تعتبر الاتفاقية الدولية بمثابة قانون يبرم بين الشعوب وذلك لإقرار السلم وضمان التجانس والعدل بين مختلف الشعوب. والمغرب باعتباره دولة حريصة حرصًا دائمًا على الانضمام والمصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية مؤمنة بأنها السبيل الأمثل إلى تحقيق الديمقراطية وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، فقد ميزت هذه الاتفاقيات بمكانة سامية على التشريعات الوطنية ويظهر ذلك جليًا في تصدير دستور 2011 الذي يعتبر جزءًا لا يتجزأ منه، من خلال إقراره أن الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة؛ مما يوضح الشروط الضرورية لترجيح الاتفاقية الدولية على التشريع الوطني، وهي أولًا المصادقة التي تتم من طرف المؤسسة الملكية طبقًا للفصل 55 من الدستور واحترام المقدسات، ثم النشر.

واعتمادًا على تصدير الدستور الذي نستنتج منه سمو المعاهدة الدولية على التشريع الوطني، وإقراره كذلك بتشبت المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميًا، وعزمه على مواصلة العمل للحفاظ على السلم والأمن في العالم، وكذلك العمل على حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما والإسهام في تطويرهما مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزؤ؛ فإن المشرع المغربي يتفق مع الاتفاقيات الدولية في عدد من المقتضيات منها المساواة أمام القضاء التي نصت عليها المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث جاء فيها «لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظرا عادلا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه». وتماشى مع ذلك الدستور المغربي وتحديدًا في الفقرة الأولى من الفصل 120 حيث نص على «لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول»، بالإضافة إلى حق حصول المواطنين على المعلومة التي نصت عليها المادة 10 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وتلائم مع ذلك الدستور المغربي، وخاصة في الفصل 27 حيث جاء في الفقرة الأولى منه «للمواطنات والمواطنين الحق في الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام»، ولحماية مكانة المرأة داخل المجتمع وتماشيًا مع مقتضيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وكذلك الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، فتم إحداث خلايا للتكفل بالنساء والأطفال تتواجد في المحاكم الابتدائية والاستئنافية.

إلا أننا إذا تأملنا في المقتضيات الدستورية والإجراءات المسطرية وملاءمتها للاتفاقيات الدولية، فإننا نجد هوة شاسعة بينها وبين الممارسة الفعلية والواقعية؛ فعلى سبيل المثال بالنسبة للاعتقال الاحتياطي الذي عرفته المادة 159 من قانون المسطرة الجنائية بأنه تدبير استثنائي يعمل به في الجنايات والجنح المعاقب عليها بعقوبات سالبة للحرية ونصت على مقتضياته من المادة 175 إلى 188 من نفس القانون، وعملًا بمبدأ أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته التي نصت عليه المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإن المشرع قد أحاط هذا الاعتقال بمجموعة من الضمانات والشروط التي تحمي المتهم من أية تصرفات تعسفية منها افتراض البراءة إلى حين إثبات العكس، وهذا ما يجب التعامل به مع المعتقل في كافة مراحل الدعوى، إلا أنه من خلال الملاحظة للقرارات القضائية يتضح أن خطوة الاعتقال الاحتياطي هي التدبير التلقائي للقضاة، إذ وصلت نسبة المعتقلين احتياطيًا إلى 38.99% لسنة 2019، وهذا ما يفسر المشاكل العويصة التي تعاني منها المؤسسات السجنية.

وعلى غرار ذلك نجد نوعًا آخر من الاعتقال وهو الاعتقال السياسي الذي عرفه الدكتور محمد السالمي حيث قال: «الاعتقال السياسي بالمغرب لا يزال مستمرًا وذلك بغطاءات متعددة من ضمنها الغطاء الجنائي»، وهذا ما يتخالف بشكل واضح مع الالتزامات الدولية، بالإضافة إلى هذا فإن كثيرًا من المعتقلين اعتقلوا بسبب رأيهم في إطار ما يسمى بمعتقلي الرأي، بالرغم من أن المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصت على أن «لكل الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل…». الشيء الذي يحث المشرع والقضاء كل من موقعه وصفته، على محاولة التطبيق الفعلي للاتفاقيات الدولية في كافة المقتضيات المتماشية مع التوجه نحو الديمقراطية والحفاظ على الهوية الوطنية.

في النهاية يتضح أنه بالرغم من سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية كما هو منصوص عليه في الدستور المغربي، إلا أنه من الناحية العملية يبقى محدودًا جدًا نظرًا لعدة إكراهات، أهمها عدم تجديد الترسانة القانونية وعدم تحيين القوانين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد