يعرف السيد عبد الله أوجلان الدين بأنه (ثلاثية التحرر: العدالة، والديمقراطية، والحرية)، حيث حسب رأيه (يتوقف معنى الإسلام وتعريفه بالنسبة لحاضرنا على مدى تطبيق معايير العدالة والديمقراطية والحرية ضمن المجتمعات الإسلامية التي تتميز بحقيقتها الاجتماعية والتاريخية)، لم يكن أوجلان بعيدًا في تعريفه الإسلام عن كثيرين من المفكرين الإسلاميين كحسن الترابي، وحسب أوجلان فإن الدين (يتجسد أيضًا في:

1- سلوك الجهاد الأكبر.

2- والجهاد الأصغر.

ويشرح ذلك أوجلان فيقول: (أي في الحياة المحصنة دائمًا بسلاح النقد والنقد الذاتي وبمعنى آخر، فإن معنى وتعريف الإسلام الحقيقي يتجسد في سيرورة ودائمية الصراع مع النفس الداخلية ضد قوى الشر الخارجية).

يرفض أوجلان زج الدين في مواجهة مع العلمانية، والتي يراها أوجلان (ثمرة من ثمار الهيمنة الإيديولوجية للغرب). واختصار الراهن بطرفي حرب بين علمانية متلفتة وإسلامية متزمتة فنراه ينحو منحى خطيرًا، حيث يقول: (من المهم أساسًا عدم خنق حركتنا هذه بين طرفَي ثنائية، الدين – العلمانية، التي هي ثمرة من ثمار الهيمنة الإيديولوجية للغرب. وباعتقادي، فإنه من الخطأ أن يخنق الإسلام نفسه في ثنائية الدين – العلمانية، والتي تعني تشويه وإفساد التكامل الكليّ للحياة في الإسلام).

وفي مواجهة أشد قربًا وتنكيلًا بالمعنى السلفي الصوري للدين نجد أوجلان يتوافق على أن الملابس ليست دلالة على التدين، وهو بهذا ينفذ إلى المضمون، حيث يعلن أوجلان (أن تعريف المعايير الإسلامية انطلاقًا من نمط اللباس لا يعبر سوى عن وجهة نظر وضعيةٍ وضيقة.

والتعريف العصري للإسلام حسب أوجلان يمكن تسميته بالإسلام الثقافيّ؛ نظرًا لقابلية هذه التسمية في احتواء الجميع.

والمقصود بالإسلام الثقافي هنا هو المجتمع الإسلامي المتحقق، والذي لا يزال يحافظ على معناه. يشن أوجلان حربًا بلا هوادة.

ونراه يفسر المعنى الحقيقي للعبادة بعيدًا عن الطقوسية (يجب ألّا ننسى أن شروط وأشكال العبادة لدى ولادة الإسلام كانت مغايرة كثيرًا للمعاني التي يتم السعي إلى إضفائها عليها في يومنا الراهن. فالكلمة الأولى في القرآن الكريم كانت اقرأ. أي أنها معنية بالمعنى والمعرفة. هذا هو الأساس، وهذا ما يمكن إسقاطه بشكل سلس على واقعنا الراهن).

لقد عمل كِلا المركزَين (السلفية العروبية والشيعية الإيرانية ) بكل قواهما على استخدام جرثوم العنصرية القومية ضد جوهر الدين الإسلامي. ولم يترددا أبدًا في فرض نظام الدولة القومية على شعوبهما بأكثر الأشكال جورًا وطغيانًا أثناء بناء دولتَيهما القوميتَين، على الرغم من أن هذا النظام يعد من أكثر مصطلحات وممارسات الإمبريالية الرأسمالية التي تتضمن العنف المركزيّ. مع العلم أن ذهنية الأمة الإسلامية لا تنسجم إطلاقًا مع مفهوم الدولة القومية من حيث الجوهر.

وفي الأصل فإن الإمبراطورية الإنجليزية قد عملت على ترسيخ الدولتية القومية وأيديولوجيتها الرئيسة المتمثلة في العنصرية القومية، وقامت بنشرهما في عقل ورحم الأمة الإسلامية بشكل واعٍ وممنهج بغية تشتيتها. وعليه، فقد قامت خلال القرنين الأخيرَين بإلحاقِ أضرار جسيمة بكل القيم الإسلامية الموجودة ضمن الأماكن التي تعد مهد الإسلام، وكذلك بين صفوف الشعوب المسلمة، وتتسبب بتخريباتٍ جادة فيها بحيث يكاد يصعب تذليلها والتغلب عليها.

إني أُثمّن عاليًا وحدة الأمة ضمن صفوف الأمة الإسلامية المعاصرة، لكن هذا لا يعني أبدًا المناداة بخزعبلات دولة واحدة، أمة واحدة، وعلم واحد، بل على العكس، فما أعنيه هو التعددية والديمقراطية والمساواة والحرية التي ينص عليها الإسلام حسبما جاء في الآية الكريمة: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وإنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا. فإن هذه الآية تعبر عن اتحاد الأمم والأقوام الأخرى. وكلي أمل وثقة بأن يعمل مؤتمركم على اتخاذ المواقف السديدة وفق البُعدَين الكونيّ والواحديّ للإسلام، بحيث يتناول موضوع اتحاد الأمم الإسلامية، ويعالج مشكلة المذاهب الانفرادية أيضًا بصفتها تعبيرًا عن التعددية التي يحتوي عليها الإسلام.

إن حزب الله وتنظيم القاعدة الفاسدَين المُفسِدَين المنبثقَين من المركزَين الظالمَين يمثلان أساسًا الفاشية المعاصرة التي فرضتها عقلية التهميش الرأسمالية كبلاء كبير مسلّط على الأمة الإسلامية.

حيث يمارسان أفظع أشكال الفاشية عبر الإعدام وقطع الرؤوس ضد الشعب الكردستاني بالدرجة الأولى وضد جميع الشعوب المسلمة وغير المسلمة بالدرجة الثانية. لقد كانت ولا تزال الفاشية القوموية والسلطوية والعلمانية تتجسد في الفاشية الدولتية التي تطبَّق اليوم بأعتى أشكال الجور والقمع، مثلما كانت عليه في الأمس. وبالمقابل، فإن فاشية النزعة الدينية التي يُزعَم أنها أكثر عصرية وراديكالية يتم ممارستها عن طريق هذين التنظيمين المذكورَين.

وفي الأخير أود القول: أما التحول إلى تركيبة جديدة تجسد شخصية الحسين وشخصية صلاح الدين الأيوبي في آن معًا بصورة عصرية، فهو من أهم منابع الإيمان والإلهام بالنسبة لي. ومن هنا أدعوكم جميعًا للتشارك والعمل والتحول إلى إرادة وقوة قرار. كما أناديكم للالتفاف حول وحدانية الله الذي هو اسمٌ لكلّ ما هو حر وعادل ومجتمعي، وأناشدكم لتكونوا منبع الثقة من أجل تحقيق الوحدة. ومرة أخرى أحيي مؤتمركم.

وعليه، فإنّ المقاتلين من أبناء هذا الشعب والمجتمع لا يليق بهم إلا مقارنتهم ومساواتهم ببطولةٍ من مستوى بطولة سيدنا علي رضي الله عنه. وبالتالي فلا يساورني أدنى شك من أننا نمثل التقاليد الإسلامية الأكثر عدالةً وحرية وديمقراطية (في تاريخ المسحوقين والمضطهدين). كما لا أشك أبدًا في أن حركتنا نموذجية من حيث جدارتها بلعب دور الطليعة العصرية في مشاطرة هذه الحقيقة مع الشعوب المظلومة الأخرى في كافة أرجاء العالم من جهة، وعلى صعيد قابليتها للتجديد والتغير اللذين يقتضيهما الحاضر والمستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات