لن ندخل في خلاف كبير ومجادلة لا طائل تحتها الآن حول أيهم أكثر أهمية بالنسبة للسواد الأعظم من الناس؟، الدين أم الاقتصاد، العبادات أم الاحتياجات، ولن نطرح المساجلة الفلسفية لقراءة التاريخ، ومحاولة فهم الصراع البشري منذ القدم، هل هو من أجل الإله أم من أجل الدينار، من أجل الخبز المقدس أم من أجل المرق الذي يخرس صوت الجوع، من أجل مصلى نتعبد فيه أم من أجل بيت يقينا شر البرد، ويحمينا من الهوام، ويحجبنا عن اللصوص؟

تاريخ البشرية هو تاريخ بحث الإنسان عن الخبز

تعتبر هذه الجملة من الركائز الأساسية لفكر كارل ماركس نبي الشيوعية، ومن القواعد الأساسية التي منها انطلقت دعوة الشيوعية، والمادة الخام التي نسج منها دعاة الشيوعية خطبهم، ومنشوراتهم التي كانت تستهدف تأجيج وبث الاعتراض في قلوب طبقة البروليتاريا (العمال)؛ التي طالما ظلمتهم البرجوازية، ومن قبلها الأرستقراطية؛ ويا للأسف كل ذلك بمباركة رجال الدين، ومنهم من فعل ذلك بسبب الجهل وعدم إدراك مقاصد الدين، ومنهم من فعل ذلك بسبب ليونة ضميره.

قد لا نوافق على جملة ماركس من ناحية الإطلاق والتعميم، ولكن التاريخ يخبرنا أن ذاكرته مليئة بأحداث وثورات تؤكد هذه الجملة، وتمسك بتلابيبها، والجغرافيا أيضا تشهد أن كثيرا من جسدها قد اضطرب اضطرابا شديدا، وهاج وماج بسبب تمرد الباحثين عن الخبز.

فمنذ عشرات القرون حدث تصالح بين الدين والمُلك، لقد تدينت السياسة، وتسربلت بمسوح الرهبان، وأصبح الإمبراطور رئيسا للكنيسة، وأصبح الفقيه العابد خليفة، تزوجت السياسة بالدين؛ وأضحى الأباطرة وكلاء للرب، وأضحى الخليفة ظل الله الممدود على عباده.

وجدت السياسة أن مصالحة الدين، وتحقيق مطالبه، أيسر وأسهل من مصالحة مطالب، واحتياجات الناس؛ ولكن لا بد للدين أن يدفع ثمن هذا، فسلط الساسة رجال الدين على الناس وقالوا لهم: اكفونا هؤلاء، وبالطبع هذه الصفقة لم يحضرها حاطب منا؛ ووقف السياسي يفرك يديه بحبور كمسترهن، وهو يرى الأكاذيب تخرج من لحى رجال الدين، وما يفعلونه بآمال وأحلام واحتياجات الناس. وقدر الأمم المبشرة بالهلاك أن يجمع الله عليها سلطانا مارقا، وشيخا منافقا.

لا يخفى علينا نتيجة حكم الثيوقراطية في أوربا، وماذا فعلت صرخة فولتير المدوية «اشنقوا آخر حاكم بأمعاء آخر قسيس»، فقد بغى حكام أوروبا، وأفقروا الناس ومنعوهم حقوقهم، وكل هذا بمباركة القساوسة، فكان من تقره الكنيسة مِن الحكام فله الحكم المطلق، مؤيد بتوفيق مِن الرب وإلهام، فلا يجوز الاعتراض عليه، أو حتى الامتعاض، ولكن الفقر طال، والألم عزب معه الصبر، فكان الانفجار، وانسخلت أوروبا من الدين وكفرت كفرا أصلعا.

وهنا نذير القائد البصير نصر بن سيار يلوح لنا في الأفق:

أرى خلل الرماد وميض نار .. فيوشك أن يكون لها ضرام

فإن لم يطفها عقلاء قوم .. يكون وقودها جثث وهام

فهل نستطيع قبل أن تضرم النار فينا، أن نردع المجرمين من رجال الدين، الذين يأكلون على موائد الحكام، لحوم الفقراء، ويشربون نخب دمائهم؟

فلا تظن ما حدث في أوروبا وانسلاخها من الدين قد ولد بغير حمل، ولا وحام، لا، فالمقدمات تفضي حتما إلى النتائج؛ وعليه أن ينتبه رجال الدين ورجال السياسة، الذين هم أملنا وسبب تعاستنا في آن، فالناس وخاصة في المجتمعات الشرقية يعلقون آمالا كبيرة على الدين، وعلى رجاله؛ فالدين هنا يشغل حيزا كبيرا جدا من حياة الناس، وكما عبر المصلح الإسلامي وعالم الاجتماع الإيراني الكبير علي شريعتي: «الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدوارا متناقضة. يمكن له أن يدمر أو يبث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة».

ولكن الواضح أن رجال الدين في كثير من الأحيان ضدنا لا معنا، يرونا نبكى فيطلبوا منا أن نكف عن البكاء، ولا يكلفوا أنفسهم عناء أن يطلبوا من الضارب رفع العصا، يصرخون في وجوهنا أدوا حق الحكام، أما واجباتكم فاصبروا ولا تصدعونا، فيسمعوا الحكام سجع الحمام، ويسمعونا زئير الأسد؛ وأصبحنا كأعزل في غابة تطفح بالقتلة، فإن اعترضنا على حالنا اتهمنا أصحاب الحكم بالتمرد، واتهمنا أصحاب الدين بالكفر.

ونضرب مثالا لما سببه رجال الدين في تثبيط ههم الناس، فبدل أن يبثوا فيهم روح العمل وعدم الاتكال، راحوا يخدرونهم بأفكار أشد على النفس من وقع الخمر والحشيش وصدق القائل:

كنت من كربتي أفر إليهم .. فهم كربتي فأين الفرار؟!

فمن الأوهام التي يسبح في بحيرتها كثير من الناس بسب الأفكار التي يرددها بعض رجال الدين، والتي انتشرت بين الناس انتشار النار في الهشيم، وحجبت عنهم صحيح الرؤيا كما يفعل التراب في العاصفة: «أن الرزق مقسم بين الناس بالتساوي»، فلا داعي للسخط والاعتراض، وأن الدنيا دأبت على النقص، وأن من أعطي المال سلب الصحة وراحة البال، وأن لك قراريط من الرزق، لا تزيد ولا تنقص عن قراريط غيرك، ويتكلمون بكلام باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويتحلون بلباقة الكذب، فهم كالحية التي تستطيع أن تحول لبن المرضع إلى سم ناقع، وبالطبع كلامهم هذا غير صحيح، فقضمة واحدة من البيضة تنبئك بأنها فاسدة، فلا داعي لالتهامها كلها، ولكن ثقتنا الزائدة في هؤلاء العلماء شلت تفكيرنا، ووجد الفقراء منا في هذا الكلام علكة حلوة تعلكها حمير العلم، التي تحمل الأسفار، وتراكم الدولار، ثم تبصقها في وجوه الناس بما حملت من مرارة أفواههم، ولكن الأفضل لنا أن تصفعنا الحقيقة، خير من أن تقبلنا الأكاذيب.

ونرد على كلامهم الممجوج هذا: فالأصل أن الله يقبض ويبسط، ويعطي ويمنع، لحكمة يعلمها، بيده الخير سبحانه. ولو أن الرزق مقسم بين الناس بالتساوي، وأن من الناس من يأخذ رزقه مالا، ومنهم من يأخذه بركة في الأولاد، ومنهم من يأخذه وفرة في الصحة، فلو سلمنا بصحة هذا الكلام لأصبح الكلام عن الابتلاءات والصبر عليها، ضربا من الابتذال والسخف. والحقيقة أن ترويج هذا النوع من الحشيش على لسان علماء دين منهم من يردده خاطئا غافلا.

ومنهم من يردده بنية خبيثة، وكلامهم لا يستند على شيء، اللهم الخداع، وتخريب بوصلة الحقيقة؛ ومع الأسف الشديد هذا الكلام تلوكه الألسنة بكثرة، وسقط في بئر إدمانه كثير من الناس، وسبب ذلك أنهم استخدموا كل العوامل التي تساعد على انتشار الآراء، وترسخها في عقول العامة، من توكيد، وتكرار، ومثال استخدموا المشاهير من رجال الدين، ونفوذ، ولكن مهما كثرت الأقوال فمجموع الأباطيل لا يصنع حقا. فالهدف من فكرتهم هذه أن لا يتذمر الفقير من فقره، ولايسأل عن سبب فقره ما دام معتقدا أنه حصل قراريطه من الرزق في شيء آخر، وأن يعاشر الفقراء فقرهم معاشرة التسليم، ويصبحوا مثل رجل ميت ليس له أسئلة.

ولو سلمنا أن كلامهم هذا كان الهدف منه أن يهدأ روع الناس، وأن لايمتلئوا بالغضب، والسخط، وكره الحياة، فهذا الكلام جعل لهم في السعادة فرصة، وفي الهلاك ألف، فضروهم من حيث أرادوا أن ينفعوهم، فتكلسوا، وأخلدوا إلى التواكل،والبطالة، والكسل، والدروشة، واستسلموا لظالميهم استسلام الميت للغاسل، فألف الفقراء الحياة الصعبة، كضب ألف حياة الجفاف والندرة، وصدق القائل:

إذا ما الجرح رم على فساد .. تبين فيه إفساد الطبيب

فالرزق ليس مقسما بين الناس بالتساوى و جميع الأدلة من حولنا طافحة تؤكد هذا الكلام، وتقبض عليه باليمين والشمال، فتجد الرجل يموت فقيرا، مريضا، له ذرية عاقة، وزوجة كنود، ناكرة للعشير؛ فسخط وعصى، ولم يصبر على هذا الابتلاء، فانقلب على وجهه، فخسر الدنيا والاخرة، وذلك هو الخسران المبين. وهنا ينبجس سؤال يارعاك الله: أين ما أخذه هذا المسكين من قراريط الرزق كما يروج تجار المخدرات من اصحاب اللحى، والعمائم الضرار!

كثير ما يكذب علينا من يدعون أنهم يبلغون رسالات الله، وكما قيل: إذا كذب السفير بطل التدبير، وسفيرنا قليلا ما يقول الحق، وما أتعس الكاذب والمكذوب عليه.

وعادة ما يستخدم رجال السلطة في تثبيت ما يريدونه من أكاذيب باستخدام رجال الدين مايعرف بمغالطة المنشأ: وهو أن المعلومة والفكرة لا تستمد قوتها من نفسها بل من مصدرها، وأن الناس يقبلون كلام المشاهير، ولو كان خاطئا. ولكن هذا لن يستمر طويلا، فهؤلاء العلماء أصبحوا كأداة عمل فترت من كثرة البري والاستخدام، والخبثاء منهم الذي رددوا هذا الكلام، ونشروه بنية خبيثة؛ فانتشرت طحالب الفقر، سيصبحون ترابا نجسا، يعف عنه المتيمم.

ونختم بما قاله العلماء العاملين الذين حذروا من ضرر هذه الأفكار، لعل الناس تفيق، في زمن يسيطر عليه عجل السامري الذهبي، ويتحرك الفقير فيه كجرز يقطع ساحة ملئت بقطط جائعة، ولا يصدقون كلام هؤلاء الذين لم يراعوا قدسية الكلمة، وحرمة الدين، بل كانوا يراعون قدسية الذهب والفضة، ولا يتورعون عن سرقة الغنم، ثم البكاء مع الراعي، يقول الشيخ محمد الغزالي: «كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس، أو ترضيهم بالدون من المعيشة٬ أو تقنعهم بالهون في الحياة، أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنية، فهي دعوة فاجرة، يراد بها التمكين للظلـم الاجتماعي، وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد. وهي قبل ذلك كله كذب على الإسلام، وافتراء على الله».

وفى خطبة للشيخ محمد راتب النابلسي، يرفض الرجل هذه النظرة التقديسية للفقر، وتكلم على أن الغنى من النعم التي تستوجب الشكر: ووجدك عائلا فأغنى، وأن الفقر من النقم وأنه خطر على العقيدة «كاد الفقر أن يكون كفرا» رواه ابن أبىي شيبة والبيهقي عن أنس رضي الله عنه، وحذر من خطورة الفقر على الأخلاق والسلوك «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف» متفق عليه. عن عائشة رضى الله عنها، وخطورته على الفكر «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» متفق عليه، عن عبد بن أبي بكرة عن أبيه، وقد حمل الفقهاء هذاالحديث أكثر من ثلاثين وجها منها الجوع الشديد، وخطورته على الأسرة، «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق».

وفي مقالة للشيخ محمد نور المراغي على موقع إسلام ويب يقول:«إن الله لا يخدر البائسين والمحرومين بجناته الموعودة، لقاء رضاهم بظلم اجتماعى، أو طغيان مادي، أوتحكم طبقي، أو إقطاعي».

فالإسلام لم يقف من الفقر موقف التأييد، أو الحياد، بل اتخذ موقفا معاديا له؛ لأن الإسلام كان يرى أن الفقر سبب لكثير من الشرور، ودعا الناس إلى رفضه، وعدم الرضوخ له، وهذا ما فهمه الصحابة، الذين اتصفوا بالصدق، والفهم الشمولي للإسلام، وكون العدالة الاجتماعية من عزائم هذا الدين، فقد نسب إلى علي بن أبى طالب رضى الله عنه «لو كان الفقر رجلا لقتلته»، ويقول أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: «عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، ألا يخرج على الناس شاهرا سيفه»، وقد نسب إلى السلف الصالح قولهم: «إذا دخل الفقر قرية قال له الكفر: خذنى معك».

وقد عبر الإمام ابن حزم في كتابه المحلى عن هذا المعنى بقوله: «إنه إذا مات رجل جوعا في بلد اعتبر أهله قتلَة، وأخذت منهم دية القتيل»، ويضيف ابن حزم بأن للجائع عند الضرورة أن يقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره، «فإن قتل – أي الجائع – فعلى قاتله القصاص، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله لأنه منع حقا وهو طائفة باغية». انظر الإمام ابن حزم، المحلى، الجزء السادس، المسألة رقم 725 ص226 و 227.

ارفضوا دعوة الفقر، والعنوا مروجيها، فما ضرب الله عباده بسوط أوجع من سوط الفقر، وما فسدت أخلاق قوم إلا كان الفقر سببا في ذلك؛ فالغنى يستر أخلاق يفضها الفقر عادة، وكما قال صالح بن عبد القدوس: فلم أر بعد الدّين خيرا من الغنى .. ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات