قامت الدنيا ولم تقعد في باريس، وشهدت مواجهات دموية عنيفة، بين رجال الشرطة وأصحاب السترات الصفراء، ولم نسمع حالة وفاة واحدة، وفي النهاية رضخ النظام واستجاب لمطالب المتظاهرين. لكن في وطننا العربي، يحدث العكس. حيث يتمسك النظام بالسلطة، حتى لو راح نصف الشعب إلى المقابر، وبقي النصف الآخر يعزي بعضه البعض في قتلاه، ليرقص الدكتاتور حاملًا عصاه يتغنى برغد العيش.

بلاد السودان، من أكبر البلاد العربية مساحة، لو زرعت لأغنت العرب عن قمح الغرب، وعن موز غواتيمالا والإكواتور لأن الفقراء ليس لهم فيه نصيب بسبب غلائه.

لو زرعت السودان يا بشير لأصبحت من أكبر المزارع في العالم وتغني معها المراعي السعودية عن جلب العلف من الأرجنتين.

لو استثمر السودان يا بشير ثروته النفطية في بنيته التحتية لما غلب اللون الأصفر على طرقات العاصمة الخرطوم، كأن هنديًا مر منها ونثر كيسًا من البهارات والتوابل الهندية الصفراء والحمراء، ولبد سمائها بغيوم غبار الراجلين. أما القرى فحالها يوحي أن حلف النيتو قد انتهى للتو من قصفها.

لو أنك يا البشير كان لك حظ من اسمك، كما يقول المثل، لاستبشر السودانيون خيرًا منذ اعتلائك عرش «مملكتك» السودانية، التي حكمتها بقوة العسكر والدم، ولتتركهم، على الأقل، يأكلون مما تزرع أيديهم، في أرض شاسعة، حباهم الله بها، وفق استراتيجية فلاحية مدروسة، كما تفعل جميع الأمم. بدل احتكار القمح في ضيعات يحرسها عسس الرئيس، حتى أشعلت لهيب رغيف الخبز وأثقلت كاهل المواطن السوداني.

لو أنك يا البشير تدرك أن صفة الخلود لله وحده عز وجل، ولم يخص بها أحدًا من عباده، لأدركت أن الشعب السوداني سينتفض يومًا.

وعندما انتفض من أجل كسرة الخبز، وبعدما أثقل الإملاق ممشى كل السودانيين، أطللت بعصاك التي حكمت رقاب الشعب أربعين سنة، واصفًا إياهم بالخونة، المرتزقة، المندسين، أعداء الوطن، الحاسدين لاستقرار السودان على عزته ودينه.

نعم يا بشير فنحن نتفق جميعًا نحن العرب، أن أي مواطن عربي طالب بحقه فهو يحمل الصفات التي ذكرتها سالفًا، إلا مسألة العزة والدين.

فلو أنك تعرف معنى الدين كما قلت، لأدركت أنك مجرد عابر سبيل لا غير وأن أثقال الحكم صعبة حين ينادي رب العالمين قائلًا: لمن الملك اليوم؟ ولأدركت أنك ستسأل يوم إذن عن النعيم.

ولو أدركت معنى العزة لعرفت أنها قد أخذتك بالإثم كما أخذت الأولين من قبلك.

عيب يا البشير فالدين ليس سلاحًا تقتل به رغبات شعب يطالب بالعدل في الحكم والعدالة الاجتماعية. وليس الدين معطفًا يخاط على المقاس، مضادًا لرصاص ثورة الجياع الذين أفقرتهم سياسة حكم العسكر، والوطن ليس حظيرة حتى تقتسمه مع الغير، والقادم أسوأ.

عيب يا البشير فالدين الذي تتحجج به يسمى في أبجديات هذا العصر «دين السياسة وكرسي العرش»، ودين بلاد السودان، الذي يعتنقه السودانيون، عمره أكثر من أربعة عشر قرنًا، لا ندري حقيقة في أي منزلة أيها الفريق البشير من هذين الفريقين في الآية الكريمة: «لكم دينكم ولي دين»، حتى تحسد عليه.

والله لا أدري هل قدر العرب في هذا العصر هو حكم العسكر؟ وهل الشعوب العربية ليست أهلا للديموقراطية؟

عندما ثار الجزائريون على فرنسا في سبيل الاستقلال، أعلنوها مسألة حياة أو ممات. لكن عندما تثور الشعوب العربية على حكامها، فبالتأكيد سيكون مصيرها الممات بعدما سلبت الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد