تصاعدت الأصوات داخل البرلمان السوداني، بسحب القوات العسكرية المشاركة في الحرب اليمنية وإعادتها للبلاد، مما أثار تساؤلات، هل من الممكن لتلك الأصوات والدعوات أن تلزم السلطات باتخاذ القرار؟ وهل يستطيع الرئيس البشير سحب جيشه من اليمن دون أي معوقات، من دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، والمعروف عنها في الفترة الأخيرة بتهورها في اتخاذ القرار وسياستها العرجاء، أصبح مطلب انسحاب القوات السودانية من اليمن ليس قاصرًا على فئة سياسية أو حزبية سودانية معارضة أو متوافقة مع الحكومة؛ بل تعداه إلى عموم المجتمع السوداني الذي يرى أن بقاء قواته هناك ليس له أي دواعي في حرب «لا ناقة لنا فيها ولا جمل»، مثل سوداني.

السودان في أزمة حقيقية، ليس من المنطق بوجود قواته خارج الحدود، خاصةً مع الأوضاع المعيشية الصعبة التي يمر بها المواطن، والوضع الاقتصادي المتهالك يومًا بعد يوم، كان على السودان أن يدرس أمر المشاركة بالطريقة التي لا تجعله محل انتقاد الجميع، وخاصة أن هذا النداء ليس من الأمم المتحدة، ولا الجامعة العربية الكيان الإقليمي المعروف، وإنما هو نداء المملكة العربية السعودية لحماية حدودها، إن صح التعبير، بدليل أن هذه الحرب عمرها الآن ثلاث سنوات دون رؤية واضحة أو نتيجة منطقية تعيد ترتيبات التحالف، وربما تمتد إلى سنوات في ظل الصراع الإيراني السعودي في المنطقة.

قانونيًّا وجود القوات العسكرية في اليمن، يتنافى مع المهام المنوطة بها في توطين السلام والأمن الدوليين وحمايتهما، تنفيذًا للالتزامات الأخلاقية والمواثيق الدولية والإقليمية، والحرب التي تشنها السعودية لم تحظ بأي مظلة قانونية دولية؛ بل المناداة بمحاكمة السعودية تزداد شيئًا فشيئًا لكونها ترتكب جرائم حرب، عبر قتل الأطفال اليمنيين ونشر الأمراض وهدم الآثار.

وقال المحامي عمرو بن العاص محيي الدين الذي تقدم بعريضة إلى المحكمة الدستورية ضد قرار إرسال قوات سودانية إلى اليمن، بأن البشير خالف مبادئ وقوانين عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، فضلًا عن عدم موافقة البرلمان السوداني على الدخول في تلك الحرب. وبرغم كل هذا ما زالت الحكومة السودانية تدرس سلبيات مشاركتها وإيجابياتها، وتتحفظ على خسائرها من الأرواح وسط الجنود والضباط، غير ضعف المكاسب السياسية، ما تمارسه الحكومة السودانية الآن من صمت وتحفظ لا أعتقد أنه بشريات العودة، بل ربما تكون تعزيزات للموقف، وهذا ما عودنا عليه الرئيس البشير، لا يملك شجاعة اتخاذ مثل هذا القرار، في الوقت الراهن خاصة مع الأوضاع المزرية التي تمر بها البلاد، خوفًا من إخفاقات خارجية تهدد ترشيحه في انتخابات 2020.

تعيد خطوة انسحاب القوات السودانية من اليمن التوازن للبلاد من حيث وضعها الاستراتيجي والحيادي في مثل هذه المواقف، والاهتمام بالوضع الداخلي من توفير احتياجات المواطن من غذاء ودواء ووقود، بدل الدموع التي يذرفها الوزراء في البرلمان، والانشغال بحروب لا يجني منها الشعب إلا فقدان فلذات أكباده، لا بد من رؤية ثاقبة لبناء شراكات استراتيجية مع دول شرق أفريقيا ووسطها سواء كان اقتصاديًّا أو سياسيًّا، تحسبًا لأي تداعيات من المملكة العربية السعودية وحلفائها من دول الجوار، ظل السودان منذ أمد بعيد البلد المعطاء للخليج على مر الحكومات، دون أي مقابل أو حفظ جميل يذكر، آن الأوان أن يعرف السودان مصالحه خارجيًّا، ويدير أزماته الداخلية، ويغير أنظمته كما فعل الربيع السلمي الأفريقي في «جنوب أفريقيا وإثيوبيا وغيرها من الدول الأفريقية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد