“هل الله موجود؟”

لا يوجد سؤال أكبر من هذا، فإجابة هذا السؤال تجيب بالتالي عن سلسلة طويلة من الأسئلة الأخرى مثل: لماذا خلقنا؟ ما سر النظام في الكون؟ ما الذي يحدث عندما نموت؟ لذا فليس من الغريب أن تعكف العقول البشرية منذ قديم الأزل على البحث المضني عن هذه الإجابة.

بداية البحث عن إجابة شافية كانت مع الفلاسفة والتفكير المتأمل ثم تطورت السبل المعرفية عند البشر حتى وصلنا إلى أفضل وسيلة إلى الآن وهي العلم، لذا كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار المترقبة إلى هذا الزائر الجديد الشديد الثقة بنفسه لرؤية ماذا يحمل في جعبته بخصوص مسألة وجود الله.

الآن حانت لحظة الحقيقة التي بالتأكيد يعرفها الجميع وهي أن العلم لم يجد دليلًا مباشرًا على وجود الله، بل يمكننا القول أن هذا الدليل لن يوجد أبدًا، لماذا؟ لأن إحدى خصائص الله الضرورية هي أنه خالق الكون، أي أنه نفسه خارج هذا الكون وبالتالي خارج الزمان والمكان، والعلم ليس لديه أي وسيلة تمكنه من اختبار شيء ما خارج هذين النطاقين بصورة مباشرة.

لكن القصة لم تكتمل هنا، فالعلم لا يعترف فقط بالدليل المباشر لإثبات وجود الأشياء، فالعديد من الحقائق العلمية المعروفة جاءت عن طريق الشواهد غير المباشرة، ولنأخذ الذرة على سبيل المثال، فالذرة ظلت إحدى الحقائق العلمية لسنين طويلة عن طريق شواهدها، فلا أحد رصد الذرة مباشرة قبل عام 1981 الذي اكتشف فيه ميكروسكوب المسح النفقي Scanning Tunneling Microscope وحتى هذه الطريقة في الرصد يراها البعض غير مباشرة.

مثال آخر هو الثقوب السوداء ذات الجاذبية الفائقة والتي لا تسمح لأي شيء أن يهرب من قبضتها حتى الضوء، هذه الخاصية بالتالي لا تسمح برصد ثقب أسود بصورة مباشرة، إذ كيف يُرصد وهو مظلم تمامًا؟ لكن هذا لم يمنع الثقوب السوداء من أن تندرج تحت مسمى الحقائق العلمية حتى وإن جاء رصدها عن طريق شواهدها مثل تأثير جاذبيتها الشديدة على مدارات النجوم القريبة منها أو عن طريق موجات الجاذبية الناتجة عن دمج ثقبين سوداوين والتي تم رصدها للمرة الأولى هذا العام.

إذن فرغم أن وجود الله لا يمكن إثباته عن طريق الرصد المباشر، إلا أن إيجاد الشواهد العلمية على وجوده قد تصبح كافية لتحقيق هذا الإثبات، وهذه الشواهد بالتأكيد موجودة في الاكتشافات العلمية الحيوية التي سنناقشها الآن.

 

الانفجار العظيم The Big Bang

ظلت وجهة النظر القائلة بأن الكون ساكن أبدي لا بداية له ولا نهاية هي الفكرة المسيطرة على الفيزياء حتى جاء إيدوين هابل في القرن العشرين وقاس ما يدعى الإزاحة الحمراء القادمة من المجرات حولنا، ولكي نعطي فكرة سريعة عن الإزاحة الحمراء فهي ما يحدث للضوء القادم من جسم ما أثناء ابتعاده عنا، أما إذا كان يقترب منا فهذا سوف يؤدي إلى ما يدعى الإزاحة الزرقاء، وبناء على هذا لاحظ هابل أن المجرات تبتعد عنا لأن إزاحاتها حمراء وأن قيمة الإزاحة الحمراء لهذه المجرات تتناسب مع مسافتها منا فكلما زادت هذه المسافة زادت الإزاحة الحمراء مما يعني أن المجرات تتباعد عن بعضها البعض كذلك، وبالتفكير المنطقي والحسابات الدقيقة توصل هابل إلى المعنى الحقيقي لهذا الاكتشاف وهو أنه بما أن المجرات مستمرة في التباعد فهي كانت حتمًا أقرب في الماضي وأنه بالتوغل أكثر في الماضي سوف نعود إلى فترة كان فيها الكون شيئًا واحدًا يدعى المفردة singularity وهذا كان منذ حوالي 13.8 بليون عام، ثم عن طريق ما يشبه الانفجار بدأت مكونات هذه المفردة في التباعد الذي استمر إلى الآن، وهذه هي نظرية الانفجار العظيم.

ما قد لا يعرفه القارئ أن هذه الفكرة كانت قد اقترحت بالفعل من قبل الفيزيائي والقسيس جورج لوماتر في ورقة بحثية نشرها قبل بحث هابل بعامين، والمدهش هنا أنه اتجه عكس التيار وقتها الداعم لنظرية الكون الأبدي وكان حافزه الوحيد هو اقتناعه بالنصوص الدينية القائلة بأن الله خلق الكون من عدم، هذه القناعة أدت به إلى أن ينجح في اشتقاق المعادلات اللازمة من معادلات النسبية العامة لأينشتاين وبهذا يعتبر المنظّر الأول الحقيقي لنظرية الانفجار العظيم.

يمكن للقارئ أن يرى بوضوح كيف يمكن لهذه النظرية أن تكون ركنًا قويًا يستند عليه المؤمنون بوجود الله فقد أدت إلى النتائج الهامة التالية:

  • أثبتت هذه النظرية أن الكون ليس أبديًا وقد كانت مشكلة هذه الفرضية بالنسبة للمؤمن هو أن الكون الأبدي لا يحتاج بالضرورة إلى خالق، أما إذا كانت له بداية فلابد من وجود سبب موجد له.
  • أثبتت أن ما رددته النصوص الدينية لقرون عديدة – دون أن يكون لديها دليل مادي – بأن الكون له بداية، هو بالفعل الافتراض الصحيح.
  • كون الكون له بداية معناه أنه جاء من العدم والعلماء ليس لديهم أي تفسير للدافع الذي قد يجبر هذا العدم أن يخرج كونًا إلا إذا كان بيد كيان واعٍ ذكي، فلا أحد يتخيل مثلًا أن ذبابة قد تخرج فجأة من الهواء إلا عن طريق قوة أعلى علمًا بأن الهواء ليس عدمًا وأن الذبابة ليست كونًا.

حاول الرافضون لفكرة وجود الخالق أن يخرجوا بتفسيرات أخرى لبداية الكون وإحدى هذه التفسيرات هو أنه كما أن هناك “انفجارًا عظيمًا” فكذلك يوجد “انسحاق عظيم” أي أن الكون يستمر في تمدده ولكن في سرعة متباطئة إلى أن يصل إلى نقطة ما تتجاوز فيها قوة الجاذبية سرعة التمدد فينسحق الكون على نفسه وتعود المفردة لإنتاج كون جديد وهكذا إلى الأبد. مشكلة هذه الفرضية أنها لا تملك دعمًا قويًا في الوسط العلمي الذي يؤكد أن التمدد يتسارع ولا يتباطأ، وحتى على فرض أنها حقيقة فإذا عدنا بالزمن عبر الأكوان العدة التي توالت في الوجود والانسحاق، سوف نصل حتمًا إلى المفردة الأولى التي خرجت من العدم ونعود إلى نفس مشكلة “السبب”.

نفس المشاكل تنال من نظرية أخرى يعتقد البعض أنها أفضل التفاسير لبداية الكون وهي أن كوننا أنشئ داخل ثقب أسود تابع لكون آخر، فرغم أن المعادلات قد تؤكد إمكانية نشأة كون داخل ثقب أسود إلا أننا نعود لنسأل: ما سبب وجود هذا الكون الآخر؟ وهكذا نجد أن مشكلة “السبب” لاتزال قائمة.

جانب آخر هام لنظرية الانفجار العظيم هو أنه كما قال ستيفن هوكينج: “المفردة هي حيث تتكسر جميع القوانين الفيزيائية”، فالقوانين المعروفة مثل القانون الأول للديناميكا الحرارية وسرعة الضوء بالإضافة إلى قوانين عديدة أخرى يتم كسرها في المفردة وأثناء فترة تمدد الكون الأولى. السؤال إذن هو كيف يمكن حدوث هذا إلا عن طريق من أوجد هذه القوانين في المقام الأول؟

 

الآلية الوراثية Genetic mechanism                       

نشر تشارلز دارون كتابه أصل الأنواع سنة 1859 والذي وضع فيه أسس نظرية التطور والأصل المشترك للكائنات الحية وقد اختار دارون الانتقاء الطبيعي كوسيلة الحفاظ على الصفات الجيدة والقضاء على غير الصالح منها وبهذا تتغير الأنواع، ولكن ظلت هناك مشكلة عالقة أمام هذه الصورة وهي: كيف نشأت الخلية الأولى التي جاءت منها كل الأنواع؟ فالانتقاء الطبيعي بتعريفه بحاجة إلى آلية التكاثر، لذا لا يمكن اعتماد الانتقاء الطبيعي لخلق هذه الخلية الأولى التي لم تأت عن طريق التكاثر.

تم صرف السؤال السابق بقول أن الخلية الأولى قد نشأت بشكل عشوائي، ولكن كان هذا قبل أن يتم سبر أغوار الخلية الحية إلى المستوى الجزيئي الذي أدى إلى اكتشاف الآلية الوراثية.

فلنستعرض سريعًا هذه الآلية قبل أن نتعرض للصعوبات التي تمثلها لفكرة الخلق العشوائي للخلية الأولى، نبدأ بالمعلومات الوراثية للكائنات الحية والتي تحدد جميع صفاتها، فهذه المعلومات مسجلة في الحمض النووي أو الدنا DNA في شكل شفرة مكونة من أربع حروف هي A وT وC وG التي هي قواعد الدنا النيتروجينية الأربع، وتتجمع هذه القواعد في ترتيبات معينة لتكوين الجينات التي يتم ترجمة الشفرة بها لتكوين الأحماض الأمينية، فكل ثلاث قواعد متتالية تتم ترجمتها إلى حمض أميني محدد من بين عشرين حمضًا، فمثلًا عندما نجد الشفرة ATG فهذه تترجم إلى الحمض الأميني ميثيونين، ثم بناءً على تسلسل القواعد في الجين تتم ترجمة الأحماض الأمينية المقابلة والتي تتصل ببعضها البعض لتكوين البروتين الذي يؤدي وظيفة محددة، فهناك البروتين المسؤول عن لون البشرة والبروتين المسؤول عن الهضم وآخر مسؤول عن تكوين العين وهكذا.

الآن نعود إلى الخلق العشوائي والمشاكل التي تواجهه في ضوء الآلية الوراثية. طبقًا لهذه الآلية فالحياة ليست مجرد تكوين الأحماض النووية أو الأمينية الصحيحة، فهذه المكونات يمكن إنتاجها بعشوائية وقد تم إثبات هذا معمليًا بالفعل عن طريق تجربة ستانلي ميلر الشهيرة عام 1953، ولكن الحياة في الحقيقة عبارة عن معلومات متمثلة في كيفية ترتيب قواعد الدنا والأحماض الأمينية لتكوين السلسلة الصحيحة التي سوف تؤدي وظيفتها، فالخطأ حتى وإن كان في قاعدة واحدة أو حمض أميني واحد سوف يؤدي إلى نتائج كارثية. الاستنتاج الطبيعي لهذا هو أن المعلومات حتمًا يحمّلها كيان ذكي في هذه الجزيئات، تمامًا مثل أن نرى قصيدة ما فنعول سبب وجودها على كاتب ذكي وليس على الصدفة العشوائية.

حتى نؤكد فشل فكرة الخلق العشوائي في صنع جزيئات الخلية الحية فلنأخذ مثالًا بسيطًا جدًا وهو بروتين طوله 100 حمض أميني ولنحسب طبقًا لقانون الاحتمالات الزمن الذي يتطلبه إنتاج مثل هذا البروتين عشوائيًا في الطبيعة، سوف نجد أن هذا الزمن هو حوالي 10234سنة، أي أكثر بمراحل من عمر الكون، بالإضافة إلى أن هذا التكوين العشوائي سوف يحتاج إلى مادة أكثر بليون مرة من المادة الموجودة في الكون ومسرح أكبر من حجم الكون ليتم فيه، إذن فالنتيجة الواضحة هي أن الخلق العشوائي لا يصلح لتفسير تكوين بروتين واحد فما بالك بخلية حية!

شيء هام آخر تخبرنا به الآلية الوراثية وتعجز العشوائية عن تفسيره، وهو الارتباط الوثيق بين الدنا والبروتينات، فالدنا دوره كما ذكرنا سابقًا هو أن يحمل المعلومات التي تتم ترجمتها لإنتاج البروتينات كما أن بعض البروتينات (الإنزيمات) ضرورية لإنتاج المزيد من الدنا، مما يعني أن أحدهما تم صنعه ليتواءم مع الآخر. كيف يحدث هذا عشوائيًا؟ الإجابة هي: مستحيل، فهذا الربط بين نظامين معقدين مستقلين تمامًا من الناحية البنيوية يتطلب ذكاء.

المحاولات التي تمت لدحض فكرة الحاجة إلى مصمم ذكي لخلق الحياة عديدة، ولكن ربما أهمها القول بأن الجزيء الأول الذي تم صنعه عشوائيًا هو الرنا وليس الدنا وقد أثبتت تجارب حديثة في 2001 وبعدها في 2011 أن بعض جزيئات الرنا بالإضافة إلى حملها المعلومات الوراثية فهي أيضًا قادرة على صنع المزيد من الرنا دون الحاجة إلى بروتينات، أي أنها ذاتية التكاثر وقد استخدم هذا الاكتشاف كمدعم لفكرة الخلق العشوائي، لكن المشكلة الواضحة بالطبع أمام هذا المقترح هو أنه أولًا يتطلب نوعًا خاصًا جدًا من الرنا “يعرف” أن عليه أن يتكاثر بالإضافة إلى أنه حتى لو تم إنتاجه عشوائيًا فهو بحاجة إلى جزيء آخر شبيه كي يعمل على إنتاج المزيد منه، ليس هذا فحسب بل إن هذا الجزيء الآخر والذي سوف يتم إنتاجه عشوائيًا كذلك يجب أن يتكون بالقرب من الجزيء الأول واحتمالات حدوث هذا متناهية الصغر.

نرى مما سبق أن الخلق العشوائي يفشل تمامًا في تفسير الحياة وهذا معناه أن التفسير المتبقي وهو القائل بأن الحياة بدأت بإرشاد ذكي يعرف ماذا يفعل جيدًا هو حتمّا التفسير الصحيح.

أطلنا الحديث الذي لم ينته بعد، فإلى أن نكمله في الجزء الثاني بإذن الله..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد