الصناعية في أوروبا، فأخذت في النزوح إلى الدول والمستعمرات القوية الغنية بالموارد، وكانت مصر قد ظهرت قوتها وبرزت قدراتها في عهد محمد علي، ولفتت أنظار وأطماع الدول الأوروبية إليها للاستفادة من مواردها وثرواتها.

وعندما تولى عباس حلمي الأول الحكم فقد الأجانب التشجيع الذي كانوا يلقونه في عهد محمد علي، وعمد عباس بسبب معادته للغرب إلى وقف التغلغل الأجنبي في مصر، ولما كان عباس يخشى بصفة خاصة توطد النفوذ الفرنسي في مصر، فقد طرد عددًا من الفرنسيين المشتغلين في المصانع والمعامل، ولكن بمجرد ذيوع نبأ وفاة عباس جاء إلى مصر من كل بقاع أوروبا «على حد وصف المؤرخين الأجانب» المحتالون والباحثون عن الذهب، وتدفقوا بأعداد هائلة، كما لو كانت مصر كاليفورنيا جديدة، خاصةً أن الأجانب كانوا يتمتعون في مصر بالإعفاء من الضرائب، بالإضافة إلى الحصانة القضائية، إذ لا يجوز توقيفهم ومساءلتهم أمام القضاء، إلا بعد موافقة قناصل دولهم، وذلك تبعًا للامتيازات الأجنبية التي كانت تمنحها الدولة العثمانية للرعايا الأجانب في ولاياتها، بمقتضى اتفاقيات دولية بينها وبين الدول الأوروبية، وفي الفترة التي بين عامي 1857، وحتى 1861 دخل مصر حوالي 30000 أجنبي كل عام، وأدى إنشاء قناة السويس ورواج القطن المصري إلى ازدياد عدد النازحين إلى مصر حتى بلغوا 80000 في عام 1865.

وقد كان محمد سعيد باشا والي مصر مسؤولًا عن تدفق الأجانب إلى مصر بهذا الشكل، بسبب حبه للأجانب وتساهله معهم، وحرصه على إرضائهم، وكان عصره أول العصور التي وجدت فيها الحرية التجارية، وترك الأجانب بعد أن جاؤوا إلى البلاد بأعداد كبيرة ترك لهم الحرية في إقامة الشركات، وبيوت المال، وبيوت الرهن العقاري، وكان مجيء الأجانب الأساسي والرئيسي إلى مصر لاستغلال موارد الثروة فيها، بعد أن حرمهم محمد علي منها؛ فقاموا بإنشاء البنوك وبيوت الرهن، وهذه المؤسسات لم تكن منتشرة في مصر، ويرجع ذلك إلى الدين الإسلامي وتحريمه الفائدة، أو الربا في تداول الأموال، واقتصرت أعمال الإقراض أو تشغيل النقود بفائدة على طبقة صغيرة، قامت في بدايتها في المدن الكبيرة في مصر وتخصصت في إقراض المشروعات الحكومية، وما يحتاج إليه الوالي من أموال، ولما جاء إسماعيل إلى الحكم، وكانت له حاجة كبيرة إلى المال لمشروعاته وإنفاقه وإسرافه المبالغ فيه، توسعت الحكومة والخديوي في الاقتراض.

من هذه البنوك وتوسعت هذه البنوك أيضًا في الانتشار في مصر

ونتيجة لذلك أنشأت بعض البنوك الأوروبية فروعًا لها في مصر كي تكون قريبة من الحكومة، فتسد حاجتها في سرعة لتتصيد الفرص التي تعود عليها بالربح، وأهم هذه البنوك هي:

  1. البنك المصري الإنجليزي تأسس في سنة 1864، برأس مال 1.5 مليون جنيه، ويخضع للقوانين الإنجليزية وقصر هذا البنك معاملاته على الحكومة فقط، واستطاع أن يقرض إسماعيل سنة 1865 ما يزيد على 3 ملايين جنيه (3387300 جنيه).
  2. البنك الإمبراطوري العثماني تأسس فرع له في مصر في سنة 1867، وقد أقرض الخديوي في نفس السنة ما يزيد على مليوني جنيه (2080000 جنيه).
  3. بنك مصر وتأسس سنة 1867، (وهذا غير بنك مصر الذي أسسه طلعت حرب).
  4. وبنك الإسكندرية التجاري تكون سنة 1868.
  5. البنك الفرنسي المصري تأسس سنة 1868.
  6. بنك الكريدي ليونيه فتح له فرعًا في سنة 1872 في الإسكندرية.

وأنشئت مجموعة أخرى من البنوك وبيوت الرهن العقاري؛ لكي تشجع الفلاحين المصريين على الاقتراض منها برهن الأراضي الزراعية، وشجع ذلك بعض اليهود على إنشاء بنوك لهم تقوم بأعمال الإقراض، مثل بنك قطاوي وأولاده.

ولقد قامت هذه البنوك وغيرها بتزويد الحكومة بما تحتاج إليه من المال، وارتبطت مع الخارج بعلاقات مالية، وبخاصة مع البيوتات المالية في باريس ولندن، كما أن معظم هذه البنوك اتصل بالعاصمتين المذكورتين، ونمت هذه العلاقات مع الحكومة والبنوك سواء داخل البلاد أو في خارجها؛ لأنها كانت تحصل أرباح الديون وتوصلها إلى الخارج، وهذا يعطينا صورة واضحة عن مقدار أهميتها من جهة والدور الذي لعبته من جهة أخرى.

بالإضافة إلى هذه البنوك ظهرت شركات أخرى للاستثمار، مثل المصارف الزراعية التي تكونت للحصول على امتياز إصلاح الأراضي البور، والشركات التجارية والصناعية، مثل شركة السجائر والبيرة والملح والصودا وتكرير السكر، وإنشاء الفنادق وحلج وكبس القطن وشركات التجارة للصادرات والواردات.

وبصفة عامة، فإن الشركات الأجنبية والبنوك التي أنشئت وبيوت المال والرهن كلها على اختلاف هيئاتها، اجتمعت على استغلال احتياج الاقتصاد المصري، وضعف وجهل الحكومة المصرية، وإسراف الحكام في الاقتراض والخطأ الذي وقع فيه حكام مصر أنه لو تم صرف هذه القروض التي بلغت قيمتها أكثر من مائة مليون جنيه تقريبًا على مشروعات إنتاجية، لتغير وجه مصر الاقتصادي تغييرًا جذريًّا، ولأضحت مصر قوة اقتصادية لا يستهان بها في المجال الدولي، ولأمكن تلافي الكثير من الويلات التي جرها الأجانب على مصر نتيجة تدخلهم كمقرضين للحكومة المصرية، إلا أنه للأسف الشديد قد تم صرف هذه القروض على نواحٍ ترفيهية واستهلاكية بحتة، والقليل منها هو الذي أنفق على المشروعات العامة والطرق والكباري، وكانت النتيجة الطبيعية هي الإفلاس الذي كان مقدمة التدخل الأجنبي.

إفلاس مصر

وفي عام 1876، أفلست مصر وأصبحت ضحية سهلة للسيطرة الأجنبية؛ حيث إن الجاليات الأجنبية والبنوك الأجنبية اتصلت بحكوماتها في الخارج، وكانت أكثر الأموال المقترضة من الأموال الإنجليزية والفرنسية، وطالبت هذه الجاليات والبنوك تدخل حكوماتهن لضمان الأموال التي اقترضتها الحكومة، والخديوي بالإضافة إلى الأموال التي اقترضها الفلاحين المصريين أنفسهم من بيوت الرهن العقاري، التي غذت مصر في هذه الفترة. وقد كان الإفلاس نتيجة طبيعية لإسراف الخديوي في الاقتراض والإنفاق ببذخ، ولفداحة شروط الاقتراض ولم تعد مالية مصر قادرة على الوفاء بما عليها لسداد أقساط الفوائد والقروض، واكتمل المخطط الذي وقعت فيه مصر بإغرائها بالاقتراض، وبدت كثمرة طابت لقطفها.

كيف تطورت عملية النهب؟

إن من يتعرض بالدراسة للوسائل التي اتخذها الأجانب معبرًا للوصول إلى أغراضهم، يجد أنها كانت تتسم بالعمق المقترن بالحقد والجشع اللذين ازدادا على طول الأيام مرارة وضراوة، وتلك كانت طبيعة الأوربيين ومسلكهم مع مصر منذ زمن طويل، فهم يتربصون بمصر مترقبين الفرصة المواتية للانقضاض عليها، فإذا لم تواتهم الفرصة عمدوا إلى خلقها والاستفادة منها، وقد كانت الديون الأجنبية رأس الحربة التي طعن بها الاستعمار مصر.

ولم يكن أحد من الدائنين يرغب في خروج إسماعيل من الدين، ذلك أن عملية إقراضه قد أثبتت أنها عملية مربحة، وفوق ذلك فقد كانت هناك أرباح أخرى إضافية تأتي من العمولات على طلبات الشراء من الخارج والاستيراد، والتي لم يكن ممكنًا أن تستمر إلا إذا كان إسماعيل والخزانة المصرية يتلقيان المال باستمرار من القروض، كما أن تجمع ما كان يسمى بالمالية العليا في باريس قد تآمر رسميًّا على سلب الخديوي، فكان يظهر في الليلة الواحدة كما يظهر النبات الدنيء مصارف مفتعلة طنانة الأسماء، كالمصرف الإنجليزي المصري والمصرف الفرنسي المصري، وغير ذلك، وغرضها الوحيد إغراء الخديوي بعقد قروض جديدة فاحشة الربا، وهكذا كان دخول البنوك إلى مصر، والتعامل بالفائدة الربوية نذير شؤم على مصر أدى إلى إفلاسها وخرابها وتسليمها في نهاية الأمر إلى الاحتلال.

والنتيجة أنه في الفترة بين 1863 «السنة التي اعتلى فيها إسماعيل الحكم» وبين سنة 1876 «وهي آخر سنة احتفظ فيها إسماعيل بسلطة حقيقة على مالية البلاد»، قدر ما وصل فعلًا إلى الخزانة من القروض بحوالي 32 مليون جنيه، في حين كانت قيمة هذه القروض على الورق 53 مليونًا «أي أن القيمة الاسمية للقروض تقدر بـ53 مليونًا بينما ما دخل البلد قدر بـ32 مليونًا» والفرق بين هذين المبلغين كان يذهب مصاريف خصم وعمولات، وطوال الثلاثة عشر عامًا (بين 1863 وحتى 1876) كانت الفائدة وأقساط الدين تحسب على أساس القيمة الاسمية، ودفع مبلغ 35 مليون جنيه، أي أكثر من كل ما حصلته الخزانة من القروض.

التدخل الأجنبي الصريح في سياسة البلاد وتقارير اللجان الدولية وصندوق الدين

نتج عن هذا الارتباك الذي سببته الديون الخارجية والديون السائرة بشكل خاص، ظروف التدخل الأجنبي السافر، وتصاعد التدخل السياسي ترسيخًا وتطويرًا للنتائج التي أحدثها غزو القروض، وفي هذه الفترة التاريخية المحددة، كان التدخل السياسي لا يواجه فقط ببقايا مقاومة مصرية، ولكن أيضًا بعقبة التناقض الأنجلو فرنسي، والتسارع بين فرنسا وإنجلترا على مصر.

المهم أن التدخل لفرض الهيمنة الشاملة بدأ ببعثة كيف الإنجليزية «بعد صفقة قناة السويس»، وكان الخديوي إسماعيل تحت ضغط الاختناقات المتلاحقة، قد طلب من الحكومة البريطانية إعارة خبيرين، يشرفان على الدخل والخرج، خاضعين لإرشاد ناظر المالية وأوامره.

وتعاقبت اللجان الفرنسية والإنجليزية على مصر، وتوالت تقاريرها التي تعلن التدخل المباشر والصريح في سياسة مصر وإدارتها مثل لجنة جوشن «مندوبًا عن إنجلترا» وجوبير «مندوبًا عن فرنسا» ومهدت القوى الاستعمارية لتدخلها الرسمي في إدارة البلاد، وتعيين وزيرين في الحكومة المصرية أحدهما إنجليزي، والآخر فرنسي مهدت ذلك بقتل إسماعيل المفتش وزير مالية الخديوي إسماعيل الذي كان يقف عقبة أمام شروطهم وتقارير لجانهم، وجاءت بعميلها ورجل الاستعمار الأول نوبار باشا الأرمني الأصل، الذي تولى رئاسة الوزارة المختلطة التي كانت تضم لأول مرة وزيرين أجنبيين في الحكومة، أحدهما فرنسي والآخر إنجليزي؛ لكي يشرفا على الإدارة المالية للبلاد، ويشرفا على الدخل والخرج، ويقررا ما يجب إنفاقه وما لا يجب.

وكان دخول الوزيرين الأجنبيين قد جاء عن طريق لجنة التحقيق الدولية، التي جاءت لدراسة النظام المالي في مصر، وكان رئيسها الفعلي ويلسون «ممثلًا لإنجلترا»، وأصدرت تقريرها الأول إلى إسماعيل في أغسطس 1878، وقبل الخديوي التقرير رغم كونه مهينًا، ووافق على اشتراك ويلسون في وزارة نوبار بوصفه وزيرًا للمالية، ودي بلنبير «الفرنسي» وزيرًا للإشغال، وأعلن التقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية أبريل 1879، وقد قام بناؤه على أن مصر أصبحت مفلسة، وأنها دخلت مرحلة الإفلاس منذ 1876.

وهكذا كانت دعاوى القوى الاستعمارية، فالأمر بدأ بإرسال البنوك الأجنبية وبيوت الإقراض والرهن، ثم افتتاح الشركات الأجنبية حتى إذا ما تضخمت الديون أرسلت اللجان وأعدت التقارير التي تطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي ومقاومة احتكار الخديوي للسلطة وإقناعه بالتخلي جزئيًّا عن سلطاته لرئيس مجلس النظار، واستعملت في هذا المنصب عملائها.

توصيات التقارير واللجان الدولية بالإصلاح الاقتصادي والسياسي والديمقراطية

وكان الغطاء الآخر الذي تصاعد في ظله التدخل، ترشيد الأداء الاقتصادي، وضبط الموازنة، وتطوير الإدارة، وبالتأكيد كانت الدول الأجنبية في مرحلة معينة تهدف إلى تحقيق ذلك، ولكن بأي معنى؟ أثبت التاريخ في هذا الموضوع، كما أثبت في قضية الديمقراطية، أن هذه الأساليب لم تكن مفاهيم مجردة أو محايدة، وإنما قصد بها منذ البداية خدمة أهداف محددة:

فتحطيم السلطة الاستبدادية كان يعني مشاركة ثم قيادة الدول الاستعمارية -وعلى رأسها إنجلترا- لهذه السلطة، وترشيد الأداء الاقتصادي كان يعني ترتيب الأوضاع على النحو الذي يضمن انتظام التبعية، ويضمن بالتالي انتظام انسياب الموارد المصرية إلى الخارج، أو تنظيم عملية النهب. ولم تكن لدى السلطات المصرية وعلى رأسها الخديوي أي أوهام حول هذا الموضوع، كان الخديوي إسماعيل على الدوام مهتمًا بالاستعانة بالخبراء الأجانب في جميع مصالح الدولة، ولكنه كان يصر دائمًا على أن يكونوا مسؤولين أمامه، ولا يتلقوا أوامرهم من حكوماتهم أو يقدموا إليها أية تقارير. على أن الحكومتين البريطانية والفرنسية كانتا تميلان إلى اعتبار هؤلاء الخبراء، ولو جزئيًّا على الأقل، عملاء لهما، وكانتا تريان أنه لكي يكون عملهم فعالًا، فمن الضروري حمايتهم من الضغوط التي يتعرضون لها بسبب ميول الخديوي «الاستبدادية»، ومعنى ذلك رغبة هاتين الحكومتين في استخدام هؤلاء الخبراء كوسيلة لفرض السياسة البريطانية والفرنسية. وكان إسماعيل يدرك ذلك.

وكجزء من عملية الترشيد لم تقتصر مهمة الخبراء وهيئات الرقابة الأجنبية على حصر الموارد، ولم تقتصر المهمة على ضمان تدفق مدفوعات خدمة الدين، فقد كان طبيعيًّا أن تمتد المهمة إلى ضمان استمرار النهب في المدى البعيد، ويتطلب ذلك تحديد سقف لما يمكن استنزافه، ولو أدى هذا إلى بعض التناقض مع المصالح الآنية لبعض الدائنين، عملًا بمقولة: قليل دائم خير من كثير منقطع، وقد عبر عن هذا المعنى بوضوح فيفيان «القنصل البريطاني» حيث كتب إلى حكومته أنه «من الأهمية بمكان أن يتولى المراقبان -يقصد المراقب الإنجليزي والفرنسي في الرقابة الثنائية- حماية الفلاحين كما يحميان حملة السندات والمقرضين الأجانب أصحاب الديون، ومنع قتل الإوزة التي تبيض ذهبًا». وقد تساءل كرومر في الاتجاه نفسه، وعلى نحو أكثر ديناميكية «أليس ممكنًا استخدام مصالح أصحاب السندات كوسيلة ضغط لتحسين (لترشيد) الإدارة المصرية، بحيث تحفظ نصيبًا للفلاحين من ناحية، ونتمكن في الوقت نفسه من تقديم ضمان كافٍ للمقرضين الأجانب بسداد الالتزامات المالية الجديدة أيًّا كان مقدارها».

وبعد أن خلع إسماعيل، وتولى توفيق أجبر الخديوي الجديد «توفيق» على تعيين مراقبين أحدهما بريطاني والآخر فرنسي، ومنحهما من السلطات ما يكفي لإعادة بعض النظام إلى المالية المصرية، وتحقيق مصالح أصحاب الديون، وأعلن أنه لا يجوز للحكومة المصرية عزل المراقبين دون موافقة دولتيهما، وبهذا أضحت الرقابة الثنائية رقابة دولية من الناحية الرسمية، وتم التوصل بعد ذلك إلى ما عرف بقانون التصفية في عام 1880. وفي هذا القانون روعي مبدأ عدم ذبح الإوزة، وخفضت نسبة الفائدة إلى 4% بدلًا من 7%، وهكذا أدرك الأجانب أن الفوائد التي كانوا يتمسكون بها تحد من مقدرة البلاد المالية التي من الممكن أن تؤثر بالكامل في إنتاجيتها لذلك عملوا على عدم ذبح الإوزة، وتقليل الأعباء عليها بعد ما ضمنوا الإمساك بعنقها، وإدارة شؤونها بعد الاحتلال.

فقد انتهت مرحلة الإغراق في الديون، وبدأت مرحلة الترشيد لجني الثمار بشكل مستقر، وتقول التقديرات إن إجمالي الديون الخارجية كان يقل عن 100 مليون جنيه، ولم تنتفع مصر منها في شكل مشروعات بأكثر من خمسين مليونًا في أحسن الأحوال، وذهب الباقي هباءً في عمولات أو تبذير من جانب إسماعيل. وبفضل الإدارة الرشيدة على يد الخبراء تقاضى الاستعمار مقابل الخمسين مليونًا هذه أرباحًا وفوائد، وصل مجموعها إلى 250 مليون جنيه.

دخول الاحتلال الإنجليزي

سيطر الأجانب على مصر ونتيجة لتدهور الأوضاع وسوئها تدخلت الدولة العثمانية سنة 1879، وعزلت الخديوي إسماعيل لتسببه في سوء أحوال البلاد، وعينت بدلًا منه ابنه محمد توفيق باشا خديوي لمصر.

ولم يطمئن الغرب ويكتفوا بما فعلوه في البلاد وسيطرتهم على أقواتها، وتعيين رجالهم في الوزارة المصرية، واستعمال العملاء مثل نوبار باشا على رئاسة مجلس النظار «الوزراء»، أرسلت إنجلترا جيوشها وأسطولها إلى مصر، وأعلنت أنها غير مطمئنة على أموال رعاياها التي أقرضوها للحكومة المصرية، وأن الجالية الأجنبية لا تأمن ذلك في ظل تردي الأوضاع في مصر، خاصةً بعد تذمر الضباط العرابيين، اعتراضًا على التدخل في شؤون مصر، وتدهور أوضاعها، ولما كانت هذا التذمر من الجيش لما لحق بالبلاد فإن هذه الحركات والثورات من قبل الجيش قد تعرض سلامة الجاليات الأجنبية في مصر، والأموال التي أقرضوها للحكومة المصرية للخطر، وعلى ذلك فإن إنجلترا قد رأت أن تضمن حقوق وأموال هذه الجاليات، وتؤمّن لهم ذلك بتواجدها في مصر للحيلولة ضد قيام أي انقلاب، أو حركة من الجيش المصري تؤثر في ضمان هذه الأموال، أو تؤثر في سلامة رعاياها.

وهكذا دخل الاحتلال الإنجليزي مصر 1882 بسبب الديون الأجنبية، وبحجة حماية أموال وممتلكات الرعايا الأجانب. لتدخل مصر مرحلة جديدة في تاريخها سيطر فيها الأجانب على مقدرات البلاد، وأصبحت مصر مزرعة القطن الشهيرة، وفتحت الأسواق أمام استيراد منتجات الدول الغربية، وعلى رأسها إنجلترا، وشهدت الوقوف بحزم ضد أي محاولة للتنمية الصناعية الجادة.

ولا بد من التذكير بقول كرومر الشهير في هذا المجال (كرومر هو الحاكم العسكري لمصر بعد الاحتلال): «من يقارن الحالة الراهنة بالحالة التي كانت منذ 15 سنة، يرى فرقًا ضخمًا، فالشوارع التي كانت مكتظة بدكاكين أرباب الصناعات والحرف من غزالين وخياطين وصباغين وخيامين وصانعي أحذية… قد أصبحت مزدحمة بالقهاوي والدكاكين المليئة بالبضائع الأوروبية، أما الصانع المصري، فقد تضاءل شأنه، وانحطت كفايته على مر الزمن، وفسد لديه الذوق الفني الذي طالما أخرج في العصر القديم المعجزات في مذاخر الصناعة».

وقد شملت الهيمنة الأجنبية بعد الاحتلال الإنجليزي أدوار الإنتاج والتوزيع جميعًا، وكثر المشتركون فيه فصاروا يعدون بمئات الآلاف بعد أن كان عددهم لا يزيد على بضع مئات، أول حكم محمد علي.

وقد تعمد الاحتلال القضاء على كل ما من شأنه أن يعود ببعض التقدم الصناعي؛ فأهملت الصناعة ولم تتخذ التدابير الكفيلة برقيها، بل ألغيت البعثات الصناعية إلى الخارج، وفرضت في أبريل عام 1901 ضريبة على جميع المصنوعات القطنية في مصر مقدارها 8%، وبالإضافة إلى سياسة فرض الضرائب على المنسوجات الوطنية وغيرها، كان رؤساء المصالح الحكومية من الإنجليز يؤثرون السلع البريطانية ويفضلونها على السلع المصرية، ومن بين العوامل التي أدت إلى انهيار الصناعة أيضًا أن أصحاب رؤوس الأموال من المصريين فضلوا استثمار مدخراتهم في استصلاح الأراضي، وفي الزراعة، وصور اللورد كرومر في تقريره عن عام 1905 تدهور الصناعة هذا وكتب يقول: «إن المنسوجات الأوروبية حلت محل المنسوجات الوطنية، وبانقراض المنسوجات الوطنية أخذت الصناعة الأهلية تنقرض أيضًا»، والنتيجة التي تخرج بها من هذا العرض هي أنه بانتقال السلطة إلى يد الإنجليز تم توجيه الاقتصاد المصري لخدمة المجتمع الغربي، وظل المجتمع المصري محتفظًا بطابعه الزراعي فترة غير قصيرة.

وأصبح النشاط الاقتصادي يتركز في يد العناصر الأجنبية التي تموله وتشرف عليه وتنهض بشؤونه جميعًا، فيما عدا الأعمال البسيطة التي لا يكون جلب من يقوم بها مكلفًا، وأصبح المصريون يشعرون بضآلة الدور الذي يقومون به في ميدان هذه الصناعات، وينفسون على هؤلاء الأغراب حياتهم الأنيقة، ويرون في نشاطهم الصناعي والتجاري وأرباحه السريعة ابتزازًا لكدهم ومالهم، ليس بعده ابتزاز، حتى دخلت مصر القرن العشرين وهي ترضخ تحت الأموال الأجنبية التي كانت تمثل أكثر من 90% من الاقتصاد المصري في بداية القرن العشرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد